النقد، المفهوم والمصطلح

thumbnail
النقد، المفهوم والمصطلح
 
 
    أ-لغة: إذا أردنا أن نلتمس مفهوما للنقد فأكيد أننا سنواجه صعوبات نظرا لمفهومه المعقد وماهيته الجمالية المتناهية اللطف، إلا أنه حظي في جميع عصوره بعناية فائقة من قبل الدارسين فحددوا اتجاهاته وقاربوا المؤلفات النقدية بمناهج مختلفة وأيديولوجيات متباينة، ونظرا لصعوبة التحديد الدقيق لماهية النقد، فسنعود إلى ذلك بعد التطرق للدلالة المعجمية. نتوقف هنا عند الدلالة اللغوية لكلمة “نقد” من خلال استعراض اللفظة في ثلاث معاجم في محاولة لإيجاد المشترك في الدلالة العربية. ترد مادة نقد في “لسان العرب” لابن منظور بعدة معاني منها: “تمييز الد ارهم واخ ارج الزيف منها…والنقد: تمييز الدراهم واعطائها إنسانا…ونقدته الد ارهم ونقدت له الدراهم أي اعطيته، فانتقدها أي قبضها.”1 ويشاركه في ذلك الإمام الزمخشري، قائلا: “نقده الثمن ونقده له فانتقده، ونقد النقاد الدراهم، ميز جيدها من رديئها …”2 بمعنى أعطاه الثمن فقبضه والشيء نفسه نجده في البستان عند عبد الله البستاني، يقول: “نقد الدراهم وغيرها ينقدها نقدا وتنقادا ميزها واخراج الزيف منها.”3 ومن خلال استع ارضنا للمعنى اللغوي لكلمة النقد من خلال المعاجم الثلاثة نجدها اتفقت على ثلاثية التمييز والإعطاء والقبض، كذلك نجد أن المعاجم العربية الثلاثة تلتقي في ربطها دلالة لفظ “نقد” بتمييز الدراهم.
     ب-اصطلاحا: ولو نقلنا كلمة “نقد” من حقلها المادي إلى الحقل المعنوي، لوجدنا أنها تحافظ على أهم معانيها التي كانت عليها في الأصل اللغوي، لكن من ناحية المصطلح وتحديده بدقة فكثير من النقاد يؤكدون صعوبة ذلك نظرا لازدحام محاولات تحديد تعريف لمصطلح النقد، إذ لا تتفق على تعريف محدد، وبالتالي فنقطة الانطلاق هي العودة للدلالة المعجمية السابقة، وهي ارتباط النقد بتمييز الدراهم. أما الشيء المتفق عليه هو أن النقد نقد الإبداع-وان كان هو حد ذاته ابداع-وسنورد هنا بعض التعريفات الاصطلاحية للنقد فلم تكتسب الكلمة معناها الاصطلاحي إلا في أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع خصوصا عند “قدامة بن جعفر” الذي يعتبر كتابه “نقد الشعر” أول كتاب يحمل كلمة نقد، بالمفهوم الذي أصبح شائعا في النقد القديم وهو تمييز الحسن والرديء من الأدب وفي ذلك يقول قدامة:”…ولم أجد أحدا وضع في نقد الشعر وتلخيص جيده من رديئه كتابا…”4 و لعل قدامة يقصد بالسبق عنوان الكتاب ومضمونه ذي التوجه اليوناني حيث أعاد ترتيب أجناس الشعر العربي وفق نظرية أرسطو وقد تختلف النظرة إلى النقد حسب الرؤية الفكرية للناقد، ولهذا نجد الدكتور إحسان عباس يعرف النقد بقوله: “النقد في حقيقته تعبير عن موقف كلي متكامل في النظرة إلى الفن أو إلى الشعر خاصة يبدأ بالتذوق أي القدرة على التميز، ويعبر منها إلى التفسير والتحليل والتعليل والتقييم خطوات لا تغني احداها عن الأخرى وهي متدرجة على هذا النسق كي يتخذ الموقف نهجا واضحا، مؤصلا على قواعد جزئية أو عامة مؤيدا بقوة الملكة بعد قوة التمييز…”5 كذلك الدكتور محمد مندور الذي يعرفه بأنه:” فن تمييز الأساليب”6 من خلال تقديرها تقديرا صحيحا وبيان قيمتها ودرجتها وتقدير أثرها، فهنا النقد يعتبر نوع توضيحي يعين على الفهم والذوق.
     ويقول أيضا أحمد الشايب: “أن النقد ليس أحكاما فارغة طائشة، بل قائمة على الفهم والتفسير والتعليل ثم الاحتياط في النتائج الأخيرة أو الأحكام.”7 هذا يعني أن هذا النقد إنما هو قائم على الفحص والموازنة ثم التمييز وإطلاق الأحكام لبيان قيمة الأعمال ودرجتها سواء كانت هذه الأعمال حسية أم معنوية، في كل شيء متصل بالحياة. وكل ما يحققه النقد ليس قائم على جانب معين، بل هو مرتبط بكل العلوم والفنون نظرا لأنه علم من العلوم الإنسانية، فأي جمود في النقد يتبعه جمود في الميدان الذي يشتغل عليه، فهو لا يسلم حتى من نفسه، فهو يراجع نفسه رغم اشتغاله بمراجعة ما يحيط به من أفكار ومعارف، لذلك ظهر مصطلح “نقد النقد” وإذا أردنا إيضاح الضرورة أكثر فما علينا إلا الحديث عن مصطلحين أساسيين لهما علاقة مباشرة بالموضوع هما: النظرية والتطبيق، وإذا طبقت هذه النظرية على النقد أصبح لدينا جانبين: نقد نظري ونقد تطبيقي.
    النقد النظري: كما ورد أنه “يبحث في أصول النظريات، وفي جذور المعرفيات، وفي الخلفيات الفلسفية لكل نظرية وكيف نشأت وتطورت حتى خبت جذوتها، ثم كيف ازدهرت وأفلت حتى هان شأنها، ويقارن فيما بينها، ويناقش تياراتها المختلفة، عبر العصور المتباعدة المتلاحقة معا أو عبر عصر واحد من العصور”8. وبالتالي هو ضروري لازدهار المعارف وله أهمية قصوى إذ يصف الآليات الضرورية للممارسة النقدية الصحيحة.
 
   النقد التطبيقي: فهو ينطلق من المعطى النظري ليتقابل مع النص مباشرة بإسقاط المستوى النظري إذ هو:” ثمرة من ثمرات النقد النظري الذي يزوده بالأصول والمعايير والإجراءات والأدوات ويؤسس له الأسس المنهجية التي يمكن أن يتخذ منها سبيلا يسلكها لدى التأسيس لقضية نقدية، أو لدى دراسة نص أدبي أو تشريحه أو التعليق عليه أو تأويله”.9 وبالتالي فهو يطلق على كل عملية تداهم الأعمال الإبداعية بالشرح والتحليل والتقويم وبالتالي إدراك التصورات المحيطة بالموضوع. فالفرق بين النقدين النظري والتطبيقي ضئيل جدا، في مقابل تداخل كبير جدا إذ العلاقة بينهما هي علاقة تبادل وأخذ وعطاء، يثري أحدهما الآخر. من هنا يتضح بأن الاستعمال الاصطلاحي لمصطلح النقد لا يبتعد بالكلمة عن معناها اللغوي الذي يبين وظيفة النقد وهي تمييز الدراهم هذه الوظيفة التي تحدد ماهيته هي نقطة الانطلاق، وبالتالي فالنقد هو دراسة الأعمال الأدبية وتفسيرها وتحليلها وموازنتها بغيرها لبيان قيمتها10.
 
المراجع:
1-ابن منظور، لسان العرب، مادة “ن،ق،د”، المجلد الرابع عشر، دار صادر، بيروت، لبنان، طبعة جديدة 4002، الصفحة:332.
2-الزمخشري، أساس البلاغة، معجم في اللغة والبلاغة، مكتبة لبنان ناشرون، ط1، 1991 الصفحة: 214.
3-عبد الله البستاني، البستان، معجم لغوي مطول جزآن في مجلد واحد، مكتبة لبنان، ط1 1994، الصفحة: 1141.
4-قدامة بن جعفر، نقد الشعر، مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، ط3، الصفحة: 14.
5-احسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الشروق للنشر والتوزيع، الطبعة العربية الأولى، الإصدار الثالث،4001، الصفحة:121.
6-محمد مندور، النقد والنقاد المعاصرون، نهضة مصر للطباعة والنشر، دط، 4003. الصفحة: .183
7-أحمد الشايب، أصول النقد الأدبي، مكتبة النهضة المصرية، ط10، 4004، الصفحة: 113.
8-عبد الملك مرتاض، في نظرية النقد، دار هومه، دط، الصفحة: 40.
9-المرجع نفسه، الصفحة: 40.
10-النقد الماركسي في الكتابات العربية عبد الله العروي –أنموذجا-، مذكرة لنيل الماستر في اللغة والأدب العربي، لمسعودة غنام، 2015/2016، الصفحة: 6-10.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى