أسس الحداثة الغربية ومقوماتها

thumbnail
أسس الحداثة الغربية ومقوماتها
 
   كل باحث لموضوع الحداثة، والمسار الطويل الذي تدرجت فيه يجد نفسه محكوما بضرورة الوقوف عند أسس نشوئها وتشكلها وتطورها وسرعة انتشارها ونفوذها وقدرتها  في الاستحواذ على فكر غيرها، وكان اهتداء الباحثين إلى أن ثمة من المفاهيم ما تكرر في متون الحداثة، ولخصوها في ثلاث
   أ/ العقلانية:
   بهذا المبدأ عرفت الحداثة عموما وإليه نسبت، وما زال الاعتقاد بهذا التناسب والترابط راسخا حتى سوي بينهما، حتى أصبح البحث في الحداثة يستوجب الخوض في العقلانية، وكل بحث في العقلانية يقرن بصورة واضحة ومباشرة بالحداثة، حتى قيل الحداثة العقلانية أو عقلانية الحداثة، فتبعا للعلاقة الوطيدة بينهما كما يرى هابرماس أن حضور الواحدة يستدعي الأخرى والعكس صحيح. ومادام أن العقل هو المجال الذي يتحرك فيه الخطاب الحداثي بكل مستتبعاته، وهذا أمر لا يمكن الشك فيه، فالعقلانية هي مفتاح الحداثة وروح الإنسان الحديث بعد سيادة العبث والفوضى، وترك العالم عرضة للصدفة والهوى والخرافة، كما كان الحال عليه في العصور الوسطى، فها هو الإنسان الحديث ينظر، يتأمل، ينفذ، ويبسط سلطته ويستبد، ويحدد لكونه ذاتا عاقلة، فهو الوحيد الذي يبرز وجود الأشياء ويعللها، وعلى هذا الأساس تعتبر الرابطة الحميمة بين الحداثة والعقلانية أمرا بديهيا، وينتج عن ذلك نزع الطابع السحري والوهمي عن العالم، وإزالة التصورات العتيقة، وتعويضها بثقافة علمية عاقلة “وعلى هذا فالفكر الفلسفي في المناخ الكلاسيكي الغربي قد أسس حداثته بمحاولة إعادة الاعتبار إلى العقل وإثباته من ناحـية، وباستبعاد اللاعقل بجميع مظاهره من جهة أخرى، باعتباره منبع الفساد والتشويش والخراب…وعلى هذا فالعقل مفتاح الحقيقة والأسطورة مخبؤها، وبالعقل يستطيع المرء أن يسيطر على ما تخفيه الأسطورة، وأن يكشف وظائفها لفهم مقاصدها”1.
   فالحداثة بهذا تأسست على إعطاء أهمية خاصة للعقل، إذ أصبح مبدأ لكل نشاط علمي ومرجعا لكل معرفة، و من شأنه أن يحدد علاقته الشائكة بذاته؛ أو ما يعرف بالوجود الداخلي، أو ما يحيط به؛ أو ما يعرف بالوجود الخارجي، فهيغل رأى أن من شأن إعمال الإنسان الحديث لأول مرة في تاريخ البشرية، النظر في الآفاق وفي نفسه، إن عمل هو على إزالة غربة الذات في الطبيعة وغربة الطبيعة في الذات2.
   وكما يتصور ماكس فيبر؛ فإن الحداثة ترتبط بالعقلانية في صورة تلازم واضح ودائم كرسه الفكر الغربي إلى الحد الذي يجعله ارتباطا داخليا بديهيا؛ بالنظر إلى تاريخ أوربا الحديث الذي استقلت فيه الفنون والمنظومة الأخلاقية والقانونية، مناهج العلم ونظرياته من قيود الدين وسيطرته، والتي مثلت في نظر المثقفين الغربيين عائقا حال دون التقدم المرجو، وهو ما أدى إلى ثقافة دنيوية، فالمعقولية هي قبل كل شيء؛ حقل فيه تنتظم معارفنا وتتحد تدخلات الإنسان لفهم الطبيعة والحياة فهما يقترب من حقيقة واقعها3
   وترتب عن القول بالعقلانية كأساس للحداثة الغربية عقلنة جميع مناحي الحياة؛ سواء باستيعاب معطيات الماضي وتجاوزها، أو التأقلم مع معطيات الحاضر، والتهيؤ لاستقبال التطورات الجديدة ، ويمكن أن نحددها في:
   1- عقلنة القول العلمي:  وذلك بقطع الصلة بين العلم والتصورات المييتافيزيقية، وتخليصه من هيمنة الإيديولوجيا الدينية، واعتماد العقل البرهاني والتجريب، و هذا ما أدى إلى قيام النموذج الرياضي كمقياس أوحد لعملية ومنهجية التفكير، وأصبح العلم نموذجا للفلسفة وقدوة لها، بدأت هذه العقلنة من قبل علماء وفلاسفة أخذوا على عاتقهم محاربة تقاليد الكنيسة، وتواصلت مع كوبرنيك (1473-1543)، وغاليليو (15641642) وديكارت (16501596)4.
   2- عقلنة القول السياسي: أي جعل الظاهرة السياسية مستقلة قابلة للفهم العقلي، فمع ميكيا فيلي (1469-1527) أصبح الفعل السياسي منفصلا عن ميتافيزقيا التفكير في تدبير شؤون الدولة، فسمح للسياسة أن تحدث معقولية مستقلة لمعالجة الأمور، تختلف عن التناول الديني من ناحية، وتبتعد شيئا فشيئا عن التنظير الفلسفي، بل قد تعارضه أحيانا أخرى، لتتجنب طوباوية الخيال الفلسفي، و أصبحت بذلك السلطة خارج الوجدان الديني وبمشاركة المجتمع أو بعضه، أي اعتبار السلطة السياسية اجتماعية، ولا تستند إلى أي مشروعية متعالية “أي نزع القداسة عن المجال السياسي باعتباره مجالا دنيويا للصراع حول الخيرات والسلط والرموز”5.
   وأبرز ملامح العقلانية في الفعل السياسي تقويض أركان نظرية التفويض الإلهي (النظرية التيوقراطية)، وقيام نظرية العقد الاجتماعي؛ التي أبدع صاحبها في تصور قيام مجتمع ديمقراطي، فالديمقراطية كنظرية وكممارسة تعد نتاجا للمشروع السياسي ” إذ لا يمكن التفكير في العمل الديمقراطي خارج الأرضية الفلسفية، والسياسية الحداثية المؤطرة لهذا العمل. وتكفي مراجعة كيفيات تشكل التجربة الديمقراطية في تاريخ الفكر والممارسة السياسية في الغرب، لنتأكد من المواكبة الحاصلة ضمن هذا التاريخ بين المرجعية الفلسفية والحداثية، وتجلياتها في الفضاء السياسي والاجتماعي والثقافي كفضاء ديمقراطي”6.
    3- عقلنة القول التاريخي: فقد كان للحداثة أن تعيد قراءة التاريخ بتجاوز الأطروحة المسيحية؛ التي تجعل بداية التاريخ مولد المسيح وصلبه، وبالتالي فتعقلن التاريخ يكون بالانفصال عن الصبغة الدينية المسيحية، الذي سوف يؤدي إلى تشكل الوعي بضرورة الوحدة الغربية وحدة غير دينية، حتى تتمكن الشعوب أو الأمم الحديثة من السيطرة على المعطيات المتنوعة للحقل السياسي، وتوجيهها نحو إرادة الهيمنة. وعقلنة القول التاريخي تتطلب ((الانفصال عن التقاليد عموما وعن النقل خصوصا، وتشخيص الواقع الماضي تشخيصا يخول لنا فهم الحاضر والعمل على تغييره”7.      
    وملامح عقلنة القول التاريخي نلمسها من خلال أعمال فيكو(16681744)، وكانط (1724-1804)، وهردر(17441803) كممهدين، وفشته (17621814)، وشلنغ (1775-1854)، وهيغل في الفلسفة الألمانية كمحققين.
    4- عقلنة القول الديني: وتجلى هذا عندما اقتحم العقل قلاع الخطاب الديني واخترق حصونه، خصوصا عندما ورد استعمال العقل لفهم الخلق ومستتبعاته؛ كضرورة تستوجبها قراءة النص الديني قراءة تستجيب لمتطلبات العصر و تقوية فكرة الإيمان، ليس بناء على الموروث المنقول، بل على المعقول “فالعقلنة في المجال الديني تعني التدخل في جميع مستوياته بدقة لإصلاحه والابتعاد به عن طريق التحريف والغطرسة والتسلط”8. و تأكد هذا من خلال أعمال توماس مور(1478-1535) عندما حاول أن يعطي للنص الديني المقدس معنى عقليا متميزا عن المعنى التقليدي النقلي، وبسبب رفضه الاعتراف بالملك رئيسا للكنيسة، وانتقاده للعلاقات السياسية والاجتماعية والخاضعة لسلطة الدين أعدم بضرب عنقه؛ وهي العقوبة التي كانت سائدة في انجلترا .
    ب-الذاتية
   إن القول بالأساس الذاتي للحداثة لا يقل وزنا عن القول بأساسها العقلي، والحق أن الحداثة في معناها القريب والمباشر هي إيلاء الأولوية للذات، كونها استعادت ثقة الإنسان في فكره وحقه وملكه ومسؤوليته، إذ وجد الإنسان المتعة لا فيما قرره التقليد أو أفتى به القس، أو أمر به القوم، وإنما هي أعماله بما هو فرد ذو طبيعة حرة وعاقلة. فمنذ عهد الحداثة صار بمقدور المفكر أن يفكر بدء من ضمير المتكلم “أنا”، وهذه “الأنا” كانت مغيبة في العهد القديم و منغمرة في “النحن” وذائبة فيه. فالفكر الحداثي أعاد تشكيل نظرة الإنسان إلى ذاته كذات مستقلة (( هي مقر ومرجع الحقيقة واليقين، وهي المركز والمرجع الذي تنسب إليه الحقيقة لكل شيء (…)، أي تنصيب الإنسان ككائن مستقل وواع وفاعل ومالك للحقيقة”9.
   ولعل أبرز ملمح تجلى فيه قيام الحداثة على الذاتية كان في أعمال ديكارت الذي؛ وجه الفلسفة الحديثة نحو الذات، ذلك أنه تصور الإنسان بما هو “أنا” وأناط بهذه الأنا “الفكر، فصار الإنسان جوهرا صفته الفكر، فمع الكوجيتو الديكارتي أصبحت فيه الذات المفكرة مركزا ومرجعا لكل حقيقة، وتبلورت ثقافة عقلانية لتشكل الأرضية والإيديولوجية المؤسسة لفكر الحداثة “فالفلسفة ابتداء من ديكارت أصبحت تحليلا للوعي و لملكاته وقواه، فوعي الإنسان لذاته أساس كل فكر لدى الإنسان، وانطلاقا من الوعي وحده يستطيع المرء أن يقوم بوصف لظاهرات العالم، وانطلاقا من الوعي وحده نستطيع أن نحدد ما يجب أن نعتبره موجودا حقا، عندئذ تتطابق الحقيقة مع التمثلات اليقينية، ويومئذ نجد “الأنا” التي تشكل تمثلاتها وقد أصبحت مناط كل ما هو موجود”10.
    ومن خلال ذلك تشكل المفهوم الفلسفي للإنسان كذات في الفكر الغربي الحديث بكل ما فيه من نزعات لا عقلية ومن هوى، وبكل ما تسعى إليه من نفع واستحواذ، إذ أصبح العقل مجبرا على الانحياز إلى الذات ليستمد منها اليقين، وفي الوقت نفسه تطلب منه ليمنحها التبرير الذي يحتاج إليه لعقلنة أفعالها وأعمالها ومختلف ممارساتها التي تقوم بها باسم العقل افتراء عليه، وليرفع عنها بذلك كل قيد من دين أو أخلاق. وبذلك وقع للفلسفة تغيير عميق الأثر، تم بموجبه توجيه الفكر الغربي “وجهة جديدة نحو تحقيق غايات ذاتية أنانية، كان الفكر الفلسفي الغربي الحديث يصبوا للتخلص من استبداد الكنيسة، وسيطرة الباباوات وطغيانهم باسم الدين، فاختلط بذلك العقل واللاعقل، سواء أكان ذلك على المستوى النظري المحض، أم كان ذلك على المستوى العلمي التطبيقي، ليمتد هذا الخلط بعد ذلك إلى الأخلاق والسياسة والاقتصاد والاجتماع دون حدود تحده أو قيود تقيده”11.
    وبما أن الذاتية هي الأساس الفلسفي للحداثة، حيث أصبح الإنسان بمقتضاها مقياسا لكل شيء، فإنه يمكن القول بأنه أعيد اكتشاف بروتاغوراس (480411) ق م في المصدر اليوناني لتأكيد هذه النزعة الإنسانية النسبية، لتؤدي بذلك هذه النزعة إلى انحياز العقل إلى الذات. فالذاتية بهذا تصبح ملازمة للإرادة والرغبة في المعرفة، الشيء الذي يعني اقتحام كل الميادين دون تردد، وكل تمظهرات الحياة وتعابيرها لمعرفتها عن حقيقتها، وقد ترتب عن الإيمان بمبدأ الذاتية كوجه آخر للحداثة-بعد العقلانية- أن أصبح الوجود قابلا للمعرفة، من أبسط الظواهر إلى أعقدها، وأعلن الإنسان بموجب هذه المعرفة سيادته تقديرا لا توصيفا، وفي المقابل بداية مرحلة تلاشي وأفول الميثولوجيا، وانكفاء عالم الآلهة” فثمرة انتصار الحداثة هي تحرير الروح واستقلالية الذات البشرية، وتقابل الإنسان مع نفسه كذات واعية، سيدة، مريدة وفعالة”12.
   حتى أن نتائج الثورة الفرنسية وإعلان حقوق الإنسان، ومدونة نابليون؛ قد فرضت مبدأ الذاتية كقاعدة أساسية للدولة، إذ تبدو الحياة الدينية والدولة والمجتمع والعلم والأخلاق والفن كتجسيدات لمبدأ الذاتية. فمنذ نهاية القرن الثامن عشر لم يهتم خطاب الحداثة في الغرب إلا بموضوع واحد رغم تعدد التسميات؛ وهو الإنسان وفاعليته
   جالحرية:
   إن القول بالحرية كأساس للحداثة لا يقل قيمة عن القول بأساسي العقلانية والذاتية؛ إذ يمكن القول بأن الحداثة هي الحرية. فكما نظرت الحداثة إلى العالم نظرة ملؤها العقل واعتبار الذات، فقد عمدت كذلك إلى جعل الإرادة البشرية أساس بناء المجتمع والدولة الحديثة، فالحرية في الفكر الحداثي هي جوهر الكائن البشري، وغاية وجوده، وهي شرط لتحقيق الكمال والخلق الذاتي، والأكثر من ذلك هي الشرط الضروري للحصول على مشروعية الفعل الأخلاقي، والاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي…الخ
   وأول من حقق مبدأ الحرية فلاسفة الحداثة وروادها، ابتداء بديكارت حينما ربط كنه الفكر بالإرادة، وأوسطه تحقق مع ليبنتز (1646-1716) الذي عمم مبدأ الإرادة هذه، وجعل من كل كائن مريد، ومنتهاه مع كانط الذي جعل من الإنسان الكائن الحر بامتياز، وجعل من الحرية مقدرة الإنسان على التشريع لنفسه، وذلك من دون سند خارجي أوعون موضوعي13.
   هذه الأفكار وغيرها كانت بمثابة البذور الأولى لنشأة المشروع الحداثي الغربي، والذي كانت الحرية صلبه ونواته، ونشأ بذلك المجتمع الحديث، الذي هو مجتمع الطبقات المفتوحة لا الطوائف المغلقة، والدولة الحديثة هي الدولة المنسجمة المعقولة، دولة المواطنين الأحرار، دولة الدستور لا دولة حق الملوك في الملك بخرافة التفويض الإلهي، دولة حرية الاعتقاد لا إمبراطورية جبرية، لقد اعتبرت الحرية بمثابة المعلم الذي يكشف عن ملامح المشروع السياسي والاقتصادي في العصر الحديث، والذي شكل الخلفية الفكرية التي انطلق منها مفكرو عصر النهضة والأنوار، ومنذ ذلك الحين أصبحت الحرية المحور الذي تدور من حوله كل التصورات حول قيام مجتمع سياسي ديمقراطي
   فحداثة الحرية هي التي تقوم على الاعتراف بالآخر كإرادة حرة لها حق الاختلاف والتواصل، وبالتعبير السياسي والاجتماعي الحرية هي بمثابة الفضاء الذي يتحقق في إطاره التفاهم والاعتبار المتبادل، فتعزز الثقة بين الحاكم والمحكوم، وتزول أسباب الظلم والعبودية، ومنه استثمار الكل مقدرات الخلق والإبداع والتطور. فالحرية بهذا هي ركن أساسي في النظرة الجديدة للتحديث، وبدونها يصبح التعايش بالغلبة والوصاية فقط، والمجتمعات التي لا تتضمن الحرية في حياتها في شتى مجالاتها هي مجتمعات حرب عنوانها الدكتاتورية، هذه الحرب إما أن تكون داخلية مظهرها صراعات بين طبقات المجتمع المدني تؤهله للانفجار، أو حربا خارجية مظهرها الاستعداد الدائم للتصادم مع الغير كبداية للحرب الشاملة.
   والحرية ليست مسألة نظرية تثار في الأذهان من أجل البحث فيها فلسفيا بأبعاد ميتافيزيقية، كما كان سائدا في عصور ما قبل الحداثة. بل الحرية مسألة عملية تطبيقية تتجسد في مختلف مفاصل المجتمع؛ الذي ابتغى من الحداثة سبيلا لحياته ” فالوعي بالحرية لا يجري في عالم الفكر المجرد، بل في مؤسسات وتنظيمات ترافق الثقافة المظهرة لفكرة الحرية وتتفاعل معها، وهكذا تتألف حضارة الحرية من ثقافة الحرية، ومن مؤسسات الحرية، وتتطور على الدوام من جيل إلى جيل، لا بتأثير التفاعل بين نشاط الثقافة وإيقاع المؤسسات فقط، بل بتأثير التحولات داخل الثقافة، وداخل المؤسسات أيضا”14.
   وأبرز مظهر تجلت فيه الحرية كأساس للحداثة كان في المجال السياسي، وتحديدا في الفعل الديمقراطي؛ فالديمقراطية كنظرية أو كممارسة تعد نتاجا للمشروع السياسي الحداثي” إذ لا يمكن التفكير في العمل الديمقراطي خارج الأرضية الفلسفية والسياسية الحداثية المؤطرة لهذا العمل، وتفي مراجعة كيفيات تشكل التجربة الديمقراطية في تاريخ الفكر والممارسة السياسية في الغرب لنتأكد من المواكبة الحاصلة ضمن هذا التاريخ، بين المرجعية الفلسفية والحداثية وتجلياتها في الفضاء السياسي والاجتماعي والثقافي كفضاء ديمقراطي”15.
   فالنظام السياسي الديمقراطي يرتبط بفكرة الحرية، ولا يمكن لهذا النظام أن يكتسب مشروعيته ما لم يتأسس على مبادئ الاقتراع العام، والسيادة الشعبية، والسلطة الشرعية. لذلك فإن الديمقراطية تتماهى في وعي المواطن، مع مطلب تدعيم الحريات السياسية واحترام الحقوق الإنسانية، أكثر مما تتماهى مع إقامة نظام ليبرالي اقتصادي، فهذه الأهمية التي تكتسيها الحرية كقيمة وكمبدأ وارتباطها بالديمقراطية بما هي سيادة الأغلبية، وإقرار بالتعددية وباللامركزية، جعلت من الحرية كغاية في ذاتها من شأنها أن تكرس الاستقرار والسعادة والتضامن، والديمقراطية هنا شرط ضروري لتصور الفعل التواصلي، أي وجود تفاعل بين طرفين أو مجموعة من الذوات، وهو ما يدعوه هابرماس بالتذاوت أو البيذاتية intersubjectivite . والتي تعني التفاعل القائم بين أفراد المجتمع كأشخاص لديهم روابط والتزامات متبادلة، انطلاقا من معايير مشتركة تبرز في عالمهم المعيش.  هذا النقاش التواصلي لا يتأسس إلا “على الخطاب البرهاني الذي يحفز على اتفاق دون ضغوط، وعلى بلورة إجماع داخل بنية ديمقراطـية، أو بالأحرى داخل م ـجال عمومي ينتزع فيه الفرد من ذاتيته الضيقة، لينخرط في المجهود الجماعي المؤسس على التفاهم… لذلك يمكن اعتبار العقل التواصلي كصيغة تركيبية لقضية الحداثة الغربية والعقلانية؛ سواء من تعبيرها الأنوارية أو في تمظهراتها النقدية”16. كما يلاحظ آلان تورين بأنه إذا كانت الديمقراطية تقتضي الاعتراف بالآخر كذات؛ فإن الثقافة الديمقراطية ستكون هي تلك التي تعترف بالمؤسسات السياسية كمستقر رئيسي لهذا الاعتراف بالآخر، وهذه الثقافة هي الأرضية الفكرية للديمقراطية؛ مثلما أن المجتمع المدني هو أرضيتها الاجتماعية والاقتصادية، وبهذا فإن الخاصية الديمقراطية لمجتمع ما لا تنحصر في شكل التوافق الحاصل بين أفراده، انطلاقا من روابط والتزامات متبادلة، بل تتعدى إلى الإقرار بالحق في الاختلاف، وتدبير شؤون هذا الآخر بتعميق الحوار بين الثقافات المختلفة والتجارب المتعددة، التي يجب اعتبارها متكافئة من حيث كونها أجوبة محددة و مخصوصة على تساؤلات عامة ومشتركة17.
   ولم يتوقف أساس الحرية عند حدود التأثير في الشأن والمشهد السياسي عبر الديمقراطية، بل امتد إلى الشأن والمشهد الاقتصادي عبر الليبرالية كمذهب؛ و الذي نجد فيه تجذر مفهوم الحرية، ويكفي أن الليبرالية اشتقت من كلمة حرية liberte  فالليبرالية تولي الحرية المرتبة الرئيسية الرائدة في اهتمامها، كونها مبدأ وقاعدة تمكن الأفراد من تحقيق كمالهم وذاتيتهم، وبلوغ سعادتهم الفردية والجماعية
   والليبرالية قبل أن تتحدد معالمها في الرأسمالية التي تبني ذاتها على الحرية الاقتصادية، أي في مرحلتها المتقدمة؛ فإنها نتيجة حتمية لعملية التحديث التي أحدثت تغييرات جذرية وبنيوية في القاعدة الإنتاجية للمجتمع، أي تحديث قوى الإنتاج، وإجراء تحويلات نوعية عليها، ومن ثم خلق قاعدة إنتاجية جديدة تكسب الأفراد قوة واستقلالا، وقدرة جديدة على سد حاجاتهم الفردية والجماعية، وحل المشكلات التي تواجههم في الحياة الاجتماعية، إنها عملية ثورية تهدف إلى نقل المجتمع في جوهره الإنتاجي من قدرة إنتاجية إلى قدرة إنتاجية جديدة أكثر فعالية في تلبية الحاجات الفردية والجماعية، أما في مرحلتها المتأخرة فقد برزت الرأسمالية في علاقتها المباشرة والضرورية بالحرية؛ إذ اعتبرت الحرية من المسلمات الأولى للرأسمالية أو النظام الاقتصادي الحر، والتي تؤكد على ضرورة الحد من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، أي يجب ترك الأفراد أحرارا، يعملون يتنافسون، غير مقيدين بقوانين الدولة ” المجموع”.
   فالاقتصاد الرأسمالي تقوم علاقات الإنتاج فيه على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، باعتبارها القاعدة العامة التي تمتد إلى كل مجالات الثروة المتنوعة، وعلى هذا الأساس تؤمن الرأسمالية بحرية التمكن، وتسمح للملكية الخاصة بغزو جميع عناصر الإنتاج، ويتكفل القانون في المجتمع الرأسمالي بحماية الملكية الخاصة، وتمكين المالك من الاحتفاظ بها، كما تفسح الرأسمالية المجال لكل فرد حرية استغلال ملكيته على الوجه الذي يروق له، والسماح له بتنمية ثروته بمختلف الوسائل بناء على المنافع التي يحددها، فتصبح السوق، وحركات الأثمان كآلية تنسيق في الاقتصاد، ذات أداء تلقائي، والرأسمالي يتخذ القرارات المتعلقة بما ينتجه، والكمية التي ينتجها بعدد العمال اللازم استخدامهم”18.
   وإجمالا يمكن القول بأن الفكر الحداثي في تحديده ووضعه لمقومات إنما هي بداية النهاية، أي نهاية عصر وبداية عصر آخر، أي نهاية المعارك التي خاضها الفكر الغربي ولمدة قرون ضد كل ما هو مناف للمعقولية والجدة، فالفكر الحداثي الغربي في بحثه عن المحركات التي من شأنها أن تحرك وعيه الحديث ويتجاوز بها وعيه القديم، وتحقق له التلاؤم مع ذاته وواقعه، وجد ثلاثة محركات: البحث عن حياة عاقلة تنتفي فيها صنوف الاعتباط والعبث والفوضى التي سادت العهد القديم، والتوق إلى حياة حرة تسمح للذات العاقلة بأن تكون حرة في علمها وعملها، والسعي إلى حياة متفردة بحيث تقتدر الذات فيها على قول ما لم تجرأ على قوله طوال أزمنة قديمة، أي قول الأنا قولا عاقلا19.
المراجع:
1 فتحي التريكي ورشيدة التريكي، فلسفة الحداثة، مرآز الإنماء القومي، بيروت، لبنان، 1992، ص69.
2محمد الشيخ، فلسفة الحداثة في فكر هيغل، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 2008، ص25.
3– فتحي التريكي ورشيدة التريكي، فلسفة الحداثة، ص28
 4 المرجع نفسه، ص29
 5 محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة، مرجع سابق ، ص64.
6– كمال عبد اللطيف، الأسئلة الغائبة في الديمقراطيات العربية، سؤال المرجعية وأسئلة المجال، مجلة
فكر ونقد، العدد 48، أفريل2002، ص،11،10
7–  فتحي التريكي ورشيدة التريكي، فلسفة الحداثة، مرجع سابق، ص31
 8 المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
9– محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة، مرجع سابق، ص65
10– عثمان أمين، ديكارت، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، مصر، 1969، ص2.
11– سالم القمودي، الإنسان ليس عقلا، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، 2001، ص85
12- علي حرب، الماهية والعلاقة، المرآز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط1، 1998، ص 214.
13– محمد الشيخ، فلسفة الحداثة في فكر هيغل، مرجع سابق، ص 26.
14– ناصيف نصار، باب الحرية، انبثاق الوجود بالفعل، دار الطليعة لطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط1،  2003، ص:81.
15 كمال عبد اللطيف، الأسئلة الغائبة في الديمقراطيات العربية، سؤال المرجعية وأسئلة المجال، فكر ونقد، الرباط، المغرب، العدد 48، أفريل2002 ، ص10.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى