المنهج التفكیكي وخاصية النقد عند محمد عابد الجابري

thumbnail
المنهج التفكیكي وخاصية النقد عند محمد عابد الجابري1
 
 
    إن محاولة الوقوف عند مفهوم النقد لدى الجابري، یتطلب منا العودة لمسألة التراث وتحدید مفهومه وكیفیة التعاطي معه في الفكر العربي المعاصر، یعرف الجابري الت ارث قائلا إن لفظ التراث قد اكتسى في الخطاب العربي الحدیث والمعاصر معنى مختلفا ومباینّا إن لم یكن مناقضا، لمعنى مرادفة (المیراث) في الاصطلاح القدیم…فإن التراث قد أصبح بالنسبة للوعي العربي المعاصر، عنوانا على حضور الأب في الابن، حضور السلف في الخلف، حضور الماضي في الحاضر، ذلك هو مضمون التراث الحي في النفوس الحاضر في الوعي”2، إن مفهوم التراث في الفكر العربي المعاصر، یبدو واحدا من أكثر المفاهیم تجریدا وإثارة المبحث اللبس والإبهام، فنحن لا نستخدم التراث استخداما واحدا والمعنى نفسه دوما، وإنما نستخدمه على أنحاء متعددة متفاوتة في الدقة والوضوح فهو تارة (الماضي) بكل بساطة ، وتارة العقیدة الدینیة نفسها، وتارة الإسلام برمته وعقیدته وحضارته، وتارة التاریخ بكل أبعاده ووجوهه”2، ومنه إلى إثارة إشكالیة العلاقة بین الماضي والحاضر، التي تتجلى في مسألة الأصالة والمعاصرة.
   غیر أنه لا توجد نصوصا خاصة في فكر الجابري تتعلق بهذه المسألة أي مفهوم النقد والمنهج النقدي، لذلك نجد الجابري یفضل ممارسة عملیة النقد بدل التفكیر فیه، وتحدید الشروط التي یتم فیها مع ذكر الأهداف، التي تحقق أهمیته بحكم أن النقد وإبداعاته خاصیة فلسفیة، یمارسها الفیلسوف عبر مشروعه الفكري. إن النقد عند الجابري مرتبط أشد الارتباط بموقفه من التراث، وذلك من خلال تجدید فهمه الخاص أو قراءته له، ” والحق أن ثقافتنا الراهنة محكومة بهذا الآخر وتابعة له بقدر ما هي محكومة وتابعة لثقافتنا القدیمة أعني تراثنا العربي الإسلامي، ونحن نعتقد أن التبعیة للآخر لا یمكن أن تتم إلا من خلال العمل من أجل التحرر من التبعیة للماضي، ماضینا نحن ومع التحرر من هیمنة التراث”.
     إن ما یجمع بین أركون والجابري هو اتفاقهما وانشغالهما حول مسألة التراث، وفي كیفیة اختیار المنهج المناسب من أجل فهمه، لكن ما یفرق بینهما هو تحدید التراث، بین ما هو كتابي وشفاهي، وكذا رسم الحدود والأهداف المنتظرة، ومنه النتائج المتوصل إلیها.
1/المفهوم النقدي في قراءة وتحلیل التراث في البدایة یجب علینا كباحثین أن نوضح فكرة أساسیة تتعلق بالجابري وهو اهتمامه بالتراث الذي لم یكن من أجل التراث، وإنما في سبیل الحداثة التي یطمح إلیها، التي تنبع من عمق حیاة الإنسان العربي وتعبر عن مقومات شخصیته، فتجمیع الت ارث في الحقیقة له هدف تحدیثي معاصر، فنقد العقل الأوروبي من قبل الفكر العربي والثقافة العربیة یعد خطوة نحو الولوج في الحداثة في تاریخها، “لذلك اعتبر الجابري أن نقد العقل العربي، هو مرحلة مهمة من عملیة التحضیر لولوج الحداثة”4.
     فالتعریف العام والشامل الذي اقترحه الجابري للتراث، یشمل في الحقیقة التراث المعنوي كفكر وسلوك، والتراث المادي الذي یشمل الآثار والتراث القومي، أي یحضر في الإنسان من ماضیه. یقول الجابري في هذا التعریف:” التراث هو كل ما هو حاضر فینا أو معنا من الماضي، سواء ماضینا أم في غیرنا، سواء منه القریب أم البعید”5.
    نجد الجابري یلفت انتباهنا إلى كیفیة حضور الماضي في الحاضر، وإلى الكم الهائل من مقومات الثقافة الإسلامیة، المرتبط بالماضي على نحو وثیق، إن التراث حي في النفوس، وحاضر في الوعي والذاكرة، قد یمتد تأثیره بقوة إلى الحاضر، ونسترجعه بكل تفاصیله مع إعادة بنائه وفق ما یتلائم ومعطیات الحاضر، حیث لا نكتفي بتكرار ما كان سائدا، لأن عملیة استرجاع الماضي لا تكون آلیة ٕوانما بكیفیة واعیة وواضحة، لذا یرى الجابري: “فمجموع الفكر العربي الحدیث والمعاصر یتمیز بغیاب المرجعیة التاریخیة والموضوعیة”، فقد أشاد الجابري بالخطاب النهضوي الذي یتأسس على ضرورة التخلص من سجن ما هو قدیم “أي وثنیة المجتر والبالي”، لأن النهضة الأوروبیة لم تتحقق بطریقة آلیة بل اصطدمت بعوائق كثیرة على المستوى الإیدیولوجي أو الدیني وحتى الثقافي المنغلق تجاه الكنیسة، حینها كان الجابري یبحث في الأسالیب والطرائق الممنهجة المبنیة على منطق وفهم علمي واقعي، لعقلنة هذا الخطاب العربي الحدیث والمعاصر والأخذ بمعركة التجدید.
     یتبین لنا أن دراسة الجابري للتراث وتحلیل الخطاب العربي، جعلته یوجه سهامه وینتقد الوضعیة التي یتعاطى معها القارئ العربي المعاصر تجاه تراثه وكیفیة استیعابه في ظل غیاب لكل تعقل وفهم، فهو مطالب بالعودة إلى التراث من أجل طلب السند، بهدف من آمال ورغبات في التقدم والازدهار العلمي والعقلاني، لذلك یقول الجابري:” إنه یقرأ كل مشاغله في النصوص قبل أن یقرأ النصوص”6.
     لأنه أصبح عاجزا أمام احتواء التراث وتفكیكه عبر بنیته الأصیلة، انغمس داخله وأصبح یكتفي بتقلید ما هو كائن لا أن یتطلع تجاه ما یجب أن یكون، أصیب بالضعف والعجز وفقد شخصیته واستقلاله وحریته التي یتطلع إلیها، أي لم یتمكن من نیل استقلالیته وحریته الفكریة في التعامل مع ماضیه الذي یحمل في طیاته مضامین كثیرة تتعلق بهویته وأصالته. لأن القارئ العربي حسب الجابري وجد نفسه محاصرا تجاه ماضي موروث عن السلف یمثل الذاكرة الجماعیة الصلبة التي ترفض النقد والحفر، تلقاه منذ میلاده كمعارف وحقائق، وأنماط تفكیر خاصة، دون التجرؤ على استخدام النقد أي أخذه بمنطق التسلیم والتصدیق وبعیدا عن الروح النقدیة، وفي هذا یقول العلامة ابن خلدون (1332م/1406م): “لأن الأخبار إذا أعتمد فیها على مجرد ولم تحكم أصول العادة وقواعد السیاسة وطبیعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قیس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب”7.
       یشدد الجابري على إبراز الهوة التي تفصل الماضي عن الحاضر، لأن مسألة الأصالة والمعاصرة أصبحت تمثل إشكالیة فلسفیة في ثقافتنا العربیة الإسلامیة، تلك النظرة التي تحتكر الماضي والحاضر في مفاهیم سطحیة لا ترمز للعمل والنمو والإبداع، بل إلى واقع ظل یعاني الضعف والعجز في مختلف المجالات منها الفكریة والعلمیة، “إنه یرى أن الحاضر العربي یشّكل مزیجا أو مجمعا غریبا تتلاطم فیه بقایا أمواج ماضینا وامتدادات أمواج حاضر غیر حاضرنا، حاضر الحضارة الأوروبیة ذات الطابع العالمي”8.
    إن الإنسان العربي الیوم قد وقع حسب الجابري تحت وطأة التقلید ، فهو مجبر ما ٕوا على التقید بالتراث الموروث ، التوجه إلى تقلید الغرب الذي أنتج الثورة العلمیة والصناعیة والمعرفیة، إنه یفتقد إلى العقلانیة النقدیة، وتبني الأفكار التي لم یساهم في صیاغتها وبلورتها، فیجب التعامل مع الموضوعات بمنهج نقدي، والوقوف على مضامینها والعمل على تحقیقها باعتبارها تمثل رصیدا معرفیا متنوعا ، فالموقف النقدي یقتضي منا الأخذ بتاریخیة و بنسبیة المعرفة، لأن الروح الفلسفیة والعلمیة تقتضي الدقة والاعتقاد بالنسبیة، فالعقلانیة النقدیة التي یدعو الجابري إلى تطبیقها تعني في مفهومها بالتحدید: “ممارسة عقلیة تقوم على عدم التسلیم بأي شيء إلا بعد فحصه، إنها موقف ضد التقلید”9.
    لأن التقلید یعني التسلیم بالحقائق وتقبلها دون نظر وتحقیق وهذا ما یخالف في تصورنا الموقف النقدي الذي یتخذه الباحث في استقراء التراث واستنطاقه. هنا یلتقي الجابري مع أركون في مسألة إخضاع الحقائق الموروثة للنقد الذي یظهر تاریخیتها ونسبیتها، إذ أن كل ما أنتجه البشر قد دخل التاریخ وخضع لشروطه ومتغیراته، “إن من مزایا هذا العصر الذي نعیشه فیه هو أن الحقیقة المطلقة فقدت قیمتها، وأخذ یحل محلها سلطان النسبیة”10، ومنه فالقراءة النقدیة یجب أن تطبق بقوة من أجل الكشف عن الحقائق الخفیة التي تم إلغاؤها أو طمسها، والكشف عن التصورات والمعارف التي أنتجها الإنسان في الماضي فمنها ما بقي شاهدا على وجود الإنسان.
    لكن عملیة النقد عند أركون لا تشمل الفكر العربي الإسلامي، الفكر الأوروبي الغربي، وهذا ما یدعو إلیه الجابري عندما یتحدث عن إعادة ترتیب العلاقة مع التراث والفكر الغربي. یمكن أن نستنتج ما لمسناه لدى الجابري، خلال قراءتنا لنصوصه على تنوعها، هو تحقیق استقلال الذات العربیة استقلالا تاریخیا یحفظ لها هویتها، ویفسح لها المجال للإبداع والدخول في ركب الحضارة والازدهار، فهذا الاستقلال لا یمكنه أن یتحقق دون الالتزام بالمشروع النقدي والانخراط فیه، أي القیام بنقد العقل العربي في تكوینه وبنیته، وفي مجاله السیاسي والأخلاقي، وذلك بعد مراجعة الخطاب العربي المعاصر مراجعة نقدیة، تبرز الثغرات التي یتضمنها والأخطاء المنهجیة التي وقع فیها. لقد أراد الجابري بعث الروح النقدیة في محاضراته وكتبه لأنها كانت الأقرب للحداثة، “وهو یدرك أن غیاب هذه الروح یجعل الكذب ممكنا على التاریخ مثلما أن التحذیر الإیدیولوجي، هو الذي یجعل الكذب على الأحیاء ممكنا”10.
    ومنه فقد اكتسب الجابري من خلال اعتماده على النقد ممارسة فلسفیة فعالة، فكّرس جهده للحداثة المنشودة، وبذلك یكون الجابري قد مهد الطریق للتعاطي مع التراث، ونقده في إطار ما یحقق الأهداف التي تجسد الروح النقدیة، وعدم التسلیم بما هو معطى،” والنتیجة التي یخلص إلیها الدكتور الجابري في تتبعه للحقل الدلالي لكلمة التراث، أن التراث بمعنى الموروث الثقافي والفكري والدیني والأدبي كما تشكل مضمونه في الخطاب العربي لم یكن حاضرا لا في خطاب أسلافنا، ولا في حقل تفكیرهم، كما أنه غیر حاضر في خطاب أیة لغة من اللغات الحیة المعاصرة التي نستورد منها المصطلحات والمفاهیم الجدیدة علینا. وهذا یعني أن مفهوم التراث كما نتداوله الیوم. إنما یجد إطاره المرجعي داخل الفكر العربي المعاصر ومفاهیمه الخاصة، ولیس خارجها”11، لأنه أراد أن یجعل من التراث مادة معرفیة، تعمل على دمج التراث في ركب الحضارة العالمیة، وإخراجه من الدائرة الضیقة المتعصبة الذاتیة التي تجعله محنطا غیر قابل للتحدیث والمساءلة.
 
     المراجع:
 
1-البنية المنطقية لنقد العقل العربي والإسلامي عند كل من محمد عابد الجابري ومحمد أركون، أطروحة الدكتوراه لحمادي النوي، 2015-2015، الصفحة:245-251.
2-محمد عابد الجابري، إشكالیات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربیة، بیروت، ط2،1990، ص 43.
3-أبي نادر نایله، التراث والمنهج بین أركون والجابري، مرجع سابق، ص: 55.
4-محمد عابد الجابري، التراث والحداثة: دراسات ومناقشات، مصدر سابق، ص:45.
5-محمد عابد الجابري، نحن والتراث، مصدر سابق، ص 23.
6-عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ضبط المتن خلیل شحادة، ومراجعة سهیل زكار، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزیع، بیروت، 1431 هـ2001 م، ص 13
7-محمد عابد الجابري، نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، مصدر سابق، ص 33.
8-محمد عابد الجابري، المسألة الثقافیة، سلسلة الثقافة القومیة، 25، قضایا الفكر العربي، مركز دراسات الوحدة العربیة، بیروت، 1994، ص 285.
9-علي الوردي، مهزلة العقل البشري، مرجع سابق، ص134.
10-محمد عابد الجابري، المسألة الثقافیة، سلسلة الثقافة القومیة، مصدر سابق، ص 297.
11-زكي المیلاد، الفكر الإسلامي المعاصر وإشكالیة التراث، الكلمة، مجلة فكریة ثقافیة إسلامیة، تصدر عن منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث، بیروت، العدد25، السنة السادسة، خریف 1999 م/ 1430 هـ، ص 13.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى