ترجمة محمد عزيز الحبابي

thumbnail

ترجمة محمد عزيز الحبابي1

في هذا الجزء الثالث والأخير من ترجمة محمد عزيز الحبابي سنشير إشارة عابرة إلى أهم العوامل التي ساهمت في بناء شخصيته الفكرية.

ثالثاً: العوامل المساهمة في بناء شخصية الحبابي الفكرية

يقول محمد عزیز الحبابي: “تأثّرت بالفكر العربي في أغلب أطواره، كما تأثّرت بالاتجاهات الغربية المعاصرة، فالذي لا يأخذ لا يمكنه أن يُعطي، ولا يستطيع المرء أن يُعلّم إذا لم يتعلّم”2. من خلال هذا القول يمكننا اعتبار العامل الفكري عاملاً مهمّاً ساهم في بناء شخصية الحبابي، إلى جانب العوامل الأخرى السياسيّة منها والاجتماعيّة.

أ: العوامل السياسيّة والاجتماعيّة

تتمثّل هذه العوامل على وجه التحديد، في الظروف السياسيّة والاجتماعية التي كان يعانيها المغرب إبان الهيمنة الاستعمارية الفرنسية، وانعكاسات هذه الهيمنة السلبيّة على أفراد المجتمع، ثقافيّاً، وتاريخيّاً، وعقائديّاً، وحتى اقتصاديّاً. ولم يكن محمد عزيز الحبابي في منأى عن هذا كلّه، الأمر الذي جعله يعيش حالة من القلق، والشعور بالإهانة، والاستلاب، وفقدان الهوية، إذ يقول: “ولَكَم كان يشقّ على نفسي وضميري “دونية” المعاملة التي كانوا يعاملونني بها، إذ كانوا يعتبرونني إنساناً غير مكتمل الإنسانية، لأنّني لست مواطناً كبقية الفرنسيّين، ومتى يكون ابن البلد المحمي، مساويّاً في حقوقه لابن البلد الحامي”3.

فالمستعمِر عمِل جاهداً على ترسيخ مفهوم الدونية والبدائية في نفسية محمد عزيز الحبابي، الذي تأثّر كثيراً من قساوة ما كان يشهده من معاملات المستعمِر الفرنسي ضد أفراد شعبه، غير أنه رغم كلّ تلك المعاملات اللاّإنسانية، لم يقف الحبابي مستسلماً ولا محبط العزيمة، بل عمل على مواجهة ذلك، بغية رد الاعتبار لكرامته الإنسانية، ودفع شعبه نحو التقدّم إلى الأمام. إذ يقول: “كانت هذه الحالة من الحرمان والقلق والعصاب هي التي وجّهتني لدراسة “الشخصانية” إذ اعتبرتها محاولة للإجابة عن مختلف الأسئلة”4.

ويضيف قائلا: “كان هذا الوضع (بما يعنيه من قلق، وتعرض للإهانات، واستلاب محض للإرادة والتفكير) يدفعني لأنطلق من دراسة تبحث عن هويّتي، وتضع أيديها على المواقف المطلوبة مني ومن مواطني للتغلّب على هذا الاضطراب النفسي الذي أعانيه”5. ويقول أيضاً: “إن الموضوعات التي تدفعني نحو الفلسفة، تتمثّل في كيفيّة استعادة شخصيّتي ككائن بشري بصفة كاملة، وكيف أحسّ بانتمائي إلى وطن، إلى شعب متساوٍ مع باقي الشعوب الأخرى”6.

هكذا نجد أنّ الظروف الاجتماعية والسياسية التي عاشها الحبابي، كانت بمثابة الدافع القوي لدراسة الفلسفة الشخصانية، خاصّة وأنه وجد فيها الملاذ الحقيقي، والأداة المثلى لبلوغ إنسانية الإنسان وتحقيق حريته، وإثبات وجوده كذات لها كرامة تستوجب الاحترام والتقدير.

ب: العوامل الفكرية

لقد كان لمخلّفات الحرب العالمية الثانية، الأثر البالغ على مجريات التحوّل الفكري في بعض المجتمعات الغربية، بحيث شهدت فرنسا حينئذٍ تيارات فلسفية عدّة، من ماركسية ووجودية وشخصانية، كان لها دور كبير في بناء شخصية المفكّر الحبابي، سيما الفلسفة الشخصانية. إن مفكّرين كثيرين ساهموا في بناء شخصية الحبابي الفكرية عن طريق تأثّرهم به. تقول زوجته فاطمة الجامعي الحبابي: “من المفكرين الغربيين الذين أثّروا في الحبابي غاستون باشلار، وهنري غوييه، ومارتن هيدجر، و جان بول سارتر، كما يمثّل المعتزلة وديكارت وهيجل في حياة الحبابي، لحظات الدهشة والاكتشاف والغبطة”7.

فعن هيجل Hegel (1770-1831م)8 تأثّر الحبابي كثيراً بفكرة جدليّة العبد والسيد، إذ المستعمِر كان يدّعي أنه حامل حضارة وتمدّن، وبالتالي صاحب السيادة9، أما الشعب المغربي المضطهَد فكان بمثابة العبد. يقول الحبابي: “المستعمِر كان يرمي إلى ترسيخ نوع من الإحساس بالدونية، مما يذكّر بجدليّة السيد والعبد عند هيجل، فالمستعمِر كان يدّعي أنه حامل حضارة وتمدّن، وبالتالي صاحب السيادة”10.

أما عن كارل ماركس Karl Marks (1818-1883م)11 فقد أخذ فكرته القائلة بأن الحرية لا تكون موجودة في مجتمع جائع، إذ يقول: “لا حريات، بل ولا كرامة للإنسان مادام يهدّده الجوع والمرض”12.

ومن جهة أخرى، انتقد فلسفات كثيرة لم يكن يراها واقعيّة، ولا سيما فلسفة برغسونHenri Bergson (1859-1941م)13. قد تعكس القراءة السطحية لمؤلفات الحبابي، حضوراً قويّاً للفكر البرغسوني، ممّا قد يولّد اعتقاداً بأن فلسفة برغسون تُعدّ من أصول الفلسفة الشخصانية الواقعية عند الحبابي، إلاّ أنّ في ذلك خطأ واضحاً؛ لأنّ البرغسونية من أكثر الفلسفات التي وضعها موضع النقد، وبالتالي من البديهي أن نجده يصفها بأنها: “ليست إلاّ میتافيزيقا في عمقها، أما الشخصانيّة التي ينادي بها الحبابي فإنها توصف بالواقعية والتطبيقية”14.

على أن من بين الفلسفات التي كان لها الأثر البالغ في بلورة التفكير الفلسفي عند محمد عزيز الحبابي، نجد الفلسفة الشخصانية. فهو لم ينطلق من هذا المذهب، إلاّ لأنه “وجد فيه مبادئ لا تتناقض مع انتمائه من جهة، وتُمكّنه من محاورة الفكر الأوروبي وطرح بعض القضايا الفلسفية من جهة أخرى. وفضلا‌ً ‌عن‌ ‌ذلك،‌ ‌فإنّ‌ ‌اختيار‌ ‌الشخصانية‌ ‌لدى‌ ‌محمد‌ ‌عزيز‌ ‌الحبابي لم‌ ‌يكن‌ ‌يعني‌ ‌الأخذ‌ ‌بهذا‌ ‌المذهب‌ ‌دون‌ ‌التجديد‌ ‌فيه،‌ ‌بل‌ ‌إن‌ ‌الحبابي‌ ‌انطلاقاً ‌من‌ ‌كونه‌ ‌مفكّراً‌ ‌عربيّاً‌ ‌مسلماً‌ ‌قد‌ ‌حاول‌ ‌التجديد‌ ‌في هذا‌ ‌المذهب‌ ‌بما‌ ‌يتلاءم‌ ‌مع‌ ‌قضايا‌ ‌العالم‌ ‌الذي‌ ‌ينتمي‌ ‌إليه،‌ ‌وفضلاً‌ ‌عن‌ ‌هذا‌ ‌كلّه،‌ ‌فإن‌ ‌قراءة‌ ‌كتاب‌ ‌”من‌ ‌الكائن‌ ‌إلى‌ ‌الشخص” توقفنا‌ ‌على‌ ‌نقطة‌ ‌انطلاق‌ ‌فكر‌ ‌مؤلّفه‌ ‌من‌ ‌خلال‌ ‌الأمثلة‌ ‌الإسلامية‌ ‌من‌ ‌جهة،‌ ‌ومن‌ ‌خلال‌ ‌القيم‌ ‌الإنسانية‌ ‌والأخلاقية‌ ‌التي‌ ‌توجّه‌ تحليلاته”15، وبهذا يمكننا القول بأن محمد عزيز الحبابي، بأصالة فكره، وثبات إيمانه بعقيدته، استطاع أن يتجاوز تناقضات الفكر الغربي، ليؤسّس فلسفة تعكس أوضاع مجتمعه العربي المسلم.

ولهذا وذاك فهو فيلسوف للشرق والغرب في آن واحد، وفيلسوف تفرض دراسةُ آثاره نفسَها على الناس كلّهم، ولا سيما علينا، نحن المنتمين إلى هذا العالم الممزّق شمله، لأنّه ليس لنا الكثير من أمثاله، ولأنّنا نستطيع أن نتعلّم منه الكثير، وأن نتقدّم كثيراً بما نتعلّمه عنه، ومنه.

المراجع:

1-  مأخوذ من رسالة الماستر بعد إذن صاحبها. نوقشت خلال موسم 2019/2020م.

2-  العريس، إبراهيم. “فكر في الساحة”، المرجع السابق، ص 44.

3- دون مؤلف. “صاحب نظريتي “الشخصانية الواقعية” و”الغدية” كيف ينظر إلى واقعنا العربي”، مقال ضمن كتاب: محمد عزيز الحبابي، الإنسان والأعمال: مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1990م، 3/39.

4-  العريس، إبراهيم. “فكر في الساحة”، المرجع السابق، ص 44.

5-  دون مؤلف. “صاحب نظريتي “الشخصانية الواقعية” و”الغدية” كيف ينظر إلى واقعنا العربي”، المرجع السابق، ص 40.

6-  رولان، بيتر. “الأيادي المتشابكة”، مقال ضمن كتاب: محمد عزيز الحبابي، الإنسان والأعمال: ج 3، المرجع السابق، ص 130.

7-  دون مؤلف. “صاحب نظريتي “الشخصانية الواقعية” و”الغدية” كيف ينظر إلى واقعنا العربي”، المرجع السابق، ص. 39.

8- هيغل: فيلسوف ألماني. ولد في شتوتغارت في 27 آب 1770، ومات بالكوليرا في 14 تشرن الثاني1831 في برلين. (طرابيشي، جورج. معجم الفلاسفة: دار الطليعة، بيروت، ط3، 2006، ص 721).

9-  رولان، بيتر. “الأيادي المتشابكة”، المرجع السابق، ص. 130.

10-  المرجع نفسه، والصفحة.

11-  فيلسوف واقتصادي ألماني. ولد في تريير، المدينة الرينانية القديمة، في 5 آيار 1818، ومات في لندن في 14 آذار 1883. (طرابيشي، جورج. معجم الفلاسفة: المرجع السابق، ص 618).

12-  الحبابي، محمد عزيز. من الحريات إلى التحرّر: دار المعارف، مصر، د.ت، ص 19.

13-  ولد في باريس في 18 تشرين الأول 1859، ومات في 4 كانون الثاني 1941. (طرابيشي، جورج. معجم الفلاسفة: المرجع السابق، ص 618).

14-  دون مؤلف. “صاحب نظريتي “الشخصانية الواقعية” و”الغدية” كيف ينظر إلى واقعنا العربي”، المرجع السابق، ص. 40.

15-  وقيدي، محمد. جرأة الموقف الفلسفي: المرجع السابق، ص 146.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى