البعد الإنساني في كتابات محمد عزيز الحبابي

thumbnail

البعد الإنساني في كتابات محمد عزيز الحبابي1

تتميز كتابات المفكر محمد عزيز الحبابي بطابع إنساني، يتجلّى من خلال تبنّيه للتيار الفلسفي الشخصاني2، الذي يعيد الاعتبار للإنسان، ويضعه في صميم اهتماماته. يقول مؤسّس الفلسفة الشخصانية الفرنسي إيمانويل مونييه3: “إن فضاء الشخص هو فضاء الإنسان”4. غير أن هذه الفلسفة كانت تتّسم بالنزعة التشاؤمية؛ نتيجة مرجعيتها المسيحية التي تعتقد بالخطيئة، وتحمّل الناس مسؤوليتها، ولذلك عمل الحبابي إلى أن يُبدع فلسفة جديدة تسدّ ثغرات هذه الفلسفة الشخصانية الفرنسية، وتستجيب للواقع، فأسماها الشخصانية الواقعية التي تجد طاقتها في الدين الإسلامي.

أولاً: الخروج من الأطر القبلية والعشائرية

وفقاً لما قام به إيمانويل مونييه، من محاولة إيجاد جذور لمصطلح “الشخصانية” في الفلسفة اليونانية والمسيحية، “حاول الحبابي أن يقرّبها من الإسلام، ليس قصد إيجادها فيه أو توسيع نطاقها لاحتوائه، بل من أجل تلمّس حقائق هي من صلب الإسلام وتمتّ إلى الشخصانية بصلة. وهذه الحقائق تكشف كلّها كيف أن هذا الدين سعى إلى تحقيق الشخصية الفردية والشخصية الجماعية معاً، وذلك في إطار التوافق اللاّزم والتكامل الخلاّق”5، فالإسلام جاء ليخلّص الإنسان الجاهلي من منفاه القبلي، وتقوقعه الانعزالي، ويدخله في مستوى الشمول العالمي.

أ: الإسلام في مواجهة الانغلاقية

إنّ الأنا في العصر الجاهلي لم يكن “مُركّزاً في داخله، بل مشتّتاً على الخارج، منعدم الذاتية الخاصة، حسبُه المشاركة في ذاتية قبلية مشاعة. فكيف يستطيع، والحالة هذه، أن يصل إلى درجة الوعي ما دام شعوره يذوب في شعور جماعي غير محدّد، قانونه العصبية الضيّقة التي يعبّر عنها دريد بن الصمة6 في البيت الآتي:

وهل أنا إلاّ من غزيّة، إن غوت    غويت، وإن ترشد غزية أَرْشُدِ”7

يؤكّد الحبابي من خلال عودته إلى المصادر الإسلامية، وبالخصوص القرآن والسنة، بغية إبراز العناصر المكوّنة لشخصانية إسلامية أصيلة، أن القرآن والسنة كلّما تحدّثا “عن الجنس البشري، استعملا كلمتي “إنسان” أو “آدم” (أبو البشرية)، فلا يفضّلان عصبية أو عرقاً ما8، وهذا الخطاب الإنساني الذي جاء به الإسلام، لم تكن معانيه موجودة عند العرب في الجاهلية، ولم يكن العربي يعرف معنى الانفتاح على الآخرين، ومدّ جسور التواصل معهم، إذ العصبية القبلية لم تكن “لتعترف بالتضامن والعلاقات الودّية إلاّ بين من تجمعهم رابطة الرحم، من قريب أو بعيد. وتنبني واقعية العصبية على تقديس الجدّ المشترك… هكذا كـان عرب الجاهلية يفرّقــون بين العربي الذي يعدّ نفسه حـرّاً، مثل المواطن الأثينـي [فـي المجتمع الإغريقي]، وبين العجمي، أي الأجنبي الذي يجوز، طبعاً، استرقاقه”9.

فالإسلام إذن، أحدث ثورة جذرية في بنية العقل العربي، جعله يدخل “أوراشاً تاريخية جديدة، على مستوى العالم، بذهنية وقيم وسلوك لم يكن له سابق معرفة بها10، فبتخطّيه الأطر الضيّقة للمعشر وإبداله القبيلة بالأمة، قد اعطى للكائن البشري بُعداً امتدادياً غير محدود، لأنّ دين الله دينُ شمول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾11، وفي سورة أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾12، فبهذا الانتساب للأمة، تجاوز العربي فرديّته، وحدود قبيلته وجنسه، وأصبح مسؤولاً، هو عينه، كفرد، عن جميع أفعاله اتجاه الإله الكائن المطلق، وتجاه جميع الكائنات البشرية باعتبارهم أنداده، وإخوانه لأنهم جميعاً مخلوقات الله الكائن – الكل – الأحد13. فهذا الدين الجديد، غيّر كلّ المفاهيم التي كانت مقياساً لعظمة الإنسان وكماليّته: من قبيلة، ونسب، حسب، وما أشبه ذلك، لأن “شرف أيّ إنسان مكتسب، بصفة فردية، بفضل ما يقوم به من أعمال الصلاح والخير، لا بالانتساب إلى قبيلة، أو موطن”14، فعوضاً عن أن يبقى العربي فرداً يذوب في القبيلة، داخل اتصال أفقي، صار شخصاً يشعر بشخصيته في ذاتها، ويتّصل، عمودياً بكائن مطلق، الخالق المتعالي الذي سوى بين العربي والعجمي15.

المراجع:

1-  مأخوذ من رسالة الماستر بعد إذن صاحبها. نوقشت خلال موسم 2019/2020م.

2- الشخصانية هو المصطلح الذي يُعرف به أحد أهم التيارات الفكرية التي ظهرت في فرنسا خلال ثلاثينات القرن العشرين إلى جانب الوجودية والفينومينولوجيا. وتقوم الشخصانية على مبدأ أخلاقي، أساس مضمونه احترام الشخص وعدّه قيمة مطلقة، تعلو على عالم الموضوعات، حيث الشخص مركز العالم، وما المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا وسائل في خدمة الشخص، بوصفه غاية في ذاته. بهذا المعنى، فالشخصانية نظرية أخلاقية واجتماعية مؤسسة على القيمة المطلقة للشخص. (صحيفة الخليج، الشخصانية، موقع (alkhaleej.ae)، نشر يوم 08 يونيو 2019، وقد تمت زيارته في يولو 2019.

3-  فيلسوف وكاتب فرنسي، ولد في الأول من نيسان 1905 في غرنوبل، وتوفي في 22 آذار 1950 في شاثناي – مالابري. (طرابيشي، جورج. معجم الفلاسفة: المرجع السابق، ص 656.

4-  صحيفة الخليج، المرجع السابق.

5-  حميش، سالم. معهم حيث هم – لقاءات فكرية: دار الفارابي، بيروت، 1988م، ص 159.

6-  هو دريد بن الصمة بن الحارث، شجاع من المعمرين قبل الإسلام، كان سيد بني جشم وفارسهم وقائدهم، غزا نحو مائة غزوة لم يهزم في واحدة منها. قتله ربيعة بن رفيع السلمي سنة 8هـ. والصمة لقب أبيه. (الرضوان، عبد عون. موسوعة شعراء العصر الجاهلي: دار أسامة، الأردن، ط1، د.ت، ص 113).

7-  الحبابي، محمد عزيز. الشخصانية الإسلامية: دار المعارف، القاهرة، ط2، د.ت، ص 17.

8-  المصدر نفسه، ص 16.

9-  المصدر نفسه، ص 12.

10-  المصدر نفسه، ص 9.

11-  سورة الأنبياء، الآية 107.

12-  سورة سبإ، الآية 28.

13-  الحباب، محمد عزيز. الشخصانية الإسلامية: المصدر السابق، ص 9.

14-  المصدر نفسه، ص 26.

15-  المصدر نفسه، ص 32.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى