الإمام مالك بين افتراء شاخت وصحة الرواية

thumbnail
الإمام مالك بين افتراء شاخت وصحة الرواية
 
هذا مقال متواضع في موضوعٍ من الأهمية بمكان، ركزت فيه الضوء على مكامن الأخطاء التي تغاضى عنها المستشرق جوزيف شاخت أثناء دراسته لسيرة الإمام مالك رحمه الله. والاستشراق في مفهومه العام هو مصدر كثير من الغربيين لفهم الثقافة الإسلامية، وحتى لا يخفى علينا فإن الدراسات الاستشراقية ليست مجرد محض صدفة، وإنما لها دوافع وأهداف، ومن جملة هذه الدوافع، الدافع الديني الذي تلتقي فيه مع حملات التبشير، فهذا الدافع يحرضهم على الطعن في الإسلام وعلمائه، وتشويه محاسنه، وتحريف حقائقه، بغية إقناع جماهيرهم التي تخضع لزعامتهم الدينية، بأن الإسلام دين لا يستحق الانتشار، وبأن المسلمين قوم همج لصوص، سفّاكو دماء، يحثهم دينهم على الملذات الجسدية، ويبعدهم عن كل سمو روحي وخلقي، وبغية سلخ المسلمين عن دينهم، ومحاولة تحويلهم إلى اللادينية والإلحاد الكامل.
والراكن إلى دراساتهم حول الإسلام ستتبين له هذه الحقيقة بوضوح، ذلك أن جل مؤلفات المستشرقين – باستثناء المنصفين منهم – تنطوي على كل الوسائل التي تساعد المسلم على الانسلاخ عن دينه، فقد تجدها في مجموعها لا تخرج مضامينها عن تشويه لصورة الإسلام، وتشكيك في أسسه، وادعاء عدم ملاءمة أحكامه مع التطور الحضاري، وحط من قيمة علمائه، وغير ذلك من الوسائل المزيفة، وهذا المستشرق الذي بين يدي دراستنا لافترائه، لا يخرج هو أيضاً عن هذا المنحى الذي يسلكه غيره من المستشرقين.
وعليه فإنني سأقسّم هذه الدراسة إلى قسمين اثنين، الأول سأخصصه لترجمة كل من مالك وشاخت، والثاني سأتطرق فيه إلى الحديث عن الرواية المعتمدة لشاخت في غناء مالك ونقدها، بينما في الختام سأوجز ما توصلت إليه من نتائج عبر هذه الدراسة المتواضعة.
ترجمة موجزة لكل من مالك وشاخت
1) ترجمة الإمام مالك
أنسبه
هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن عثمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث الأصبحي الحميري المدني أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، أحد الأئمة الأربعة الفقهاء، ولد في المدينة سنة ثلاث وتسعين على أرجح الأقوال، بدأ رحلته العلمية وهو ابن بضع عشرة سنة.
أول شيخ تلقى عنه العلم هو: ربيعة الرأي الفقيه المدني المعروف، ثم لزم ابن هرمز سبع سنين أو ثمان، لم يخلطه بغيره، فأخذ عنه علم الحديث، ثم مال إلى ابن شهاب الزهري، كما أخذ عن نافع، وابن المنكدر، وعبد الله بن دينار، وصالح بن كيسان، وسعيد المقبري، وغيرهم كثير ممن أخذ عنهم مالك، حتى قيل إن عدد شيوخه فاق تسعمائة شيخ، منهم ثلاثمائة من التابعين، وستمائة من تابعي التابعين.
بحياته العلمية
لم يجلس مالك لتدريس العلم حتى شهد له شيوخه بأنه أهل لذلك، وهو نفسه يحدث بذلك فيقول: “ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل والجهة من المسجد، فان رأوه لذلك أهلا جلس، وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم، أني موضع لذلك، وكان يقول: “ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل تراني موضعاً لذلك؟ سألت ربيعة ويحيى بن سعيد، فأمراني بذلك”. وقد كان من منهجه في التدريس أن يهتم بالمسائل الواقعة، ولم يفترض المتوقعات، ولا يحب أن يسأل عنها، على خلاف أهل العراق الذين شغفوا بالفقه التقديري.
جمؤلفاته
ولمالك رحمه الله مؤلفات، منها:
رسالة في القدر، كتبها إلى ابن وهب وإسنادها صحيح.
وله مؤلفات في النجوم ومنازل القمر. رواه سحنون، عن ابن نافع الصائغ، عنه، ورسالة في الأقضية، وله جزء في التفسير، ورسالة إلى الليث في إجماع أهل المدينة، ورسالة إلى أبي غسان محمد بن مطرف …
دمحنته ووفاته
تعرض مالك لمحنة شديدة في إمارة جعفر بن سليمان بن علي العباسي أمير المدينة سنة 147هـ، فقد وشي به إلى الأمير على أنه يرى عدم الإلزام في أيمان البيعة إذا كانت بالإكراه بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس على مستكره طلاق)، فنهي عن رواية هذا الحديث فلم ينته، فأمر به فجردت ثيابه وضرب سبعين سوطاً، وحلق شعره، وحمل على بعير وقيل له: ناد على نفسك، فقال: ألا من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس أقول: طلاق المكره ليس بشيء، فقال جعفر بن سليمان: أنزلوه. وما زال بعدها في رفعة وعلو. قال الذهبي: هذا ثمرة المحنة المحمودة، أنها ترفع العبد عند المؤمنين.
وتوفي مالك رحمه الله صبيحة يوم الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة 179ﻫـ في خلافة هارون الرشيد، ودفن بالبقيع1.
2) ترجمة جوزيف شاخت
مستشرق ألماني متخصص في الفقه الإسلامي، ولد في 15 مارس 1902، في راتيبور (سيليزيا الألمانيا) ودرس الفيلولوجيا الكلاسيكية، واللاهوت، واللغات الشرقية في جامعتي برسلاو وليبتسك، وحصل من جامعة برسلاو على الدكتوراه الأولى في 1923، وبعد أن حصل على دكتوراه التأهيل للتدريس في الجامعة، عين في 1925 مدرساً في جامعة فرايبورج ( في برسجاو، جنوب غرب ألمانيا) حيث صار في 1929 أستاذاً ذا كرسي، وفي 1932 انتقل إلى جامعة كينجسبرج، وفي 1934 انتدب للتدريس في الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حاليا) لتدريس فقه اللغة العربية واللغة السريانية بقسم اللغة العربية بكلية الآداب، ثم عمل بعد ذلك في وزارة الاستعلامات البريطانية سنة 1939-1940، وتجنس بالجنسية البريطانية، ودرّس في جامعة أكسفورد وجامعة الجزائر فجامعة ليدن بهولندا 1954- 1959، ثم بجامعة كولومبيا بنيويورك.
أإنتاجه ودراساته في الفقه الإسلامي
بالرغم من أن لشاخت إنتاجات كثيرة في ميدان علم الكلام، وميدان تحقيق المخطوطات وما إلى ذلك، فإن الميدان الحقيقي الذي برّز فيه هو تاريخ الفقه الإسلامي، وأهم ما لديه في هذا الباب، كتابه الرئيسي ” أصول الفقه المحمدي” وألف كذلك كتاباً أسماه ” مدخلا إلى الفقه الإسلامي” باللغة الإنجليــزية، وعني كذلك بالشريعة والقانون في مصر الحديثة، فكتب مقالاً بعنون “الشريعة والقانون في مصر الحديثة: إسهام في مسألة التجديد الإسلامي” …الخ2.
الرواية المعتمدة لشاخت في غناء مالك ونقدها
1) الرواية التي استشهد بها شاخت حول غناء مالك
ورد في موجز دائرة المعارف الإسلامية على لسان جوزيف شاخت في ترجمته للإمام مالك رضي الله عنه ” … وجاء في كتاب (الأغاني) إنه كان يريد في البدء أن يكون مغنياً، وأنه غيّر مسار حياته إلى دراسة الفقه بناء على نصيحة أمه”3.
والرواية كاملة أوردها أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني كما يلي: ” أخبرني محمد بن عمرو العتابي، قال: حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان، ولم أسمعه أنا من محمد بن خلف، قال: حدثني إسحاق بن محمد بن أبان الكوفي، قال: حدثني حسين بن دحمان الأشقر قال: كنت بالمدينة فخلا لي الطريق وسط النهار فجعلت أتغنى:
ما بالُ أهلكِ يا رَبابُ ** خُزْراً كأنّهم غِضابُ
قال: فإذا خوخة قد فُتِحَتْ، وإذا وجه قد بدا تتبعه لحية حمراء، فقال: يا فاسق أسأتَ التأدية، ومنعتَ القائلة، وأذعتَ الفاحشة، ثم اندفع يغنيه، فظننت أن طُوَيْساً قد نشر بعينه، فقلت له: أصلحك الله من أين لك هذا الغناء ؟ فقال: نشأت وأنا غلام حدث أتبع المغنين وآخذ عنهم، فقالت لي أمي: يا بني، إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يُلْتَفَتْ إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه؛ فإنه لا يضر معه قبح الوجه، فتركت المغنين واتبعت الفقهاء، فبلغ الله بي عز و جل ما ترى، فقلت له: فَأَعِدْ جعلت فداءك، قال: لا، ولا كرامة أتريد أن تقول أخذته عن مالك بن أنس، وإذا هو مالك بن أنس، ولم أعلم”4.
2) نقد الرواية
إن من المعلوم أن دراسة الأحداث والوقائع التاريخية التي مضت، ينبغي أن تكون مبنية على أسس علمية رصينة تستهدف الدقة والموضوعية، وذلك عن طريق الالتزام بمجموعة من الضوابط والمناهج العلمية المعتـمدة فـي دراسة التأريـخ، حتـى تكـون الأحداث موضــــع الـدراسة والتحليل دقيقـة تنأى عن أي لبس وغموض، ولكي لا ينجرف الباحث في متاهات البحث العلمي، ويتيه عن الصواب أثناء دراسته، يستلزم منه أن يحتكم إلى منهج علمي دقيــق في سرد الأحداث التاريخية ووصفها، والمنهج الذي يحتكم إليه كل الباحثين الموضوعيين هو المنهج التاريخي الموضوعي.
ومن خطوات هذا المنهج جمع البيانات اللازمة، ونقدها، فجمع البيانات يقتضي من الباحث أن يعتمد من المصادر في مجال موضوع الدرس المصادر الأكثر ارتباطاً بالمجال والأقرب إليه اختصاصاً ووثوقية، أما فيما يتعلق بالنقد، فالمطلوب فيه من الباحث أن يفحص كل البيانات التي جمعها، ويتأكد من مدى صحتها وسلامتها. سواء من ناحية النقد الخارجي للخبر، أو الداخلي له.
والأستاذ جوزيف شاخت في دراسته لسيرة الإمام مالك رضي الله عنه، كما هو واضح فيما أوردته آنفاً في معرض الشبهة لم يأبه لخطوات هذا المنهج بتاتاً، بل من المؤسف جداً أن نجد أستاذاً له مكانة مرموقة في العلم كشاخت وقع في خطأين كبيرين أثناء دراسته لسيرة مالك – نقول خطأين، لكن هل هما خطآن حقاً أم شيء آخر، فالأمر فيه نظر، لاسيما وأن من بين أهداف المستشرقين نزع القداسة عن الدين، والحط من قيمة العلماء، كما قد رأينا في مقدمة هذا العرض – إذ الخطأ الأول يرجع إلى سياقه الخبر في تناوله ترجمة الإمام مالك من مظان أدبية، وهذا أمر يعاب على صاحبه في تناوله سيرة من السير؛ لأن المطلوب من الباحث أثناء قيامه بهذه المهمة أن يعود إلى كتب التراجم التي هي أوثق الكتب وأدناها إلى الحقيقة والصواب من الكتب الأدبية.
والخطأ الثاني الذي وقع فيه، يرجع إلى عدم مبالاته بنقد الرواية بنوعيه الخارجي والداخلي، وهذا خطأ من الفظاعة بمكان، ولاسيما في أمور يتطلب فيها التثبت والدقة، كأمر النقل الذي نحن بصدد الحديث عنه، ولنزيد الموضوع بسطاً وبياناً، سنُخضع هذه الرواية لميزان النقد العلمي – أي دراستها من حيث السند والمتن – حتى نتبين مكامن الأخطاء التي لم يُقم لعظمتها شاخت أي وزن، بل ما كان منه إلا أن سلم بها كأخبار مقطوع في صحتها لا أقل ولا أكثر.
أ نقد الرواية من حيث السند
لا ريب أن جمع المعلومات وتدوينها على أنها حقائق ثابتة من دون تمحيص لها، ولا تنقيح، كفيل بأن يمزق جميع الحقائق والأحداث التي يحتضنها الزمنُ في هيكله القديم؛ لأن جمعاً للمعلومات هكذا كافٍ لتشويه ملامح الحقائق وتزييفها، وبالتالي ذوبان المعلومات في بوتقة واحدة لا فاصل يميز الصحيحة منها من الخاطئة.
ونحن إذا عدنا إلى سند الرواية السابقة التي ساقها الأصفهاني في كتابه الأغاني عن غناء مالك، سنجد في أثنائه راوٍ متهم بالكذب5، ومدار الحديث هنا على إسحاق بن محمد النخعي، فقد قال فيه الذهبي في كتابه المغني في الضعفاء ” إسحاق بن محمد النخعي الأحمر، رافضي كذاب مارق”6، وفيه قال أيضاً الخطيب البغدادي في كتابه تاريخ بغداد ” كان – أي إسحاق – من الغلاة وإليه تنسب الطائفة المعروفة بالإسحاقية وهي ممن يعتقد في علي الإلهية”7، ونفس الرواية جاء بها ابن الجوزي في كتابه الضعفاء والمتروكين حيث قال: ” إسحاق بن محمد النخعي، كان كذّاباً من الغلاة في الرفض”8، كما أن الأمر ذاته نقرأه لابن حجر العسقلاني في كتابه لسان الميزان ” إسحاق بن محمد النخعي الأحمر، كذاب مارق من الغلاة، روى عن عبيد الله بن محمد العيشي، وإبراهيم بن بشار الرمادي، وعنه ابن المرزبان، وأبو سهل القطان، وجماعة. قال الخطيب: سمعت عبد الواحد بن علي الأسدي، يقول: إسحاق بن محمد النخعي، كان خبيث المذهب يقول إن عليّاً هو الله”9.
وحتى عند علماء الشيعة لم يسلم من الجرح فقد كان موقفهم منه، نفس موقف علماء السنة، إذ اتهموه بالكذب في الرواية والوضع للحديث، جاء في كتاب معجم رجال الحديث لأبي القاسم الخوئي أنه “كان معدن التخليط، له كتب في التخليط … قال ابن الغضائري: إنه كان فاسد المذهب، كذّاباً في الرواية، وضّاعاً للحديث، لا يلتفت إلى ما رواه، ولا ينتفع بحديثه”10.
أليس حري بكل من يتمتع بحس نقدي أن يشكك في روايات هذا الرجل بعد كل هذه الروايات التي تتهمه بالكذب والوضع؟ فلم نجد الأستاذ شاخت يعتمد هذه الرواية بالذات في ترجمته للإمام مالك؟ ولم بالذات في كتاب ككتاب “دائرة المعارف الإسلامية”؟
 بوسع كل واحد منا أن يتبين الجواب عن هذين السؤالين بمجرد تصفحه لأي كتاب من الكتب التي تتحدث عن دوافع الاستشراق وأهدافه.
ب نقد الرواية من حيث المتن
وغني عن البيان أن الرواية إذا وُجد في سندها موجب لردّها، استلزم ذلك رد متنها أيضاً حتـى لو كان يوافق متون الروايات الصحيحة الأخرى، وبتعبير آخر إن دراسة سند الرواية كفيلة بالحكم على دراسة متنها، فإن كانت دراسته أفضت إلى وجود راو متهم فيه، تحتم الأمر الاكتفاء بهذه الدراسة، أما إن كانت دراسته سليمة من وجود أي خلل فيه، كان الأمر يقتضي الإقدام على دراسة متن الرواية أيضاً حتى يتبين حكم الرواية في غاية المطاف، هل يُؤخذ بها أم أن متنها يتطلب غير ذلك.
ودراستنا لسند هذه الرواية التي جاء بها الأصفهاني عن مالك، تكفي للحكم على الرواية كاملة بالرد، ولا حاجة بعد ذلك إلى دراسة متنها، غير أن هذا المستشرق لما تغاضى عن كل ما في السند والمتن من أخطاء، كان لزاماً علينا أن نبيّنها ونزيح الستار عنها.
فمن بين ما تضمنه متنُ هذه الرواية أن مالكاً رحمه الله كان قبيح الوجه، وهو السبب الذي جعل أمَّهُ – كما في الرواية – ترشده إلى أن يستعيض عن الغناء بدراسة الفقه، بعدما علّلت ذلك بأن المغني الذي يكون قبيح الوجه لا يُلتفت إلى غنائه، وتضمن أيضاً أن مالكاً كان صاحب لحية حمراء، وهذه الصفات الواردة في هذه القصة تخالف الصفات المشهورة عن إمام دار الهجرة جملة، فالمصادر الموثوقة في مجموعها تؤكد على أن مالكاً كان جميل الوجه، كما أنه لم يكن يُخضِّب لحيته، بل لحيته كانت بيضاء، وفي هذه الاستشهادات التالية ما يؤكد صحة ما نقول.
يقول القاضي عياض في كتابه ترتيب المدارك، والذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء في معرض حديثهما عن صفات الإمام مالك ” قال أبو عاصم: ما رأيت محدثاً أحسن وجهاً من مالك، وقال عيسى ابن عمر المديني: ما رأيت قط بياضاً ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشد بياض ثوب منه. ووصفه غير واحد من أصحابه، منهم مطرف وإسماعيل والشافعي وبعضهم يزيد على بعض، قالوا كان طوالاً جسيماً عظيم الهامة أبيض الرأس واللحية شديد البياض إلى الصفرة، أعين، حسن الصورة، أصلع، أشم، عظيم اللحية تامها، تبلغ صدره ذات سعة وطول، وكان يأخذ إطار شاربه ولا يحلقه ولا يحفيه ويرى حلقه من المثل .. وقيل كان أزرق العين، روى بعض ذلك ابن سعد، عن مطّرف بن عبد الله … وقال مصعب الزبيري كان مالك من أحسن الناس وجهاً، وأجلاهم عيناً وأنقاهم بياضاً وأتمهم طولاً في جودة بدن .. قال الواقدي: عاش مالك تسعين سنة لم يخضب شيبته .. وقال محمد بن الضحاك: كان مالك جميل الوجه نقي الثوب رقيقه يكره اختلاف اللبوس”11.
ويقول ابن قتيبة في كتابه المعارف ” وكان شديد البياض إلى الشقرة طويلاً، عظيم الهامة أصلع يلبس الثياب العدنية الجياد، ويكره حلق الشارب، ويعيبه ويراه في المثلة ولا يغير شيبه”12.
وحتى لو افترضنا جدلاً أن مالكاً كان مغنياً، فالمصادر على عكس ذلك تماماً، بل من المصادر من تؤكد أن مالكاً كان يكره الغناء، ولا يجوزه، فمثلاً حينما نقرأ في المدونة الكبرى لسحنون، نجد موقف مالك من الغناء وما افتري به عليه على طرفي نقيض، فقد جاء فيها ” … قلت: أكان مالك يكره الغناء؟ قال: كره مالك قراءة القرآن بالألحان، فكيف لا يكره الغناء، وكره مالك أن يبيع الرجل الجارية ويشترط أنها مغنية فهذا مما يدلك على أنه كان يكره الغناء”13، فمن يا ترى سوّغ للأستاذ شاخت أن يضرب بكل هذه المصادر الموثوقة عرض الحائط، ويأخذ بهذه الرواية الشاذة؟!!
خاتمــــة
بعد هذه الدراسة النقدية للرواية الباطلة التي ساقها شاخت أثناء ترجمته للإمام مالك رحمه الله، نستطيع أن نخلص إلى أهم النقط التي ينبغي أن نتبينها بوضوح وهي أن:
معظم المستشرقين لا يكترثون بتاتاً لنقد الروايات، لاسيما إن كان الموضوع متعلقاً بمحور حساس من محاور الدين كالعقيدة والفقه والتصوف…
وأنهم يتعمّدون النبش عن الروايات الكاذبة في بطون الكتب، قصد الحط من قدسية الدين، وازدراء شخص العلماء الكبار المشهود لهم بالاستقامة والعدالة، كما هو الشأن بالنسبة لهذا المستشرق الذي نحن بصدد نقد روايته الباطلة.
وأن الدافع الرئيس لدى أغلبهم حول الإقدام على هذه الخيانة في العلم هو حقدهم الدفين تجاه الإسلام ليس إلا، الدافع الذي نتج عن انتكاساتهم الفظيعة أثناء الحروب الصليبية.
ومهما يكن، فإن هذه الدراسة لم تستوف غرضها نظراً لِمَا لهذا المستشرق من افتراءات على مالك رضي الله عنه، فبالإضافة إلى هذه القصة الكاذبة، فقد شكك في شيوخه، وشكك أيضاً في سلسلة الذهب التي هي من أصح الأسانيد على الإطلاق .. وما إلى ذلك من الشكوك والافتراءات.
المراجع:
1 انظر وفيات الأعيان لأحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، ج 4، ص 135، دار صادر بيروت، وانظر أيضاً سير أعلام النبلاء للذهبي، ج 3، ص 3145، بيت الأفكار الدولية، وانظر الإمام مالك بن أنس لعبد الغني الدقر، ط 3، ص 21، دار القلم، وانظر الانتقاء لابن عبد البر، ط 1، ص 36، دار البشائر الإسلامية.
2  انظر موسوعة المستشرقين لعبد الرحمان بدوي، ط 3، ص 366، دار العلم للملايين، وانظر أيضاً الأعلام للزركلي، ط 15، ج 8، ص 234، دار العلم للملايين.
3  موجز دائرة المعارف الإسلامية، ط 1، ج 28، ص 8972، مركز الشارقة للإبداع الفكري.
4  الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، الطبعة الثالثة، المجلد الأول، الصفحة 159، دار صادر بيروت.
5  الوصف بالكذب هو المرتبة الخامسة من مراتب الجرح عند علماء الجرح والتعديل، والموصوف بالكذب عندهم لا يُحتج بحديثه، ولا يكتب، ولا يعتبر به؛ لأنه لا يصلح لأن يتقوى أو يُقوّي غيرَه. (انظر أصول التخريج ودراسة الأسانيد للدكتور محمود الطحان، ط 4، ص 145- 146، دار المعارف.
6  المغني في الضعفاء للإمام الذهبي، ج 1، ص 121، إدارة إحياء التراث الإسلامي.
7 تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج 3، ص 290، دار الكتب العلمية.
8  الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي، ط 1، ج 1، ص 103، دار الكتب العلمية.
9  لسان الميزان للإمام ابن حجر العسقلاني، ط 1، ج 2، ص 71، مكتب المطبوعات الإسلامية.
10-  معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة لأبي القاسم الخوئي، ج 3، ص 229- 230، مؤسسة الامام الخوئي الاسلامية.
11-  انظر ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض، ط 2، ج 1، ص 121-122، وانظر أيضاً سير أعلام النبلاء للذهبي، ج 3، ص 3150، بيت الأفكار الدولية.
12-  المعارف لابن قتيبة، ط 4، ص 498، دار المعارف.
13-  المدونة الكبرى ، رواية الإمام سحنون، كتاب الجعل والإجارة، ط 1، ج 3، ص 432، دار الكتب العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى