بدايات ظهور مصطلح الاستشراق

thumbnail

    لا يمكن الاطلاع بدقة على البداية الحقيقية، والمنظمة للاستشراق، ذلك أنه حركة نشأت بجهود عفوية أولا، ثم ما لبثت أن تطورت لتغدو حركة منظمة، لها كوادرها، ومؤسساتها المختلفة.(1)

    وللباحثين في هذا المجال آراء مختلفة، نذكر منها:

    إن بعض الباحثين يرجعون نشأته إلى بداية الغزوات والفتوح الإسلامية وبخاصة مع احتكاك المسلمين بالرومان في غزوة مؤتة في السنة الثامنة للهجرة ومن ثم غزوة تبوك.(2)

   وبعض الباحثين يرجعون بدايته إلى أواخر القرن السابع الميلادي ويستندون في ذلك إلى كتابات بعض المسيحيين عن الإسلام أمثال يوحنا الدمشقي.(3)

    ويرى الدكتور أحمد سمايلوفيتش أن حركة الاستشراق قد بدأت في الأندلس في منتصف القرن الثامن الميلادي(4).

    أما أحمد الاسكندر فيرى بأن بداية الاستشراق ترجع إلى القرن العاشر الميلادي، حينما أدرك الغرب تلك المعجزة الحضارية التي شادها العرب فاندفعوا إليها ليتعلموها ويتسلحوا بها، ويستفيدوا منها، فأخذوا يدرسون لغتها وآدابها ويترجمون كتبها وينقلون علومها إلى بلادهم، وكان أول من بدا بذلك رجال الدين ثم تلاهم غيرهم من أبناء جلدتهم(5).

    هذا وقد جعل نجيب العقيقي مؤلفه عن الاستشراق والمستشرقين، والذي يقع ثلاثة أجزاء، سجلا لحركة الاسشتراق على مدى ألف عام بدءاً من القرن العاشر، حيث أخذ يرصد طلائع المستشرقين منذ ذلك التاريخ، فذكر في مقدمتهم جرير دى أوراليك، الذي انتخب حبراً أعظم باسم “سلفستر الثاني” (999م – 1003م) فكان أو بابا فرنسي، ثم ثنى العقيقي بقسطنطين الإفريقي المتوفى عام 1087م، ويعد أوجودى سانتالا، وغيرهم حتى الأسقف جويستنياني المولود عام 1470م وليون الأفريقي (1494م- 1552م)(6).

    أما الأستاذ محمد البهي فيرجع تاريخ الاستشراق في بعض البلدان الأوروبية إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وربما كانت هناك محاولات فردية قبل ذلك(7).

    كما عد آخرون حاجة الغرب للرد على الإسلام ولمعرفة أسباب القوة الدافعة لأبنائه خاصة بعد سقوط القسطنطينية عام 1453م، حيث وقف الإسلام سداً مانعاً لانتشار النصرانية بداية للاستشراق(8).

    والبعض الآخر من الباحثين يرجع نشأة الاستشراق إلى القرن الثامن عشر، متخذاً من حملة نابليون على مصر انطلاق الحركة الاستشراقية وعلى الرغم من أن هذه الحملة عسكرية إلا أن اصطحاب نابليون معه مطبعة وعدداً من العلماء الباحثين هو الذي دفع إلى القول بانها بداية الاستشراق(9).

    ويرى إبراهيم مكدور أن الاستشراق بالمعنى العلمي الكامل لم يبدأ إلا في منتصف القرن التاسع عشر إذ إننا (لا نستطيع أن نتحدث عن دراسات إسلامية بالمعنى الكامل سابقة عن النصف الأخير من القرن الماضي إلا في الغرب أو في الشرق، ذلك لأن الغربيين في اتصالهم بالشرق شغلوا أولا بنواحيه السياسية والاقتصادية، ولم يتجهوا إلا أخيراً إلى نواحيه الثقافية، وما نراه لدى بعض مؤرخيهم في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر من تعليق على العرب والثقافة العربية، إنما هو مستمد في الغالب من المصادر اللاتينية، وأما الشرقيون أنفسهم فلم يكن في وسعهم وقد كانوا مغلوبين على أمرهم، أن يحيوا معالمهم ولا أن ينهضوا بتراثهم)(10).

    أما كلمة “الاستشراق” فلم تكن منتشرة ولا متداولة في تلك الفترة، إنما عرفت في اللغة الإنجليزية عام 1811، وفي اللغة الفرنسية عام 1830م، كما أن كلمة “مستشرق” بدأت في الظهور في اللغة الإنجليزية عام 1779م، ثم ظهرت في اللغة الفرنسية بعد ذلك بعشرين عاما”(11)، وأدرج مفهوم “الاستشراق” Orientation في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام 1838م(12).

    ولكن المهم هنا ليس هو متى ظهر مفهوم “مستشرق” أو “استشراق”، وإنما المهم هو متى بدأت الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا، ومتى بدأ الاشتغال بالإسلام سواء بالقبول أو بالرفض. وهذا أمر موغل في القدم – كما رأينا-أما المصطلح ذاته فلا يعني شيئاً أكثر من إقرار أمر واقع، وإطلاق وصف على الدراسات التي كانت قائمة بالفعل قبل ذلك بقرون عديدة، بصرف النظر عن مدى علمية هذه الدراسات أو موضوعيتها(13).

   وأخذ اهتمام الغربيين بالاستشراق بتزايد عاماً بعد عام، فينشئون الكراسي الخاصة به والمعاهد في جامعات أوربا، ويؤسسون المكتبات، ويشجعون الأفراد لولوج ميدانه، ويغدقون عليهم المنح والأموال… إلخ(14).

   وقد عقد أول مؤتمر المستشرقين في باريس عام 1873م، وتتالى عقد المؤتمرات التي تلقي فيها الدراسات عن الشرق وأديانه وحضاراته، وما تزال تعقد حتى هذه الأيام(15).

    وفي نهاية القرن التاسع عشر أصبحت الدراسات الإسلامية تخصصاً قائماً بذاته داخل الحركة الاستشراقية العامة، وكان كثير من علماء الإسلاميات والعربية في ذلك الوقت- مثل: نولد كه، وجولدتسهير، وفلهاوزن- مشهورين في الوقت نفسه بوصفهم علماء في الساميات على وجه العموم أو متخصصين في الدراسات العبرية أو في الدراسات العبرية أو دراسة الكتاب المقدس(16).

   ومع اختلاف الكتاب من المسلمين والمستشرقين في تحديد البدايات الأولى لحركة الاستشراق، إلا أن الرأي الذي نذهب إليه أن الاستشراق بدأ مع ظهور الإسلام، وإن لم يحمل هذا المسمى في ذلك الوقت، وازداد في الظهور والانتشار عبر العصور حتى يومنا هذا، مع تنامي الهجمات الغربية الاستشراقية والتشويه المتعمد للدين الإسلامي عبر وسائل الإعلام المختلفة في هذا العصر(17).

المراجع:

1– قراءة نقدية في “تاريخ القرآن” للمستشرق ثيودورنولد كه لحسن علي حسن مطر الهاشمي، ص: 18، الطبعة الأولى 1435هـ/ 2014م، دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع.

2– الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية للدكتور قاسم السمراني، ص: 19، الطبعة الأولى 1403هـ، منشورات دار الرفاعي للنشر والطباعة والتوزيع- الرياض.

3– الاستشراق أهدافه ووسائله للدكتور محمد فتح الله الزيادي، ص: 24، الطبعة الأولى 1426هـ/ 1998م، توزيع دار قتيبة.

4– فلسفة الاستشراق، ص: 69، الطبعة 1418هـ / 1998م، دار الفكر العربي، القاهرة.

5– نفسه، ص: 55، نقلا عن كتاب المنفصل في الأدب العربي لأحمد الإسكندراني وآخرون، 2/ 408.

6– الاستشراق بين الحقيقة والتضليل للدكتور إسماعيل علي محمد، ص: 15، الطبعة الثالثة، الكلمة للنشر والتوزيع.

7 – الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، ص: 429، الطبعة العاشرة، مكتبة وهبة.

8– الاستشراق والتاريخ الإسلامي للدكتور فاروق عمر فوزي، ص: 30، الطبعة الأولى، منشورات الأهلية للنشر والتوزيع لعام 1998م، نقلا عن الاستشراق نشأته وأهدافه للدكتور حسن ضياء الدين.

9– الاستشراق أهدافه ووسائله للدكتور محمد فتح الله الزيادي، ص: 25.

10 – فلسفة الاستشراق للدكتور أحمد سمايلوفتش، ص: 56. نقلا عن “في الفلسفة الإسلامية” لإبراهيم مكدور، ص:25.

11– أهداف الترجمة الاستشراقية لمعاني القرآن الكريم ودوافعها للدكتور محمد أشرف علي المليباري، ص: 12، بدون تاريخ.

12– الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري للدكتور محمود حمدي زقزوق، ص: 20، الناشر دار المعارف- القاهرة.

13– المرجع السابق، ص: 20.

14– الاستشراق بين الحقيقة والتضليل للدكتور إسماعيل علي محمد، ص: 24، 1421هـ / 2000م.

15– الاستشراق والمستشرقون مالهم وما عليهم للدكتور مصطفى السباعي، ص: 19، دار الوراق للنشر والتوزيع.

16– الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري للدكتور محمود حمدي زقزوق، ص: 42.

17– الأثر الاستشراقي في موقف محمد أركون من القرآن الكريم، من إعداد الدكتور محمد بن سعيد السرحاني، ص:7.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى