الأسس الفكرية والفلسفية للإيديولوجيا

thumbnail
الأسس الفكرية والفلسفية للإيديولوجيا
ليس ثمة شك في أن مفهوم الإيديولوجيا حديث نسبيا، إذ لا يتجاوز في نشأته واستخدامه المائتي عام تقريبا، ولا تعني حداثة اللفظ أن الناس لم يكونوا من قبل ينظمون حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفقا لقواعد وفكر محددين، فلقد كان المعتقد الديني هو الذي يحدد هذه النظم جميعا، وبالخصوص عند الأديان التي كانت تحرص على تنظيم الحياة اليومية للإنسان مثل التلمود لليهود والقرآن والحديث للمسلمين. أما بالنسبة للمسيحيين فإن انحصار سلطان الدين أمام التنوير الفكري الجديد في عصر النهضة وما تلاه، فتح الباب أمام الإيديولوجيا لتملأ ذلك الفراغ، فأضحت نزعة معارضة ومستبعدة لكل فكر ميتافيزيقي، ومحاولة في الآن نفسه إقامة العلوم الحضارية على أسس أنثروبولوجية وسيكولوجية1.
   وقد تكاد تجمع الدراسات التي سعت إلى التأريخ للإيديولوجيا على القول بأن الفضل في استخدام هذا مصطلح أول مرة يعود إلى المفكر الفرنسي “أنطوان دستيت دي تراسي” (1836- 1754) (Antoine Destut de tracy) في كتاب له بعنوان: “تخطيط العناصر الإيديولوجية” المنشور عام 1801م. وقد كان يهدف من ورائه إلى تأسيس علم جديد هو: علم الأفكار، والذي “يقصي كل معرفة تقوم على الإيمان والاعتقاد. إن قصور المعرفة من وجهة نظر “دي تراسي” لا يعود إلى ضعف فطري في العقل الإنساني، ولكن إلى قصور في منهج التفكير. إن العقل يجب أن يتغلب على كل الأساطير والخرافات، والمعرفة ينبغي أن يقودها التفكير السليم.
وهكذا فإن علم الأفكار هو العلم الأولي الذي يوجه كل العلوم الأخرى، والإيديولوجيا هي نظرية النظريات“.
    و في الوقت الذي يرى فيه “عبد الله الكندي” أن” دي تراسي” عندما بدأ في تأسيس علم الأفكار قد التزم بالمعنى اللغوي المقابل للمصطلح، حيث أن مصطلح الإيديولوجيا مركب من مقطعين:  Ideaو معناها فكرة، و Logos و معناها علم، لتكون ترجمته اللغوية الدقيقة هي “علم دراسة الأفكار”، واضعا نظاما متكاملا من الخطوات المنهجية التي يتم الاعتماد عليها في الوصول إلى الحقيقة الكلية، مستبعدا كل التبريرات التي يصنعها البشر أنفسهم، فيستغنون بما يملكون من تفسيرات جاهزة للظواهر عن دراستها و فحصها بشكل متعمق يصل إلى إجابات جديدة و أسئلة أخرى، يذهب “باتريك كونتان Patrick Quantin”إلى أنه من السذاجة الوقوف عند هذا المعنى للإيديولوجيا، بل على العكس من ذلك تماما ينبغي ربط هذا الإسهام بنتائج الثورة الفرنسية، فأمام الدمار الذي خلفته هذه الثورة، جاءت الإيديولوجيا بمثابة دعوة صريحة لضرورة خضوع السياسي للمثقف، فالهيمنة ينبغي أن تكون للفكر العلمي لا للممارسة السياسية.
    ومعنى ذلك أن مصطلح الإيديولوجيا قد وظف منذ نشأته لأغراض إيديولوجية. وهو الأمر الذي ينفيه “كارل مانهايم “Karl Manheim ” مؤكدا أن الإيديولوجيين كانوا يشكلون مجموعة من الفلاسفة الفرنسيين الرافضين للميتافيزيقا، والداعين إلى إرساء العلوم الثقافية على قواعد عقلانية منطقية، وأن هذا المصطلح لم يرتبط بالسياسة إلا على يد” نابليون بونابرت”. ففي فرنسا أسس “دي تراسي” هذا العلم بهدف القضاء على الخرافات والأوهام، وانتشال المجتمع الفرنسي من جمود وتخلف فكري باستخدام منهج علمي يبحث عن الحقيقة، وفي فرنسا أيضا نسف” نابليون بونابرت”، الذي كان يومها العضو الفخري لمعهد فرنسا الذي أسسه “دي تراسي” هذا المعنى، عندما انسحب من موسكو مضطرا وعاد ليصف رفقائه في ذلك المعهد من أمثال الفيلسوف الحسي “كوندياكCondillac”” والطبيب” كابانيسCabanis”، والأخلاقي “فولني Volney”، الذين اتخذوا موقفا معارضا لتوجهاته الاستبدادية وأطماعه الاستعمارية، بأنهم نظريون إيديولوجيون، لا يدركون من القضايا إلا جانبها النظري، دونما التفات أو اهتمام بالجوانب العملية خاصة في مجال السياسة . ووصف أفكارهم بأنها مجرد تجريدات وتخمين غير مسؤول، بل شبههم بمن يعيشون في برج عاجي، ويدلون بآرائهم في المسائل السياسية من غير تمرس أو خبرة وبديهي أن هذا المعنى يختلف عن المعنى الاصطلاحي للفظ2.
    ليحاول العديد من المفكرين بعدها صياغة نظرية للوعي الاجتماعي كعلم للأفكار يمكننا من التميز بين الوعي الصحيح والزائف، غير أن هذه محاولات كانت عبارة عن أيديولوجيات فلم ينتج عنها وضع نظرية الإيديولوجيا وإنما جاءت تتويجا عاميا لإيديولوجيا جديدة هي الإيديولوجية العقلانية التي كرست للأنانية التي حركت حقل الصراعات الطبقية. لينقلب مفهوم الإيديولوجيا ويشهد تطورا هاما على يد كارل ماركس الذي صبغه بصبغة مادية واضحة ليحمل بذلك كارل ماركس الإيديولوجية معاني مغايرة لما درج عليه الاستعمال الأول للكلمة3.
    فالفلسفة، تبنت لفظة الإيديولوجيا على لسان “دي تراسي” على أساس مبدأ اعتبار النشاط الفكري مظهرا من مظاهر النشاط النفسي، مع التأكيد على أهمية التعارض القائم بين ما يسميه دي تراسي الميتافيزيقا اللاهوتية القديمة أو الميتافيزيقيا بالمعنى الحقيقي للكلمة والميتافيزيقا الفلسفية الحديثة أو الإيديولوجيا، وهذا القول، يكشف عن طموح دي تراسي في خلق رؤية تتيح تحليل أنماط البنيات الفكرية الغربية ومساءلتها خصوصا فيما يتعل بموقع إشكالية المعرفة في موروثها الفلسفي. كما يكشف عن استراتيجية الاستقراء والتفكيك لحقول المعرفة ذاتها.
     لعل الملاحظة التي تشدنا في مقاربة المصطلح عبر أرضية التنوير، هي القيمة التجريبية الناتجة عن معاينة الفكر، من حيث انتقاء الموضوعات ومساءلة الأفكار ومن ثمة الحكم عليها. وتجدر الإشارة إلى تأكيد منطوق المصطلح Ideologie وهو مركب وفق صيغة ملتبسة طبعت نسقو في فلسفة التنوير؛ وهذا مع عمق تأثر أرضيته المنهجية لهزات متتالية أدت إلى تعدد دلالاته4.
    وعلى أسس المادية التاريخية طور ماركس وإنجلز مفهوم الإيديولوجيا الشديد الصلة بتحليل الوعي كانعكاس للوعي الاجتماعي حيث وصلا إلى الإقرار والاعتراف “بأنه في مجتمع طبقي، تكون الإيديولوجية جماعا للتصورات الاجتماعية لطبقة معينة يعبر عن وضعها الاجتماعي التاريخي وعن مصالحها5، ومنه فالإيديولوجيا في المجتمع الطبقي هي سمة طبقية.
    هذا وتظهر جليا مسألة الوعي والفكر عند ماركس وإنجلز وذلك عند تقديمه لأحد المعاني للإيديولوجيا: عملية يقوم بها من يوصف بالمفكر، ولكن من خلال وعي زائف، والقوى الحقيقية التي تحركه تبقى مجهولة بالنسبة له، ولو لم تكن كذلك، لما أصبحت العملية أيديولوجية6.
    ووفق هذا يتضح أن المفهوم الماركسي للإيديولوجيا يتجسد من خلال شكل وطبيعة الأفكار لتي تكرس مصالح الطبقة الحاكمة التي تتناقض مع آمال الطبقة المحكومة العاجزة عن خلق إيديولوجيتها، لذلك فالإيديولوجيا ترتبط بالوعي كانعكاس للوجود الاجتماعي حيث أنها سمة طبقية وبالتالي فهي وليدة مجموعة معينة من المصالح لطبقة معينة أو جماعة معينة بصرف النظر عن كونها حاكمة.
    وفي هذا الصدد نجد أنه من المعالجات الهامة لمصطلح الإيديولوجيا ما عرضه كارل مانهايم، في كتابه “الإيديولوجيا واليوتوبيا” حين نظر إلى نماذج التفكير والقيم السياسية على أنها منبثقة من النظم الاجتماعية، وذلك انطلاقا من تحليله للمنظمات التي تنشر من خلالها الأفكار مثل الجماعات التربوية والفكرية، كون أن الأفكار عنده لا تنبثق من البناءات الاقتصادية والطبقية فحسب بل ترجع إلى نماذج السلوك التي تتجسد في الجماعات الاجتماعية ذات الأنماط العديدة، وبذلك يحدد معنى الإيديولوجيا التي جعل منها المفهوم الأساسي في علم السياسة ، حيث تشير أفكاره إلى وجوب التفرقة بين المفهوم الجزئي للإيديولوجيا والمفهوم الكلي لها، فيقصد بالمفهوم الجزئي تلك المنظومة من الأفكار الخاصة بمصالح جماعة معينة، بينما يشير المفهوم الكلي إلى طريقة التفكير لكل مجتمع أو لفترة تاريخية خاصة10.
    وفي خضم التطور الذي عرفته سوسيولوجيا المعرفة كانت المفارقة البارزة إطلاق بعض المثقفين في الغرب شعار نهاية الإيديولوجيا الذي تزامن مع الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية، وهو صراع استراتيجي وإيديولوجي في جوهره. وقد فسرت الدعوة إلى نهاية الإيديولوجيا بإنجازات التقنية ووحدة الحلول التي فرضتها وحدة مشكلات العالم الصناعي، حيث انتفت الحاجة إلى المذاهب السياسية والاستقطاب الإيديولوجي، بفعل التقدم الذي يقوم بمعالجته لمختلف القضايا التي كانت الإيديولوجيا تتصدى لحلها… وفيما كانت أصداء هده الأصوات تتردد في أوائل ومنتصف سبعينيات القرن العشرين، كانت الإيديولوجيات القومية التحررية، تغطي مساحة من التجارب التاريخية المتنوعة وتتبنى مشكلات التنمية الوطنية، وتمنح مفهوم الإيديولوجيا محتوى جديدا يتصل بالمعاناة الإنسانية العميقة للشعوب المستعمرة. لم تعد الإيديولوجيا أفكارا قبلية وتصورات مغلقة، أو وعيا زائفا يعبر عن الطبقة السائدة، بل أصبحت منهجا يترجم آمال أمم بأكملها في التقدم والتحرر وتقرير المصير7.
    ولما جاءت نهاية القرن العشرين التي انهارت فيها التجربة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي ودول شرق أوروبا، تجدد الحديث عن فكرة نهاية التاريخ بانتصار الديمقراطية الليبرالية واقتصاديات السوق بصورة حاسمة حتى بدا وفقا لنظرية “نهاية التاريخ” لفرنسيس فوكوياماFoukouyama.F أن هناك ممرا إجباريا واحدا للتاريخ وخيارا لا بديل عنه هو النظام الرأسمالي العالمي. وهكذا تتابعت الإصدارات ذات الطبيعة الإيديولوجية، وبموازاتها الدراسات النقدية للإيديولوجيا، حاملة في طياتها جدلا فكريا واسعا، مما يجعل بيان حقيقة هذا المفهوم أمرا ذا دلالة8، وتحديدها ينبغي مراعاة سياقها التاريخي ومجالها التأسيسي.
المراجع:
1- مشكلة الفلسفة لإبراهيم زكريا، الصفحة: 176، طبعة 1971م، مكتبة مصر، الفجالة-مصر.
2- تدريس علم الاجتماع بين العلوم والإيديولوجيا ليعيش حرم خزاز وسيلة، الصفحة: 10-11، رسالة ماجيستير، تحت إشراف الأستاذ غراس محمد، السنة الجامعية: 2001م، كلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، جامعة منتوري، قسنطينة-الجزائر.
3– الإيديولوجيا وعوائق التحديث في المجتمع العربي المعاصر ناصيف نصار نموذجا لأنفال مكي، الصفحة:9، رسالة ماجيستر في الفلسفة، إشراف الدكتور زروخي الدراجي، الستة الجامعية 2016-2017، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم الفلسفة، جامعة محمد بوضياف-لمسيلة.
4– البعد الفني والإيديولوجي في الرواية الجزائرية المعاصرة دراسة سوسيو-بنائية في روايات واسيني الأعرج، لكمال رايس، الصفحة: 14، رسالة دكتوراه العلوم في الأدب العربي، إشراف الدكتور عبد الرحمان تبرماسين، السنة الجامعية 2014-2015، كلية الآداب واللغات، جامعة محمد خيضر بسكرة.
5-الإيديولوجيا وثائق من الأصول الفلسفية لميشيل فاديه، الصفحة: 27، ترجمة سيد البحراوي وأمينة رشيد، طبعة 2006م، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.
6– الأسطورة والأيديولوجيا لأمل مبروك، الصفحة: 112، طبعة 2001م، التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان.
7– الإيديولوجيا وعوائق التحديث في المجتمع العربي المعاصر ناصيف نصار نموذجا، الصفحة: 9-11.
8– تدريس علم الاجتماع بين العلوم والإيديولوجيا، الصفحة: 13.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى