الجدل المذهبي والديني في الأندلس

thumbnail
الجدل المذهبي والديني في الأندلس
   يعتبر منتصف القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي عصر ازدهار وتطور للعلوم في الأندلس سواء النقلية أم العقلية، وذلك ناتج لعصور التكوين السابقة لهذا العصر، فالرحلات العلمية للمشرق، ولقاء العلماء ووفودهم لبلاد الأندلس للتدريس والتصنيف؛ آتى أُكله وثمراته في هذا العصر الذهبي من عصور الأندلس، ألا وهو عصر الطوائف، رغم ما يتخلله من فتنة وتمزق وتفرق على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ويا لها من مفارقة في ظل هذه الظروف القاسية التي تعيشها البلاد إلا أن ذلك لم يقف حاجزاً أمام التطور العلمي والنبوغ الفكري والحضاري لبلاد الأندلس وقتذاك، فكان للدراسات الفقهية نصيبها من هذا الازدهار خاصة ما يتعلق بالمذهب المالكي فكثرت الشروحات عليه، ودونت المؤلفات الفقهية فيه، والمتعلقة بالأحكام والأصول والفروع للفقه المالكي، ولكن طرأ مذهب مشرقي وافد جديد على الأندلس لم يكن له ظهور من قبل وظهر له أنصاره وأتباعه، الأمر الذي كان مستهجناً عند فقهاء المالكية! خاصة عندما ظهرت ردود من الظاهرية على بعض المسائل الفقهية المالكية وقالوا بإبطالها، فكانت المواجهة الكلامية بين الطرفين، خاصة وأن الطرف الأول وهم الظاهرية يتزعمهم رجل أوتي علماً وجدلاً وقوة حجةٍ وبيان، كيف لا وهو العالم الموسوعي ابن حزم الظاهري، وعلى الرغم مما يتمتع به المذهب المالكي من سيادة لدى الطبقة الحاكمة وطبقة العامة إلا أن ابن حزم استطاع إفحامهم ورد تعصبهم للمذهب دون الرجوع للأدلة والبراهين الشرعية.
   سنخصص هذه الدراسة للحديث عن ترجمة موجزة لابن حزم الظاهري، وعن الصراع المذهبي والديني بينه وبين خصومه، ثم نختمها بذكر أهم النتائج المتوصّل إليها.
   ترجمة موجزة لابن حزم:
   يقول الإمام الذهبي في ترجمة ابن حزم “ابن حزم الإمام الأوحد، البحر، ذو الفنون والمعارف أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد، الفارسي الأصل، ثم الأندلسي القرطبي اليزيدي مولى الأمير يزيد بن أبي سفيان بن حرب الأموي – رضي الله عنه – المعروف بيزيد الخير، نائب أمير المؤمنين أبي حفص على دمشق، الفقيه الحافظ، المتكلم، الأديب، الوزير الظاهري، صاحب التصانيف. فكان جده يزيد مولى للأمير يزيد أخي معاوية. وكان جده خلف بن معدان هو أول من دخل الأندلس في صحابة ملك الأندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام؛ المعروف بالداخل1.
   وقال أبو مروان ابن حيان في وصف ابن حزم ” كان يحمل علمه، ويجادل من خالفه فيه على استرسال في طباعه وبذل بأسراره، واستناد على العهد الذي أخذه الله على العلماء من عباده، ليبينه للناس ولا يكتمونه فلم يك يلطف صدعه، بما عنده من تعريض، ويرقه بتدريج، بل يصك به معارضه صك الجندل، ينشقه متعلقه إنشاء الخردل، فنفر عنه القلوب، وتوقع منه الندوب، حتى استهدف إلى فقهاء وقته، فمالوا على بغضه ورد أقواله، فأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم من الدنو إليه والأخذ عنه، وطفق الملوك يقصونه على قربهم، ويسيرونه عن بلادهم … وهو في ذلك غير مرتدع ولا راجع إلى ما أرادوا به، يبث علمه فيمن ينتابه من بادية بلده من عامة المقتبسين منهم، من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون الملامة، يحدثهم ويثقفهم ويدرسهم، ولا يدع المثابرة على العلم، والمواظبة على التأليف، والإكثار من التصنيف حتى كمل في مصنفاته في فنون العلم وقر بعير، لم تعد أكثرها بادية لتزهيد الفقهاء وطلاب العلم فيها، حتى لأحرق بعضها في إشبيلية ومزقت علانية، لا يزيد مؤلفها في ذلك إلا بصيرة من نشرها، وجدالا للمعاندة فيها، إلى أن مضى لسبيله، وأكثروا معايبه فيما زعموا عند المنصف له جهله بسياسة العلم التي هي أعوص من إتقانه.
   ذلك هو ابن حزم في نظر المؤرخين الذين عاصروه، وتلك منزلته بين علماء عصره، علم واسع غزير، وفضل كبير، ولكن حدة في الجدل، وصراحة في القول، ومنهاج اختص به، جعل فقهاء عصره ينفرون منه، ويحرضون عيه الأمراء والحكام فينفونه.
   ولعل من بين الأسباب التي جعلت غيره من الفقهاء يختلفون معه ويؤلبون الأمراء عليه حتى أدى بهم الأمر إلى إحراق كتبه، مخالفته لهم في المذهب، بحيث كان على المذهب الظاهري الذي وفد إلى الأندلس من المشرق، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل حول كيفية دخول هذا المذهب إلى المغرب، ولاسيما الأندلس؟
   لقد دون المذهب على يد حافظه ابن حزم وجل ما بقي لنا منه إنما هو من آثاره، وانتقاله من العراق إلى الأندلس كان عن طريق رحلات العلم، فكثيراً ما رحل المغاربة والأندلسيون إلى المشرق وعادوا محملين بعلومه وما كانت عواصم المشرق الإسلامي تخلو من طلاب العلم المغاربة فمنذ منتصف القرن الثاني وهم يتوافدون على المدينة وبغداد ومصر يأخذون العلم والأدب عن مشاهير الرجال بها، وبهذه الطريقة جاء مذهب الإمام مالك إلى المغرب والأندلس، كما جاء مذهب النعمان ومذهب داود وقليل من الشافعية والحنابلة وحتى فقه الخوارج.
   وابن حزم يعتبر بحق العالم الذي يمثل مذهبه لأنه إن وجد أفراد يتمذهبون لداود أو يروون رأيه، فإنه لم يكن لهم خطر كبير حتى جاء ابن حزم فملأ الأندلس والمغرب وبالتالي الدنيا بالفقه الظاهري والحديث عنه.
   جدل ابن حزم المذهبي مع خصومه
   كان انتشار المذهب الظاهري بين الأندلسيين بفضل مناظرات صاحبه الحادة مع المذاهب الأخرى وانتصاراته الصارخة عليها، وخصوصا مناظراته مع أتباع المذهب المالكي، الأمر الذي جعل هؤلاء المالكيين يتآمرون عليه ويؤلبون الأمراء عليه، ويأمرون بإحراق كتبه، كما أشرت إلى ذلك آنفاً، ولعل أهم المناظرات التي قام بها ابن حزم، جمعته مع ابن البارية الميورقي والباجي.
   1) مناظرة ابن حزم مع ابن البارية
   كان الإمام ابن حزم الظاهري قد حـلّ بميورقة سنة 490 هـ/8091م وذلك بمساعـي واليها أحمد بن رشيق، وذلك ليتيح له فرصة نشر آرائه وفقهه بعد أن ضيق عليه الفقهاء وأقصته الأمراء، فما لبث أن حلّ ابن حزم بميورقة حتى تصدى له أحد فقهائها المالكيين ويدعى أبا الوليد بن البارية، فدارت بينه وبين ابن حزم مناظرة فقهية في مجلس أحمد بن رشيق فلم يستطع الفقيه ابن البارية الصمود أمام حجج الإمام الظاهري ابن حزم وبراهينه فذُلّ وهُزم في تلك المناظرة، فما كان من والي ميورقة ابن رشيق إلا أن سجنه عدة أيام ثم أَطلق سراحه بعد أن أشهد عليه بأن لا يتعرض لابن حزم بالطعن، وانتهى الأمر بابن البارية بأن أدركته منيته أثناء رحلته لأداء فريضة الحج.
   2) مناظرة ابن حزم مع الباجي
   جاء بعد ابن البارية لمناظرة ابن حزم فقيه أخر مالكي وهو القاضي أبو عبدالله بن عوف، إلا أنه أخفق كسابقه ابن البارية، فذاع صيت ابن حزم بجزيرة ميورقة وبدأ مذهب الظاهري بالانتشار في كل جزر البليار، وتكونت مدرسة لتعليم المذهب الظاهري يرأسها إمام أهل الظاهر ابن حزم، وظل الأمر كذلك إلى ان قام أحد فقهاء ميورقة ويدعى محمد بن سعيد بطلب معونة أبي الوليد الباجي الذي كان قد حلّ ببلاط أمير دانية والجزائر الشرقية على بن مجاهد العامر وتقلَّد أمر الشورى والقضاء فيها، فنزل الباجي عند رغبة الفقيه ابن سعيد، وذلك لما لاحظه عند عودته من رحلته إلى المشرق من شهرة واسعة لابن حزم، كما لاحظ أن آراءه الفكرية قد غزت قلوب الناس واستمكنت منها، وذلك لما يملكه ابن حزم من قدرة وتمكن من استخدام طرق الجدل والمناظرة، وأنه ليس لفقهاء الأندلس المالكيين القدرة على مجاراته كونهم قليلاً ما يحفلون بالنزر في الأدلة العقلية، ولضعف القدرة كذلك عندهم في تحصيلها واستنباطها، وقد لاحظ القاضي عياض موقفالباجي هذا فقال: وجد عند وروده بالأندلس لابن حزم الداودي صيتاً عالياً، وظاهريات منكرة، وكان لكلامه طلاوة، وقد أخذت قلوب الناس، وله تصرف في فنون تقصر عنها ألسنة فقهاء الأندلس في ذلك الوقت لقلة استعمالهم النظر، وعدم تحققهم به، فلم يكن يقوم أحد بمناظرته فعلا بذلك شأنه، وسلَّموا الكلام له على اعترافهم بتخليطه، فحادوا عن مكالمته حتى صار ابن حزم شيخ ميورقة ورأس أهلها، ويتفق ابن العربي اتفاقاً تاماً مع عياض في سبب شهرة ابن حزم وانتشار مذهبه وفكره في جزر البليار وبالتحديد في ميورقة، قائلاً: “إن ابن حزم كان بين أقوام لا نظر لهم إلا المسائل فإن طالبهم بالدليل كاعوا، فتضاحك مع أصحابه منهم”2.
   نزل الإمام الباجي مع أخيه إبراهيم جزيرة ميورقة بداية سنة 440هـ/8041م فوافق مجيئهماوفاة والي ميورقة أحمد بن رشيق الذي كان طوال عشر سنوات مضت أكبر نصير وسند لابن حزمعلى خصومه. الأمر الذي مّكن لخصوم ابن حزم بمساندة الإمام الباجي من التغلب عليه، وفي ذلك يقول ابن الآبار: “وقد تحالف أبو الوليد الباجي مع العالم الميورقي المتكلّم محمد بن سعيد الميورقي، وتضافرا عليه – أي ابن حزم وناظراه، فأفحماه وأخرجاه من ميورقة، وعلى الرغم من الاضطهاد الذي تعرض له ابن حزم علي يد خصومه والتضييق الذي لحقه عقب وفاة صديقه وعضُده ابن رشيق، إلا أنه لم يتراجع عن مذهبه، وظل داعياً إليه حتى وفاته، وقد روى ياقوت الحوار ا لذي جرى بين الباجي وابن حزم عقب انتهاء المناظرة بينهما فقال: وجرت بينهما مناظرة فلما انقضت قال الفقيه أبو الوليد: تعذرني فإن أكثر مطالعتي كانت على سرج الحراس، فقال ابن حزم: تعذرني فإن أكثر مطالعتي كانت على منابر الذهب والفضة، أراد أن الغنى أضيع لطلب العلم من الفقر، وعلى الرغم مما جرى بين الباجي وابن حزم، فإن ابن حزمكان يُجلّ الإمام الباجي ويشيد بمنزلته وإمامته في المذهب المالكي وكان يقول عنه: “لم يكن لاتباع المذهب المالكي بعد عبد الوهاب مثل أبي الوليد الباجي”3.
   والحق أن ابن حزم لم ينهزم في معركة نشر مذهبه للقوة المسيطرة على الناحية الفقهية التي تمثل كتلة قوية قادرة على التأثير علي الحاكم والعامة لوأد أي اتجاه يؤثر على مكانتها، فهم لم يعطوا لا بن حزم وأتباعه فرصة النمو وتكوين كتلة قوية أيضا قادرة ع لي ال تأثير ع لي ال حاكم لإحداث التغيير الفكري الإصلاحي المنشود، ودور الطبقة نفسها وما أكثر ما بها من فقهاء للمالكية، وتلك تمثل قوة رابضة تجاه أي محاولة للتغيير، فثبوت المذهب المالكي ورسوخه في دائرة كبرى، تحيط بالأندلس، قد أتى من عـدة نواحي: تتمثل أولها في رحلة علمائه إلي المشرق، وأثرهم بعد ذلك في العودة وتدريس الفقه المالكي، وتلك أهم وسيلة من وسائل انتشاره، كونه مادة تربوية دينية أساسية، ثم تأتي بعد ذلك أهم مرحلة وهي تأليف الكتب والمصنفــات المالكيـة؛ منها ما هو لتدعيـم المذهب؛ ومنها ما هو هـجومي ضد خصومـه، كل ذلك فضلا عن سيطرة فقهائه علي مجريات الحياة السياسية، فقد وقف أمام ابن حزم – قبل الباجي – فقهاء مالكيين آخرون، إلا أنهم لم يستطيعوا مجاراته، مثل أبو الوليد بن البارية من فقهاء جزيرة ميورقة، ما حمل الوالي علي سجنه واستهانته كما مر ذكره.
      وما أن خرج ابن حزم عن ميورقة حتى ازداد أذى فقهاء المالكية له، فهّيجوا عليه العامة، وحذروا منه الملوك والأمراء بتهمة أنه يهاجم الأئمة الأربعة ويسّفه أقوالهم – وهي فرصة للتخلص من أكبر داعية إلى وحدة الأندلس تحت راية بني أمية كون ابن حزم من أشد الناس ولاء للبيتالأموي – فأُحرقت كتبه على يد ملك إشبيلية المعتضد بن عباد، وحّذر العامة من تداولها وقراءتها، الأمر الذي أدى به إلى القول فيهم ما أسلفناه من أبيات:
        فإن تحرقوا القرطاس لا تــحرقوا الذي ** تضمنه القرطاس، بل هو في صدري
        يسيـر معـي حيــــث استقلـت ركائبي ** وينــزل إذ أثــوى ويدفـن فـي قبــري
        دعونــي مـن إحـــــراق رق وكــاغــد ** وقولوا بعلم كي يرى الناس من يـدري
        وإلا فعـــــــودوا إلى المكــاتــــب بـــدأة ** فكـــم دون مــا تبغــون لله من ستـر4
   جدل ابن حزم الديني مع خصومه
   إضافة إلى الجدل المذهبي الذي كانت تشهده الأندلس، عرفت أيضا هذه البلد شكلاً آخر من أشكال الجدل، يأخذ صبغة دينية، يتعدى من الصبغة المذهبية لينصهر في بوتقة دينية، فالجدل الديني بين الأديان السماوية، أو غيرها من الأديان الأخرى، يؤسس لمفهوم الحوار الحضاري، ويبتعد كلياً عن التطرف وإقصاء الآخر. وهذا الجدل يظهر جلياً ويأخذ معانيه الكاملة خلال العصر الأندلسي، حينما اختاره المسلمون سبيلاً للتعايش مع الأديان السماوية الأخرى، ومنهجاً للدعوة إلى الإسلام عن طريق الإقناع، مما ولّد بعد ذلك تلك الحضارة الأندلسية الشامخة التي تحضر في أغلب الكتابات التاريخية.
    لقد كان لعلماء المسلمين بالأندلس دور عظيم، ومهم في الدفاع عن الإسلام عقيدة وشريعة، وتعتبر جهود ابن حزم ريادية في حقل الجدل الديني لأهل الكتاب، وقد أثار نقد ابن حزم لليهودية، والنصرانية الحقد والغيظ في نفوس بعض مؤرخي العصور الوسطى، فنبذوه، وتجاهلوه حتى عندما عرض مونك Munk لفلاسفة العرب في الأندلس مر على اسمه دون أن يعطه حقه، أو يوفه حظه بوصفه عالم من أعلام المسلمين، ومفكر من أعظم مفكريهم، كان من أوائل من أسسوا علم الأديان المقارن.
   وقد تضمن كتابه ” الفصل في الملل والأهواء والنحل” الكثير من المناظرات الشفهية التي كان يمارسها ابن حزم مع اليهود والنصارى، وبصفة خاصة مع إسماعيل بن يوسف ابن النغريلة مثال ذلك حين اعترض ابن حزم على ما تنسبه التوراة من كذب لإبراهيم عليه السلام، حين قال عن سارة زوجته إنها أخته، وبذلك يكون اليهود قد نسبوا إلى إبراهيم أنه تزوج أخته.
   أراد ابن النغريلة أن يتهرب من نقد ابن حزم مدعياً أن لفظة “أخت” تقع في العبرية على الأخت والقريبة ولكن ابن حزم أفحمه حين ذكر النص الذي يفيد ان إبراهيم عليه السلام كما تزعم التوراة كان يقصد أن سارة أخته وليست قريبته حيث قال عنها: ” لكن ليست من أمي ولكن بنت أبي”.
ويصف ابن حزم موقف ابن النغريلة اليهودي أمام هذا النص التوراتي وتلك المناظرة بأنه خلط ولم يأت بشيء.
   ومثال آخر أتى بين يدي كتابه ” الرد على ابن النغريلة اليهودي ورسائل أخرى” والذي تمثل في عدد الأيام التي خلق الله عز وجل فيها السموات والأرض، فقد ذكر القرآن الكريم صراحة أن خلق السموات والأرض قد تـم في ستة أيــام: ﴿وَلَقَـدْ خَلَقْنَـا السَّمَـاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُـمَا فِي سِتَّـةِ أَيّـــَامٍ وَمَـا مَسَّـنَا مِـن لُّغُوبٍ﴾، وعند تفصيل قصة الخلق فهم ابن النغريلة أن خلق السموات والأرض استغرق ثمانية أيام، وليس ستة أيام واحتج ابن النغريلة أن خلق السموات والأرض استغرق ثمانية أيام، وليس ستة أيام واحتج ابن النغريلة بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ثم ذكر تعالى في الآية: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ﴾ واعتبر ابن النغريلة أن خلق الأرض وما تبعها من الجبال وتقدير الأقوات قد تم في ستة أيام ولكنه اعتبر أن خلق السماء تم بعد ذلك في يومين لقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾.
   وجاء رد ابن حزم سهلا وواضحاً وهو أن الله تعالى خلق الأرض في يومين، وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، واليومان اللذان خلق الله فيهما السموات تمت في يومين من الأيام الأربعة التي قدر فيها تعالى أقوات الأرض، وليس هذا معضلا لله تعالى، وبذلك يكون مجموع خلق السموات والأرض ستة أيام، ومن المعروف أن اليوم المقصود في هذه الآيات ليس يوما مساويا لليوم المعروف على الأرض، الذي يقدر بأربعة وعشرين ساعة، وإنما هو حقبة زمنية لا يعلمها إلا الله خاصة وأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾، وفي آية أخرى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، وهذا يدل على أن المقصود من اليوم معنى مجازي، فالزمن نسبي يختلف باختلاف الأماكن في الكون الفسيح.
   وهكذا نجد أن الجدل الإسلامي لأهل الكتاب بالأندلس يمثل حلقة مهمة من تاريخ الجدل الدين بين الأديان الثلاثة (اليهودية والنصرانية والإسلام) وقد تعددت مظاهر هذا الجدل بين مناظرات ومراسلات، ومؤلفات جدلية تعرضت لشتى الاختلافات العقدية بين الاسلام وكل من اليهودية والنصرانية، وكان القرآن الكريم والتوراة والإنجيل محل بحث ودراسة من عالم كبير يمثل قمة النضج الفكري لدى الأندلسيين، وهو ابن حزم الاندلسي الذي أثرى التراث الإسلامي بالعديد من المؤلفات التي عكست تنوع ثقافته، وجاءت كتاباته انعكاسا لحياته، وترك هذا العالم أثراً فيمن عاصره ومن جاء بعده.
   خاتمــــة
   تعتبر دراسة الجدل المذهبي والديني في الأندلس من الدراسات المهمة في تاريخ الحوار الفقهي بين المذاهب والحوار العقائدي بين الأديان، ذلك أنها تكشف لنا عن جانب حيوي من تراثنا الإسلامي القديم، أيام كانت الأندلس في أوج حضارتها ومجدها، ولقد استطعنا من خلال هذه الدراسة المتواضعة أن نخلص إلى أن: ابن حزم لم يكن يخشى في خصومه مذهبيا وعقديا أية لائمة، فقد وصفه ابن القيم بعدما تتبع كتبه وآثاره بمنجنيق العرب، وضُرب المثل في لسانه، فقيل عنه ” سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقان”، فقد كان ابن حزم يبسط لسانه خلال مناظراته على المالكية في الأندلس مما زاد عدد أعدائه فيها، وأدى بخصومه الأمر إلى إحراق كتبه، وإجباره على مغادرة بلده.
   وأنه ناقش اليهود في كثير من الشبهات التي يلصقونها بالقرآن، ولعل خير نموذج على ذلك مناظراته لابن النغريلة اليهودي التي تضمنتها كتبه ككتاب “الرد على ابن النغريلة اليهودي ورسائل أخرى”.
المراجع:
 
1 سير أعلام النبلاء، للذهبي، ج 2، ص 2725، دار بيت الأفكار الدولية.
2 العواصم من القواصم، لأبي بكر بن العربي، ج 2، ص 67.
3 الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، لابن بسام الشنتريني، ق 2، ج 1، ص 96، دار العربية للكتاب.
4 الذخيرة لابن بسام، ج 1، ق 1، ص 144، طبع كلية الآداب بالقاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى