أهمية الترجمة عند طه حسين

thumbnail

الإنتاج العقلي

ينسب انحطاط هذه الأمة وتخلفها إلى أسباب عديدة، يعزوه طه حسين إلى أهم هذه الأسباب الذي هو الإهمال الفظيع لترجمة الإنتاج المعرفي والعلمي الذي تتميز به الحضارات الأخرى، كونها المدخل الأقصر إلى التعرف على الأسباب الحقيقية التي أفضت بالحضارة الغربية إلى التقلب في صنوف النعيم والبذخ الذي يشهدها التاريخ المعاصر. فبدون الترجمة للآثار العلمية المتقدمة جدا في مسار التاريخ الإنساني ستظل هذه الأمة في سباتها العذب أشواطا من السنين، ولن تصل إلى ما يعاش حاليا من الحقائق العلمية في الحضارة الغربية حتى تكون هذه الأخيرة قد تجاوزتها بضعف الفارق الموجود حاليا، وذلك لسببين: أولا لسرعة تطور المعارف في الغرب، وثانيا لخمود وجمود الحركة العلمية لدى الأمة. يقول طه حسين في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر”: “وفي حياتنا العقلية تقصير معيب يصيبنا عنه كثير من الخزي كما يصيبنا كثير من الجهل وما يستتبعه الجهل من الشر. ولابد من إصلاحه إن كنا نريد أن ننصح لأنفسنا ونعيش عيشة الأمم الراقية، وإن كنا نريد أن ننصح للعلم نفسه ونشارك في ترقيته وتنميته، وإن كنا نريد أن ننصح للشعب فنخرجه من الجهل إلى المعرفة، ومن الخمود والجمود إلى النشاط والإنتاج ومظهر هذا التقصير المخزي إهمالنا الشنيع للترجمة والنقل عن اللغات الأوربية الحية. فما أكثر الآثار العلمية والفنية والأدبية التي تنعم بها الإنسانية الراقية، وما أشد جهلنا لهذه الآثار وغفلتنا عنها! وما أقل حظنا من الاستمتاع بلذاتها النقية الممتازة. وما أكثر حديثنا عن مجد العرب الأولين حين أقبلوا في شره رائع على آثار الأمم المتحضرة فنقلوها إلى لغتهم، ومزجوها بتراثهم، وغذوا بها عقولهم وقلوبهم، وكونوا منها حضارتهم”1.

ورغم هذا الاعتزاز المستميت بأمجاد الأولين وحركاتهم العلمية التي لم يكن لها نظير حينئذ، إلا أنه يظل مجردا عن القيام بأي خطوة بسيطة نحو العمل على طريقتهم ومواصلة نهجهم الثري. هذه الحال التي تتميز بها الأمة اليوم يدخلها في مجاهل الجهل والقصور العلمي، ويغرقها بالتالي في مستنقع الشرور والمصائب، وهذا واضح بما لا يدع مجالا للشك في مختلف مجالات الدول المنتمية إلى هذه الأمة. يقول طه حسين معلقا على هذا المستوى الذي وصلت إليه الأمة: “نتحدث بهذا كله فنملأ به أفواهنا وتنفخ له أوداجنا ونظل بعد ذلك خامدين جامدين لا نسير سيرتهم ولا نسلك طريقهم، والآثار العلمية والفنية تزيد وتزيد، والعقول الأوربية والقلوب الأوربية تستمتع بها وتستمتع، والحضارة الأوربية ترقی وترقی ونحن مستمتعون بما نحن فيه من العجز والقصور: نعجب بقديمنا وإن لم نكن له أهلا، ونرضى عن حديثنا وإن لم يكن خليقا بالرضى. وما أكثر ما نتحدث عن لغتنا العربية التي نحبها ونكبرها ونقدسها ونريد أن نجعلها لغة حية مرنة خصبة تسع كل ما في الأرض من علم ومن فلسفة وأدب، وتعبر عن كل ما يعرض من الخواطر والآراء وما ينشأ من الظواهر وما يستكشف في العلم والعمل. نتحدث بذلك في أنديتنا ومجالسنا ونذيعه في صحفنا ومجلاتنا، ولكننا لا نفعل شيئا لنلائم بين سيرتنا وبين هذا الحديث. ونحن من غير شك أقل الأمم حظا من الترجمة. وأقلها علما لا أقول بدقائق الحياة العقلية الأوربية بل أقول بأيسر مظاهرها”2

على أن الاستكانة إلى ثقافة الخمول والعجز ليست مرضية في أوساط الناس مهما كانت جهتهم ومهما كان مستواهم المعرفي، ولكن هذا التقصير إنما تعود أسبابها إلى أمر من الأهمية بمكان، يتمثل في عدم القراءة والتعلم في الوسط العربي والإسلامية بصفة عامة، وفتور الرغبة العلمية وتراجع الاجتهاد في وسط الفئة المثقفة على وجه الخصوص، وبخاصة التراجع الذي يشمل تعلم اللغات الأجنبية التي تمثل الحضارة والعلم في الدول الغربية. وعلى هذا الأساس يؤكد طه حسين على أن “مصدر ذلك أننا نجهل كثيرا من اللغات الأوربية. وأن الذين يعرفون قليلا من هذه اللغات لا يكادون يعرفونها معرفة حسنة وأن الذين يحسنون هذه اللغات لا يكادون يقرأون ما يذاع فيها من علم وأدب: إما لأنهم مصروفون إلى أعمالهم اليومية الشاقة، وإما لأنهم لم يثقفوا الثقافة التي تحبب إليهم القراءة وتدفعهم إلى الاطلاع. وينشأ عن هذا أننا لا نترجم وكيف نترجم إذا كنا لا نقرأ؟ وكيف نقرأ إذا كنا لم نثقف هذه الثقافة التي تجعل القراءة جزءا مقوما لحياتنا اليومية؟ وينشأ عن هذا كله خطر عظيم جدا وهو أن القارئين الكاتبين منا على قلتهم يجهلون الحضارة الحديثة جهلا تاما، لأن كثرة هؤلاء القارئين الكاتبين تجهل اللغات الأجنبية جهلا تاما ولأننا لا نترجم لها إلى اللغة العربية ما لا تستطيع أن نقرأه في اللغات الأجنبية”3.

ومجمل القول أن طه حسين يرجع أسباب هذا التخلف والانحطاط الذي تعيشه الأمة إلى سببين أساسين: السبب الأول يتعلق بالافتخار والاعتزاز بعصور الازدهار الذي تميزت به الحضارة الإسلامية إبان عصور الظلام الأوروبية، وتبرير العجز الحاصل بهذه الشعارات السلبية التي لا ينتج عنها إلا مزيد انحطاط وتراجع.  والسبب الثاني فمتمثل في القصور اللغوي الذي تتميز به الأمة، حتى أن أكثر الذوات التي تحسن هذه اللغات الأجنبية تقصّر في اطلاعها على ما يستجد في الساحة العلمية والمعرفية الغربية، وذلك نتيجة أسباب وظروف عدة منها المادية والموضوعية.

المراجع:

1–  طه حسين. “مستقبل الثقافة في مصر”: ط2، دار المعارف، ص 274.

2–  طه حسين. “مستقبل الثقافة في مصر”: ط2، دار المعارف، ص 275.

3–  طه حسين. “مستقبل الثقافة في مصر”: ط2، دار المعارف، ص 276.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى