أزمة الفكر الغربي وما بعد الحداثة

thumbnail
أزمة الفكر الغربي وما بعد الحداثة
 
إذا كان الفكر الغربي الحديث قد حقق للفرد جزء من السعادة لا في جانبها التنظيري، وإنما في جانبها العملي. إلا أن نهاية القرن 19م كانت مليئة بمظاهر الإختناق، وحافلة بالمآسي على كل الأصعدة، هذا ما يؤكد وجود هوة سحيقة بين ما كان يدعو إليه المشروع الحداثي، وما وصل إليه في نهاية الأمر، وهذا ما عبر عنه آلان تورين بقوله: “أن الحقل الاجتماعي الثقافي الغربي منذ أواخر القرن 19م لا يمثل مرحلة جديدة في مسار الحداثة بقدر ما يمثل مرحلة نقدها وتفكيكها”1، هذه المرحلة هي ما بعد الحداثة.
مفهوم ما بعد الحداثة ودواعيها
كما كان الاختلاف بين المفكرين حاصلا حول مفهوم للحداثة، فهم أيضا لم يتفقوا على تحديد تعريف واحد واضح لمصطلح ما بعد الحداثة Modernite.Post كونه مصطلحا لزجا منزلق الدلالة. وبسبب تعدد القراءات المقدمة للمصطلح من قبل المفكرين على حسب تعدد مجالات استعمالاته، وقع اختلاف بين بينهم حول سؤال عميق وحاسم مفاده:  هل ما بعد الحداثة تمثل مرحلة قائمة بذاتها لها مقوماتها ومقتضياتها الخاصة، أم أنها مجرد حالة للفكر أو الثقافة؛ تتميز بوجود أنماط ثقافية لم يتم الاتفاق بعد على تحديد ملامحها؟
    هذا ما خلق انقساما بين المفكرين؛ فمنهم من انتصر للحداثة باسم الامتداد، ومنهم من عارضها باسم القطيعة؛ فنشأت عن هذا الجدل حركة فكرية ما زالت إفرازاتها وتبعاتها قائمة إلى حد الآن؛ منها ما تعلق بمضمون المصطلح من حيث الاستعمال والتداول، ومنها ما ارتبط بالمرجعية التاريخية والفكرية والمصطلح “فمع انتهاء عقد الثمانينات تتزايد صعوبة التحديد الدقيق للمعنى وراء مصطلح ما بعد الحداثة، لأنه يتشعب عبر مناقشات مختلفة، ويتجاوز الحدود ما بين فروع المعرفة المختلفة، وتسعى أطراف مختلفة للاستشهاد بهذا المصطلح، واستخدامه للتعبير عن خضم من الأشياء والتوجهات والطوارئ المتنافرة”2.
    ولعل أبرز المفكرين الذين اختزلوا في مواقفهم تلك الطروحات المقدمة حول العلاقة بين الحداثة وما بعد الحداثة من حيث السياق الدلالي أو السياق التاريخي؛ هم كل من يورغن هابرماس(1929) ؟ وفرانسوا ليوطار (19241998). أما الأول فيدافع عن الحداثة وطروحاتها كونها لا ترتبط بمرحلة تاريخية معينة، ولكنها تتجدد دوما كلما تجددت العلاقات بالقديم، والوعي بخصائص ما هو قادم، بل يذهب إلى أبعد من ذلك ويؤكد على أن الحداثة مشروع غير منجز، أي غير مكتمل؛ بل هو في طور الاكتمال، كون الحداثة ليست عهدا ولى وانقضى، بل الحداثة تدور حول نفسها، وتعيد تكرار ذاتها وأطروحاتها.
    فما بعد الحداثة بمختلف تجلياتها- المجتمع المابعد صناعي، العولمة، الخ- ما هي إلا استمرار لمنطق الحداثة ولعمقها المتمثل في النقد المستمر والتجاوز الدائم لذاتها. وكيفما كان الحال لا يمكن القول بأن الغرب قد قطع صلته بالحداثة لينغمس في مرحلة ما بعد الحداثة، بل أن الأمر يتعلق بصيرورة الحداثة نفسها التي أنجبت ما يدعوه آلان تورين المتخيل الثقافي ما بعد الحداثي”؛ والذي هو بمثابة إعادة تجديد للعلاقة المتوترة بين العلم والحرية، وبين العقلانية والذاتية “فبدون العقل تنغلق الذات داخل هوية متشنجة ، وبدون الذات يصبح العقل أداة بيد قوة السلطة، لقد هيمنت في القرن العشرين ديكتاتورية العقل، والانحرافات الكليانية للذات، وعليه يرى هابرماس أنه لا يمكن إدراك معنى ما بعد الحداثة من دون العودة إلى الحداثة من حيث مضمونها، أو من حيث إطارها التاريخي.
    فهل من الممكن لوجهي الحداثة اللذين تصارعا فيما بينهما، أو تجاهلا بعضهما البعض أن يتجاوزا أخيرا، وأن يتعايشا جنبا إلى جنب؟”.
   أما الثاني -أي فرانسوا ليوطار- فيناهض الحداثة ويشكك في مصداقيتها، إذ اعتبر أن المشروع الحداثي فشل في تحقيق الفكرة الكونية (العالمية)، فهو لم يعد مهجورا فقط؛ وإنما أصبح محطما، وعليه يجب عدم الوثوق في المبادئ والأسس التي بنيت عليها الحداثة، فنعي الحداثة يقترن عند ليوطار بكتابه الهام “الشرط ما بعد الحداثي”؛ الذي أقر فيه بسقوط النظريات الكبرى التي تحاول تقديم تفسير شمولي للمجتمع، وتتخذ شكل أنساق فكرية ومنظومات مغلقة، ومن أبرز نماذجها الإيديولوجيات الكبرى، كما أقر بنهاية فكرية الحتمية سواء في العلوم الطبيعية أو في التاريخ الإنساني، فليست هناك حتمية في التطور التاريخي من مرحلة إلى أخرى، بل أن هذا التاريخ منفتح على احتمالات عديدة.
   ومن هنا رفضه لمفهوم التقدم الذي أسست عليه الحداثة تصورها لفاعلية الإنسان، وبعبارة موجزة يمكن القول بأن ما بعد الحداثة تقوم على عدم تصديق الميتا-حكايات أي الحكايات الثقافية العليا، أو ما وراء الحكايات التي ورثها الفكر الحديث، كحكاية الانعتاق التدريجي للعقل والشغل ورفاهية الإنسانية جمعاء؛ بفضل تقدم العلوم والتكنولوجيا، وهي أشبه بالأساطير، هذه الاختلافات حول الحداثة وما بعدها من الناحـية الدلالية والتاريخية جعلت من مفهوم ما بعد الحداثة ينثني على كثير من الغموض، والصعوبة في الضبط لاتخاذه معان مفتوحة تبعا لاستعمالاته المتنوعة في ميادين مختلفة كالفن، والسياسة، والفلسفة… فما بعد الحداثة أشبه بذلك المفهوم الثابت المتغير الذي لا يستقر على حال. ومهما يكن فإن ما بعد الحداثة حالة جديدة ناجمة عن نقد التمركز حول العقل في الفكر الحداثي الغربي؛ تبعا لتغير الزمن والظروف العامة التي تجاوزت كل انجازات الحداثة؛ نتيجة لتقدم أساليب البحث وتقنيات الاتصال خصوصا، فما بعد الحداثة إنما هي مرحلة انفتاح العقل على اللاعقل؛ ومختلف القدرات الإنسانية التي تشمل الوهم والعقيدة والمتخيلة والأسطورة… وهي الملكات التي كانت الحداثة المزهوة بذاتها وبعقلانيتها الصارمة قد استبعدتها.
ويفهم منه هذا أن ما بعد الحداثة إنما هي صورة لحالة التمرد التي يمارسها العقل على
ذاته، مشكلا لنفسه نظرة مغايرة إلى العالم، وبمعايير مختلفة عن السابق، بعيدا عن الثبات
وعن الحتمية، وقريبا من الارتياب حول موضوعية الحقيقة “إن لحظة ما بعد الحداثة وهي تزحزح قيم المشروع الحداثي، وتنزاح عن خطاباته الكبرى وعن اطلاقاته، تستحيل إلى إيديولوجيا غريبة المآخذ، عجيبة السمت، لا هي في الماضي، ولا هي صوت الآتي… وأقل ما يقال عنها أنها إيديولوجيا عدمية، ونحلة قيامية تزرع اليباب في كل مظهر من مظاهر الكينونة الإنسانية، وتنذر بالموت، إذ تعلن موت الإنسان وموت الإيديولوجيا، ونهاية التاريخ، وثالثة الأثافي، إنها تنفي نهاية الحداثة ذاتها، وبذلك فهي تنعي نهايتها بامتياز”3.
2-تجاوز الحداثة
تعد الفلسفة المعاصرة برمتها تقريبا منهجا تحليليا للزخم الفلسفي الإنساني الذي صنعه رواد الحداثة حتى هيغل، وكرد فعل ضروري لما آلت إليه الحداثة، فإن الأصوات تعالت لتجاوز الحداثة، والحديث عما بعد الحداثة كمرحلة ضرورية ليس للتصحيح أو التقويم، وإنما للهدم والتقويض والقطيعة، وطي صفحة الحداثة نهائيا؛ بالثورة على المبادئ التي قام عليها المشروع الحداثي الغربي، بل الفكر الأوربـي الكلاسيكي كله، كالعقلانية وفلسفة الذات، ومفهوم الكلي والثابت، ووهم المطلق النهائي، والحتمية التاريخية. فما بعد الحداثة كل المفاهيم فيه متغيرة، تعبر عن التبعثر والاختلاف والتعدد والنسبية والانفتاح وقابلية التغير الكامل والدائم”4.
    ولعل المتقصي لتاريخ الفكر الفلسفي ما بعد العصر الحديث يجد أن إرهاصات الرفض والتجاوز للمشروع الحداثي إنما ترجع إلى فيلسوف الإرادة فريديريك نتشه(1844-1900) أول الداعين إلى نقد العقل الغربي وتعرية أنساقه وتقويضها قصد تحطيمها، وإثبات قصورها في بلوغ الحقيقة، فإذا كان الفكر الحداثي يقوم على المطابقة بين الفكر والوجود، فإن نتشه ينظر إليها على أنها شبكة عريضة من الأوهام والأباطيل. يقول: “أنه لا شيء يثبت أن نماذجنا المنطقية يمكن أن تكون كونية وضرورية ، ولقد وضعنا فيها ثقتنا بصورة مطلقة، لأننا لا نستطيع أن نعيش بدونها، ولكن الحياة نفسها لا يمكن أن تكون إثباتا منطقيا”5.
  و في مقابل هذه المطابقة، يدعو نتشه إلى نوع آخر من المطابقة تكون بين الفكر والحياة، فإذا كان الفكر الحداثي يستبعد الخطأ و الوهم من المنظومة المعرفية؛ فإنهما عند نتشه شرطين لازمين للوجود، لأنه لا يمكن تصور حياة الإنسان دون كمية محددة من الوهم، لأن الإنسان يخاف الحقيقة فيتوهم ويصدق أوهامه، كما لو كانت حقائق. وفي هذا الصدد يؤكد نتشه على أن الخطأ والوهم ليسا مجرد عرض يطرأ على الوجود؛ يزولان عندما يصطدمان بسلطة العقل، مثلما دأب عليه فلاسفة الحداثة ديكارت وكانط وهيغل، بل هما صميم الحقيقة، لأن ما يسمى عقلا وحقيقة ليس في نهاية المطاف سوى سلسلة من الأخطاء الأساسية التي اصطنعها الخطاب الفلسفي6.
ولعل الذي جعل هذا الفيلسوف يحظى بمكان الزعامة في مسرح الفكر الفلسفي للقرن العشرين؛ لما أثارته تصوراته وفلسفته من حركية فكرية قوية وخصبة إبان حياته وبعدها، ونزعة الشك التي اتصفت بها فلسفته، ومفهومه للحقيقة ودعوته إلى تفكيك العقل الغربي القائم على اللوغوس، وإعلانه عن “موت الإله” كتمهيد لإعلان “موت المؤلف” فيما بعد عند ميشال فوكو ورولان بارت في إطار “موت الإنسان”؛ كما يسميها روجي غارودي. فنتشه من خلال دعوته إلى “موت الإله” هو الإعلان عن بداية النهاية للميتافيزيقيا الغربية التي تعود إلى أفلاطون، وتصل إلى ديكارت وغيره من الفلاسفة العقليين الذين جعلوا من العقل الكلي “الله” مركزا للحقيقة.
   هذه الحقيقة في نظر نتشه هي المدخل اللائق لتفكيك العقل الغربي وتعرية أنساقه، والسؤال النتشوي حول الحقيقة يختلف عن نمط سابقيه؛ كونه لم يسائلها أو ينقدها بقدر ما اهتم بها كجوهر للمعرفة، كما يقول يوسف بن أحمد: “فاصلة تفكير نتشه تكمن في كونه لم يتساءل كبقية الفلاسفة عن ماهية الحقيقة، ولم يبحث لها عن تعريف متميز، على غرار ما فعله الفلاسفة السابقون، وإنما عن إرادة الحقيقة”7.
   ويضيف قائلا ” فإن السؤال النتشوي سيختلف تماما عن السؤال الأفلاطوني ما الحقيقة؟ وعن السؤال الديكارتي في ما الذي يكون الأساس اليقيني بالنسبة للتفكير والوجود؟ وعن السؤال الكانطي كيف يمكن للذات أن تعرف في حدود التجربة الحقيقية معرفة متعالية؟ أما هيكل السؤال النتشوي هو: من يبحث عن الحقيقة؟ وماذا يريد في نهاية الأمر؟”8.
   وبهذا السؤال يعلن فيلسوف الإنسان الأعلى عن هرم الحداثة وشيخوختها التاريخية والمفاهيمية، وبذلك اقترح مشروعا مستقبليا يلوح فيه الإنسان مريدا تواقا نحو تسلق الجبال والقمم، قادما من الأماكن الفسيحة والوعرة، وواجبه أن يحقق ذاته، ويرتقي دون شفقة على نفسه، ولا على الآخرين.      فهو الذي يحدد معتقداته وأخلاقه، ولا يؤمن بأي مصدر سوى إرادته؛ إرادة القوة9.
   وموازاة مع الثورة النتشوية خصوصا على المستوى الميتافيزيقي؛ هناك ثورة أخرى هي الثورة الفرويدية على المستوى السيكولوجي، ثورة جذرية قلبت مفاهيم الحداثة رأسا على عقب، فلم يتحدد الإنسان بوصفه وعيا وإرادة حرة، بقدر ما هو خزان لا شعوري؛ و الذي يختصر رغبات جنسية وعدوانية تحرك وتنشط الحياة النفسية وتفوق سلطة العقل، فقيمة الإنسان لدى فرويد لا تنطلق من كينونته العاقلة الواعية والقاصدة والمتحكمة في زمام الأمور، ولكن بوصفه كائنا حيويا تدفعه رغباته وحاجاته الغريزية والجسدية، فسلوكه مرتبط بدوائر اللاوعي أكثر من دوائر الوعي، أي اللاعقل أكثر من العقل”10.  وهكذا فإن مفاهيم اللاعقل والوعي والذات الحرية؛ ليست إلا أوهاما وقلاعا يختبئ وراءها إرث فلسفة الحداثة.
كما يؤكد فرويد على أنه لا نبالغ في تقدير الطابع الواعي حتى على مستوى الإبداع الفكري والفني، فكل من تحمل عبء تحليل الأحلام، ومارس التحليل النفسي يدرك أن الفعالية موجهة من غياهب “الهو” المرتبط بالكبت؛ والذي يعني وجود صراع عقلي يبرز رفض الإنسان الاعتراف بالواقع، فإذن على عكس ما تقوم به الحداثة من أن الموجه هو الوعي؛ فإن فرويد يضع فكرة التصعيد نموذجا لبناء الحضارة على المستوى العلمي، الفني والفلسفي، فهو يعتقد أنه لولا نظامية الكتب وتياره المتدفق لما كانت هناك حضارة”11 فالخلق إنما يرجع إلى ذلك الصراع بين رغبات الإنسان، وبالتالي فكل ارتواء لا شعوري معناه سعادة الإنسان، وما يؤكد هذه النظرية هو قراءة المفكر الفرنسي جورج لاكان المتفردة للتحليل النفسي؛ حيث يكشف أن فرويد أسس لتجاوز الحداثة عن طريق تفكيك فلسفة الذات، وإرجاع سلوك الإنسان إلى بنيات لا شعورية12.
    وقد بارك إيريك فروم ـ أحد رواد مدرسة فرانكفورت ـ هذا التوجه عندما زاوج بين التحليل النفسي الفرويدي والتحليل الاجتماعي، لتفكيك النظام الرأسمالي وخاصة في مرحلته المتقدمة؛ كاشفا عن العقلانية التي تجسدها هذه المجتمعات؛ باعتبارها وهما يخ ـفي لاعقلانية مستشرية؛ تستخدم القمع وسيلة لتقنين حرية الإنسان والجماعة والفرد؛ كاشفا عن العلاقة بين الأساس الاقتصادي للمجتمع وبنية الثقافة الفوقية. وإلى نفس الفكرة ذهب زميله هربرت ماركيوز(18891979)13.  
وهذا ما نجده أيضا عند وليام رايخ أحد أنصار التحررية الجنسية من خلال مؤلفه “الثورة الجنسية” عندما دعا إلى ثورة جنسية تحرر الغرائز، وسلطة الجسد من التحكم الاستهلاكي المرتبط بنظام السوق14.
  وإذا ما نحن اعتمدنا القراءة البنيوية للفكر الماركسي خاصة عند ألتوسير؛ سيكون ماركس في مرحلة الشباب هيغيليا؛ لا يتواصل على غير العادة مع الفكر الأنواري وفلسفة الذات والنزعة الإنسانية، ومنذ 1845 شرع ماركس(18181883) في وضع أسس نظرية جديدة تؤسس لمنظور ألتوسير؛ لفكر يتجاوز الخطاب الحداثي15.
   وانطلاقا من كل ما سبق ذكره؛ فنحن إذا نتجه نحو طرح فلسفي جديد، يختلف عن ما عهده الفكر الفلسفي الكلاسيكي، فمع نتشه ثم فرويد ثم رواد مدرسة فرانكفورت؛ فالحداثة تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة بالنظر إلى النتائج التي أفضت إليها. ومنه يمكن القول بأن هذه الإرهاصات قوت أفكار أولئك الذين لا يدعون إلى تجاوز الحداثة فحسب، بل إلى هدمها وتفكيكها.
    4-هدم الحداثة وتفكيكها
    لم تمر إسهامات نتشه الذي غادر العالم في بداية القرن العشرين دون أن يترك وراءه آراء عدها النقاد بمثابة الخيوط الرئيسية لإستراتيجية التفكيك؛ التي يتزعمها فيما بعد ميشال فوكو( 1926- 1984) وجاك دريدا(19302004)  أما فوكو فقد استطاع في كتابه “الكلمات والأشياء” الوصول إلى تحديد التحولات الفكرية التي هيأت لميلاد الحداثة النقدية، والتي تعود في اعتقاده إلى تغير العلاقة التقليدية التي كانت بين الكلمات والأشياء قبل العصر الكلاسيكي للفكر الفلسفي الغربي في القرنين17، 18م ، فالكلمات التي لم تعد تعني الأشياء، و إنما أصبحت لسان حالها لا شاهد على وجودها إلا هي ” إن اللغة لا تقول الأشياء و لكنها تقول رؤاها للأشياء، وهذا يعني أنها لا تعكسها، ولا تنعكس فيها، فاللغة ليست مرآة وكذلك حال الأشياء(…) ليس في اللغة سوى اللغة”16،” وهو بذلك يشير إلى أن ما قامت به الفلسفة العقلية من تقديس للإنسان وإعطائه مركز الاهتمام في المعرفة، جعلت من اللغة موجودة داخل العقل لخدمة تعليلاته واستدلالاته على فرضياته، وأن الكلمات ليست سوى وسيلة تواصلية بينه وبين الأشياء، وأنها ليست ناقلا لهذه الأشياء.
وقد بدأت رحلة فوكو في محاكمة الفكر الغربي منذ نشر كتابه الشهير “تاريخ الجنونمن خلال البحث في الأرشيف، و محاولة إبراز الوجه الآخر للغرب، ليس الغرب العقلاني و إنما الغرب اللاعقلاني، وقد ناقش فوكو الحداثة من خلال مناقشة النص الكانطي الذي نشر في إحدى الجرائد البرلينية على شكل سؤال: ما الأنوار؟ إذ يرى فوكو في هذا النص أول طرح فلسفي حول مسألة الحاضر كموضوع للتفلسف، فتساؤل الفلسفة عن الحاضر والراهن يسمح بأن يكون موضوع الفلسفة هو خطاب الحداثة17.
   وبتعبير محمد سبيلا؛ فإن كانط يمثل في نظر فوكو نقطة التقاء العديد من مسارات الحداثة وروافدها، بل نقطة التقاء صراعاتها و مخاضاتها الفكرية المختلفة، و كأنها حداثات متقاطعة لا مجرد حداثة واحدة(2).فتحت ثغرة واسعة في جدران الثقافة الغربية، سواء في كتابه “تاريخ الجنون” أو “الكلمات والأشياء” أو “المراقبة والعقاب” . إن تجربة الاختراق تكون قد فتحت ثغرة واسعة في جـدران الـثقافـة الغربية، سعيا من ورائها نحو إعادة بناء التراث الغربي، كمحاولة لقلب مفاهيم العقل والذات والإنسان، والحرية والعدالة، والتاريخ… وتعويضها عن طريق نفيها، أي اللاعقل، اللاإنسان، اللاتاريخ؛ ينتهي إلى فلسفة موت الإنسان قيمة ومفهوما وتاريخا على الشاكلة التي فهم بها في الثقافة الغربية الحديثة “فلقد عدت تجربة فوكو الحفرية مشكلة العقل في الصميم، وأن الجنون أو اللاعقل هو من أصل العقل، التي ولجت بعدها إلى مشكلة المعرفة، وبداية تكون العلوم الإنسانية عن طريق مفهوم القطيعة”18
    وهكذا فنحن وإن كنا أمام منظومة متباينة من المفاهيم كالمرض، والجنون، والسجن، إلا أنها تنصهر كلها في بوتقة واحدة تعبر عن بنية متضافرة العناصر، موحدة الدلالة هي بنية المهمشين، القاسم المشترك فيها هو تبيان الوجه الحقيقي لمظاهر الإقصاء والعزلة التي مورست على المجتمع الغربي، وإظهار قساوة ولاإنسانية الخطاب المؤسساتي النظامي على عكس ما كان يظهر19.
ومن هنا يمكن القول بأن غاية الفلسفة عند فوكو هي تجاوز المناطق المظلمة؛ والتي هي على شكل طابوهات لا ينبغي الاقتراب منها، ومنه كشف الأوضاع اللاإنسانية التي عاشها الإنسان، وأثرت في مجرى حياته بشكل أو بآخر
أما جاك دريدا الفيلسوف الفرنسي فقد اقترن به مصطلح التفكيك أكثر من غيره لبراعته في استثمار آلياته، مركزا نقده على غرار أسلافه على مركزية العقل والمعنى، وقد بدا النقد التفكيكي معه مميزا بجملة من المصطلحات التي عرف بها نحو: الاختلاف، الإرجاء، التشتت، الهوة، علم الكتابة، ميتافيزيقيا الحضور، المركزية الغربية، مركزية العقل…20. 
المراجع:
1– رفيق عبد السلام بوشلاآة ، مأزق الحداثة، الخطاب الفلسفي لما بعد الحداثة، مجلة إسلامية المعرفة، العدد 6 ، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، بيروت، لبنان، 1996، ص 112.
2– مارجريت روز، ما بعد الحداثة، ترجمة أحمد الشامي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،مصر، 1994، ص13
3– محمد الشيكر، هيدجر وسؤال الحداثة، افريقيا الشرق، الدار البيضاء المغرب، 2006 ،ص 223.
4 تيري ايغلتون، أوهام ما بعد الحداثة، ترجمة منى السلام، مراجعة سمير سرحان، مرآز اللغات والترجمة ، أآاديمية الفنون، القاهرة، مصر، 1998 ، ص 112.
5– نقلا عن رفيق عبد السلام بوشلاآة ، مأزق الحداثة- الخطاب الفلسفي لما بعد الحداثة، مرجع سابق، ص 16.
6– المرجع نفسه ، ص 117
7– يوسف بن أحمد، منظورية الحقيقة عند نتشه، مجلة الفكر الغربي المعاصر، مرآز الإنماء القومي، بيروت ، لبنان، ع 102، 1998، ص50.
8– المرجع نفسه، ص 51.
9– بودومة عبد القادر، نتشة قادما من المستقبل، فيلسوف ما بعد الموت، مجلة الإبداع والعلوم الإنسانية العدد 42،بيروت ،لبنان، 2000، ص41.
10– رفيق عبد السلام بوشلاآة، مأزق الحداثة ، مرجع سابق ص 113.
11– مطاع صفدي، نقد العقل الغربي ، الحداثة وما بعد الحداثة، مرجع سابق، ص 121.
12 رفيق عبد السلام بوشلاآة، مأزق الحداثة ، مرجع سابق، ص 114.
13– توم بوتومور، مدرسة فرانكفورت ، ترجمة: سعد هجرس مراجعة: محمد حافظ دياب، دار أويا  للطباعة والنشر والتوزيع، طرابلس، ليبيا، ط2 ، 2008 ،ص 23،22 .
14– رفيق عبد السلام بوشلاآة، مأزق الحداثة ، مرجع سابق، ص 114.
15– عمر مهيبل، البنيوية في الفكر الفلسفي المعاصر، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص221.
16– منذر عياشي، الكتابة الثانية وفاتحة المتعة، المرآز الثقافي الغربي ، بيروت، لبنان، 1998، ص 39.
17– زواوي بغورة، ميشال فوآو ، الأنوار والتقدم، منظور الانطولوجيا التاريخية، مجلة الإبداع والعلوم الإنسانية العدد38، بيروت، لبنان، 1999، ص76.
18 محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة، مرجع سابق ،ص 25.
19– هشام صالح، فيلسوف القاعة الثامنة، مجلة الكرمل ، العدد12 ، الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، 1948، ص17 .
20– موقف طه عبد الرحمان من الحداثة، مذكرة لنيل الماستر في الفلسفة، لبوزبرة عبد السلام، 2009/2010، الصفحة: 38-47، بتصرف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى