اتجاهات المحدثين والنقاد في قراءة التراث

thumbnail
اتجاهات المحدثين والنقاد في قراءة التراث
 
   يعتبر التراث قضية أساسية وجوهرية في الفكر العربي المعاصر، ولضرورة الإصلاح والتحديث، اختلف المفكرون والباحثون حول المفكرون هذه القضية، فبرز التساؤل حول محل التراث من عملية الإصلاح والتحديث، وللإجابة عن هذا التساؤل ظهرت اتجاهات وتيارات مختلفة، هذه التيارات تتعدد وتتباين مواقفها تجاه التراث، ولعل أبرز هذه التيارات، نجد: التيار التراثي الأصولي، التيار العلماني، والتيار التوفيقي.
–   التيار التراثي الأصولي:
     ويسمى أيضا بالتيار السلفي، وهو يرى بأن سبب التأخر التاريخي إنما يعزى لعدم التمسك بالدين الإسلامي، وكذا عدم الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية، واقتدائنا بالغرب والفكر الأجنبي، فالنهوض والإصلاح لا يتأتيان إلا بالعودة إلى الدين وتطبيق شرائعه وأحكامه، ويعتبر سيد قطب، والمودودي، وغيرهما.
”    ويرى بعض المفكرين السلفيين أن الأصالة في ذلك التراث منبعها الإسلام ذاته1.
    إن أصحاب هذا التيار يدعون إلى “التمسك بالقديم لمواجهة الغرب الذي أخذت حضارته تهدد المجتمع العربي ببنيته التقليدية التي رانت عليه طيلة فترة الاحتلال الأجنبي، ويرون بذلك ضرورة الاقتداء بما جاء به السلف من فكر وثقافة وأدب وفلسفة ومجمل المثل التي كان يسير بهديها العربي2.
    ويستند هذا التيار في موقفه معاداته ما أنتجه الغرب إلى حجتين: الأولى دينية، والأخرى قومية، يقول حسن مروة: “ويدعوا إلى الوقوف بوجهه أنه من نتاج مجتمع وحضارة غربيتين عن المجتمع العربي، منطلقا في موقفه من رِؤيتين: دينية تقسم العالم إلى مؤمن، والكفر إلى الغرب وحضارته، وقومية تضع عنصر الجنس في أولويات اهتمامها، وتتطلع إلى الماضي حيث المجد الغابر والحضارة المزدهرة3.
     ويدافع حسن حنفي عن هذا التيار، بقوله: “الحديث عن القديم يمكن رؤية العصر فيه، كلما أوغل الباحث في القديم، وفك رموزه، وحل طلاسمه أمكنه رؤية العصر، والقضاء على المعوقات في القديم إلى الأبد، وإبراز مواطن القوة والأصالة لتأسيس نهضتنا المعاصرة، ولما كان التراث يشير إلى الماضي والتجديد يشير إلى الحاضر فإن قضية التراث والتجديد هي قضية تجانس في الزمان، وربط الماضي بالحاضر، وإيجاد وحدة التاريخ4.
   وكذلك فإن “التشكيك بقيمة الموروث الحضاري عملية تزعزع الثقة بالنفس وبالنص، لأنها تخل بالتوازن بين الأنا وحقلها الحضاري الذي يعطي الإنسان عمقا، وقيمة، وشعورا بالانتماء، ومن ثمة، بالأمن والاطمئنان، أي: بالقدرة على الاستمرار والتكيف5.
    بينما يرى المعارضون لهذا التيار، أن: “هذه الرؤية تجعل الإنسان انعزاليا وانطوائيا وسلبيا، وتحجبه عن مشاهدة التطورات وإدخال كل جديد مستحدث يسهم في بناء النهضة والتجديد ويعمل على التفوق والازدهار6.
–    التيار العلماني:
    هو في مقابل التيار الأول-التيار التراثي-، هذا التيار يحمل شعار “القطيعة مع التراث”، فالتراث عندهم سببٌ للانحطاط والتخلف، ويدعو إلى الارتماء في أحضان الحضارة الغربية، واعتبارها المصدر الوحيد للانعتاق وتجاوز التأخر التاريخي، ومن أبرز المنظرين لهذه الدعوة، نجد: طه حسين، سلامة موسى، زكي نجيب محمود، وعبد الله العروي، وغيرهم.
    فأصحاب هذا التيار ينظرون إلى التراث “نظرة مادية تاريخية تميل إلى الاعتقاد الواضح بالوجه الفلسفي العلمي للتراث، وبالجانب السياسي للصراعات الاجتماعية التي نشأ في ظلها التراث، ويتجه الاهتمام هنا نحو إعمال العقل لا النقل7.
   وأن النظرة الماضوية التي ترى في الماضي مستقبلا، يعتبرها العروي نظرة “خادعة، إذ التأويل السلفي يعتمد بالضبط سلوك السلف. لو كان صالحا جملة وتفصيلا لكل زمان ومكان كما يقال، لما حاد عنه أحد، ولما احتجنا إلى إحيائه بعد قرون من الفساد والانحطاط. هذه صعوبة مبدئية تواجه كل مشروع إحيائي8.
   ويؤيده في نفس المنحى زكي نجيب محمود، حيث يؤكد هو الآخر ضرورة القطع مع التراث على اعتبار أنه العائق أمام التقدم والتطور، حيث يقول: “لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا إذا بترنا التراث بترا، وعشنا مع من يعيشون عصرنا علما وحضارة ووجهة نظر إلى الإنسان والعالم9.
   هكذا يتجلى بوضوح منهج هذا التيار الداعي إلى التحديث والحداثة، متجاهلا الخوض في التراث، بل يدعوا إلى ضرورة الفصل والقطع معه، وإعمال العقل فقط فيما يستجد لنا من الأحداث والقضايا، وهذا ولا شك فيه منهج فاسد ومسلك باطل.
    ومؤاخذة على منهج هذا التيار في تعامله مع التراث، يرى برهان غليون بأن المشكلة تكمن في كيفية تعاطي العقل مع هذا التراث، وليس في التراث نفسه، فكل من انطلق في دراسته للتراث بخلفية ما، ولا بد من أن يوظف هذا التراث حسب ما توجهه خلفيته، يقول: “حان الوقت للانتقال من تهديم التراث إلى محاسبة العقل… إنه نظام تفكيرنا الراهن، ونظرياتنا واستراتيجياتنا التي تحدد غايات وأهداف جماعية في الثقافة والاجتماع معا10.
    وفي هذا الصدد أيضا، يقول المستشرق الفرنسي “جاك بيرك”: “إن مستقبل العرب يتمثل في إحياء الماضي، لأن المستقبل في كثير من الحالات هو: الماضي والحاضر الذي وقع إحياؤه وعيشه من جديد11.
     ويقول آخر: “إن علينا أن نتطلع إلى المستقبل وأن نعمل له جاهدين وأن نحتفظ في الوقت نفسه بتراثنا الماضي… لكي نستمد منه القوة والعزيمة، وخير مستقبل لنا هو: ما كان قائما على الحاضر والماضي على السواء12.
    ويقول أدونيس: “إن التراث هو الماضي، وهذا الأخير ليس كتلة واحدة، وانما هو اتجاهات، وهو بذلك يفتش في اتجاهات الماضي لموقفه الراهن، وبالمعنى الآخر لا يتبنى الماضي ككل بقدر ما يختار منه نافيا بعض عناصره ومثبتا بعضها الآخر، وهكذا فالماضي في هذه الرؤية له استمرار في الحاضر وان يكن استمرار غير تشابهي13.
 –     التيار التوفيقي:
    ويسمى كذلك بالتيار الإصلاحي أو الجدلي، هذا التيار ينادي بالمزج بين الحداثة الغربية، والحداثة العربية الإسلامية، والانتقاء من هذا وذاك، حتى لا يغترب عن عصره، ولا ينقطع عن تراثه، وبالتالي تمسكًا بالتراث وضمانًا للتحديث.
     هذا التيار هو وسط بين التيارين السابقين –التيار التراثي الأصولي، والتيار العلماني-، فهو يرفض الأول لاعتباره إياه قائما على التقديس للتراث، ويرفض الثاني لأنه ينزع تلك الرابطة بين الحاضر والماضي.
     يقول محمد رياض وتار: ” واجه التيار الجدلي التيار السلفي بنزع القداسة عن التراث، والنظر إليه على أنه نتاج الوعي البشري في التاريخ والمجتمع.
    وواجه التيار الرافض بالربط بين الحاضر والماضي عبر دراسة العناصر الحية للتراث، ودراسة علاقته التاريخية بقضايا الماضي في ضوء القضايا والمشكلات والأسئلة التي يطرحها الحاضر، وهكذا نظر الموقف الجدلي إلى التراث لا بوصفه شيئا منفصلا عن وجوده التاريخي بل بوصفه نتاجا للوعي البشري في ظروف تاريخية اجتماعية محددة، ثم ربط دراسته بالمشكلات والقضايا التي يطرحها الحاضر.
     فالحداثة إذن وفق منظور الموقف الجدلي من التراث لا تعني رفض التراث ولا القطيعة مع الماضي بقدر ما تعني الارتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى ما نسميه بالمعاصرة14.
     يقول حسن موسى: ” فمن الطبيعي أن يحتوي التراث على نقاط الضعف والقوة والغث والسمين والخطأ والصواب كما أن تناقل التراث عبر مسيرة زمنية تجعله معرضا للشوائب والتحريفات“.
     ويقول أيضا: ” تجنب الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعوا بها وبالتالي السعي نحو تحصيل الأفضل والأحسن دائما، ثم إن لكل حقبة ظروفها وخصوصياتها فكيف لنا أن نعدي أفكار وتصرفات من حقبة معينة لنجريها على حقبة أخرى، تختلف عنها زمانا ومكانا بل ربما قد تختلف عنها في الطريقة والظروف وحتى في اللغة، إن ما تعرض له التراث كمنظمة من محاولات تحريف وتشويه سببتها الجهات المغرضة من داخل جسد الأمة وأحدثتها الثقافات الداخلية، وما قام به أعداءها يفرض علينا أن نبذل أقصى ما يمكننا من جهود لغربلة تراثنا من الشوائب، بل يوجب علينا أن نمحص التراث ونخلصه من كل الإفرازات والمدخولات التي لحقت به15، بمعنى ضرورة دراسة التراث بمنطق العقل بغية الكشف عن مواطن الخطأ التي وقع فيها السابقون.
     وكخلاصة لاتجاهات النقاد في قراءتهم للتراث، أن هناك اتجاهات عديدة تصدت لهذا الموضوع، ورأينا أن أبرز هذه الاتجاهات ثلاثة: الاتجاه التراثي الأصولي المتشبث بالتراث ولا يتجاوزه، والاتجاه العلماني الداعي إلى إحداث القطيعة مع التراث والفصل معه، والاتجاه ثالث؛ هو توفيقي بين الاتجاهين الأول والثاني، ومرد هذه الاختلافات، اختلاف الخلفيات والمرجعيات إذ هي المحدد والموجه للمسار الذي يسلكه كل تيار على حدة. وهم هذه التيارات هو تجاوز التأخر التاريخي، وإنشاد التحديث والنهوض.
المراجع:
1– نحن والتراث، لمحمد عابد الجابري، الصفحة 13، الطبعة السادسة 1993م، الناشر: المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
2– تراثنا والمعاصرة، ليوسف عز الدين، الصفحة: 8، طبعة 1987م، مطلع الهيئة المصرية العامة للكتاب.
3– مقدمات أساسية لدراسة الإسلام ضمن دراسات في الإسلام، لحسن مروة، الصفحة: 40، الطبعة الأول 1980م، دار الفرابي، بيروت.
4– التراث والتجديد موقفنا من التراث القديم، لحسن حنفي، الصفحة: 17، الطبعة الرابعة 1992م، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت.
5– التحليل النفسي للذات العربية وأنماطها وسلوكية والأسطورية، لعلي زيغور، الصفحة: 115، الطبعة الأولى، دار الطليعة، بيروت.
6– جدلية التراث في شعر شوقي الغنائي، لحمدي الشيخ، الصفحة: 27، الطبعة الأول 2006، المكتب الجامعي الحديث.
7– بحثا عن التراث العربي، لرفعت سلام، الصفحة: 20، طبعة 1989م، دار الفرابي، بيروت.
8– من ديوان السياسة، لعبد الله العروي، الصفحة: 120، الطبعة الثانية 2010م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب.
9– تجديد الفكر العربي، لزكي نجيب محمود، الصفحة: 14، الطبع العاشرة 2011م، دار الشروق، القاهرة.
10– اغتيل العقل، لبرهان غليون، الصفحة:332، الطبعة الخامسة 2009م، المركز الثقافي العربي، بيروت.
11– التراث والهوية، لعبد العزيز بن عثمان التوجيري، الصفحة: 15، طبعة 2001م، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم الثقافية، مطبعة يسيكو، الرباط.
12– نفس المرجع السابق، نفس الصفحة.
13– إشكاليات القراءة وأليات التأويل، لنصر حامد أبو زبد، الصفحة: 229، الطبعة السابعة 2005م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
14– توظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة، لمحمد رياض وتار، الصفحة: 25، طبعة 2002م، دراسة منشورات اتحاد الكتاب العرب، سوريا.
15– الأحادية الفكرية في الساحة الدينية، لحسن موسى الصفار، الصفحة: 59، الطبعة الثانية 1998م، دار الأرقم للنشر والتوزيع، عمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى