ترجمة محمد عزيز الحبابي

thumbnail

ترجمة محمد عزيز الحبابي1

سنتناول في ترجمة هذا المفكر المغربي العظيم حياته، وأهم الآثار الفكرية والأدبية التي تركها لنا، إضافة إلى العوامل الفكرية والاجتماعية والسياسية التي ساهمت في بناء شخصيته الفكريّة.

أولاً: حيــــــــــــاته

أ: نشأته

محمد عزيز الحبابي مفكّر مغربي ولد في الخامس والعشرين من ديسمبر سنة 1923م في مدينة فاس المغربية من أسرة عريقة في العلم والمعرفة، إذ كان جدُّه عثمان الحبابي من مدرّسي جامعة القرويين، وفي حقيقة الأمر فإن سيرة الحبابي لم تُكتب في مؤلَّف متكامل، غير أن العديد من الكتب التي وضعت عن فكره أو تكريماً له، لم يفتها أن ترسم خطوطاً عريضة من سيرة حياته2.

ولقد أُسندت مهمة تسطير سيرته إلى السيدة الباحثة فاطمة الجامعي الحبابي3 فكتبت عنه تقول: “كان جدّه عثمان الحبابي من مدرّسي جامعة القرويين المحافظين، وقد ربّى الجدّ عثمان أبناءه تربية إسلامية، ومنهم عبد العزيز، الذي تلقّى هو كذلك، دروسه بالقرويين قبل أن تجلبه التجارة عندما تصاهر مع آل القادري، وهي أسرة علم وجاه، وأنجب محمداً بفاس، مسقط رأس الأسرتين”4.

ولقد ترعرع محمد عزيز الحبابي بين أحضان جدّه وجدّته، لأنّ أمّه قد توفيت بعد ولادته بسنة، وكان من المفروض كما هو المألوف عند أقرانه أن يمرّ بالكتّاب لحفظ القرآن الكريم، فانتسب إلى كتّاب البلدة لاستظهار القرآن، ثم سجّل بالمدرسة الابتدائية، ثم انتقل إلى ثانوية مولاي إدريس بفاس، وقد استطاع أن يستغل مراهقته فيزاول أنشطة عديدة في المجالات الرياضيّة والفنّية خاصة المسرح، ثم سافر إلى باريس ليتابع دراسته هناك، بعد طرده من المعاهد التعليمية من قبل المستعمِر الفرنسي، وفي نفس الوقت كان ذلك بمثابة هروب من قمعيّة واستغلال الممارسة الاستعمارية الفرنسية تجاه الشعب المغربي آنذاك.

تُوّج مشواره الدراسي في فرنسا بحصوله على شهادة دكتوراه دولة في الفلسفة جامعة السربون سنة 1949م بأطروحته المعنـونة “من الكـائن إلى الشخص” وهذا بعد أن كان قد تحـصّل على إجازة في الفلسفة

من نفس الجامعة، ودبلوم المدرسة الوطنية للغات الحية الشرقية، ودبلوم الدراسات العليا في الآداب5.

ب: نضاله السياسي

سجّل محمد عزيز الحبابي حضوره في الكفاح الوطني منذ بداية شبابه فكان يناضل ضمن الحركة الوطنية، وهذا لِما كان يسود المغرب من حماية فرنسية. سُجن نتيجة ذلك عدّة مرات كان آخرها وأعنفها سنة 1944م عند المطالبة بالاستقلال إلى جانب العديد من الطلبة، حُكم عليه فيها بثلاثين شهراً، انتقل بين السّجون المدنية والعسكرية عرف فيها كل أنواع التعذيب، وهذا طيلة ثمانية أشهر، وهي المدّة الفعلية التي قضاها في السجن6. بعد إطلاق سراحه، عانى الكثير من المضاعفات الصحيّة خاصة نتيجة ضربة على الجمجمة، كان قد تلقّاها في السجن أدّت فيما بعد إلى حصول ورم في دماغه، فلم يكن له خيار سوى تحمّل عمليّة جراحيّة خطيرة لاستئصال ستّة أسباع الغدّة الرئيسيّة في الدماغ، دامت ما يَربُو على سبع ساعات وذلك سنة 1955م، بمستشفى فوش في ضواحي باريس، ولم يكن ذلك نهاية المعاناة، فلقد أُجريت له عمليّة جراحيّة ثانيّة في الدماغ وبالمستشفى نفسِه في سنة 1979م7.

ج: وظائفه

تقلّد الحبابي العديد من المناصب، ولعلّ من أبرزها، التحاقه بالمركز الوطني للبحوث العلمية في فرنسا ما بين سنتي 1952م إلى 1959م.

عاد بعد ذلك إلى المغرب، المكان الذي أُسند إليه كرسي بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1959م، وأنشأ سنة 1961م اتحاد كتاب المغرب، ثمّ تولّى رئاسته لسنوات طويلة، كما أسّس الجمعية الفلسفية بالمغرب وتولّى أيضا مسؤوليتها8، وبين سنتي 1961-1969م تولّى عمادة كليّة الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط وفاس، وفي سنة 1969م أعير إلى الجزائر، فدرّس بالجامعة المركزية بالجزائر العاصمة قبل أن يصبح مستشاراً للبحث العلمي بوزارة التعليم العالي، إلى حين رجوعه إلى المغرب عام 1974 لينكبّ نهائيّاً على البحث. وفي الخامس من أكتوبر لسنة 1982 انتخب أميراً للقصة، فكرّمه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك9.

ومن المهام التي تولاّها أيضاً، مدیر مجلّة “آفاق العربية” التي يرجع إليه الفضل في تأسيسها، وتولى كذلك مدير مجلّة الدراسات الفلسفية بالفرنسية والعربية، وعضو جمعية رجال الأدب بفرنسا10.

د: أهم خصاله

رغم هذه المسيرة الحافلة بالألقاب، إلا أن محمد عزيز الحبابي، تميّز بالتواضع، فلم تُغرِه الشهادات والألقاب، بقدر ما كان يدرس، ويتأمّل ويبحث، يعمل في صمت، ولا يهمّه أن يتحدّث عنه الناس11. أليس هو القائل “إنك ملتزمٌ حينما يكون ما أبدعته صادراً عن إيمان قوي يمتلك عليك فكرك ووجدانك طبقاً لما اخترته من مثل أعلى في حياتك، ولا يغرنّك بعد ذلك ما يصيبك من نفع أو ضرّ من جرّاء هذا الالتزام الخالص”12.

كما قيل عنه كذلك بأنه موسوعة في التفكير، ينبوع متفجّر من العطاء، عصامية في العمل، نكران للذات، وتحفّز مستمر نحو الأفضل، مدرسة شامخة عريقة، خصوصیات متفردة، رؤية متميّزة وعميقة13، وكان كذلك “حركة بين كلّ الحاضرين، يحاور هذا في موضوع أدبي فلسفي، يمازح هذا الآخر، أو يسأل هذا الثالث عن أحواله الشخصية. كان هذا الرجل الذي نعرف أنّه عاش بيننا يحبّ الاختلاف إلى درجة أنه كان يستثير وجوده، ويذكّي استمراره.

والذين عرفوا محمد عزيز الحبابي الإنسان، عرفوا فيه أيضاً ذلك الرجل الذي لم يكن يستسلم لحالات الضعف والمرض، فحتى حين كان يشتدّ عليه المرض في كثير من الأحيان، لم يكن يتوقّف عن الحوار أو عن الكتابة نثراً أو شعراً أو تأمّلاً فلسفیّاً، كان يقاوم بذلك الموت بالحياة في الحد الذي يستطيعه، وكأنّه كان لا يريد أن يترك للموت إلاّ تلك الفرصة الأخيرة التي سيكون عليه فيها أن يغادر الحياة”14.

هكذا نذر المفكر المغربي الكبير نفسه للدراسة والفكر، وصبّ جلّ اهتماماته في البحث والتأليف، حتى وافته المنيّة رحمه الله “سنة 1993م، بعد حياة عامرة قضاها في خدمة الفلسفة العربية والعالمية، وفي خدمة اللغة العربية وآدابها وثقافتها. ولقد كان منه أن ترك لنا كُتُباً قيّمة عدة، يمثّل كل منها خطوة إلى الأمام في التقدّم بالفكر على اختلاف وجوهه، وهي كثيرة”15.

المراجع:

1 مأخوذ من رسالة الماستر بعد إذن صاحبها. نوقشت خلال موسم 2019/2020م.

2  العريس، إبراهيم. “فكر في الساحة”، مقال ضمن كتاب: محمد عزيز الحبابي، الإنسان والأعمال: مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1990م، 1/42-43.

3  فاطمة الجامعي الحبابي: زوجة محمد عزيز الحبابي.

4  العريس، إبراهيم. “فكر في الساحة”، المرجع السابق، ص 42-43.

5  المرجع نفسه، ص. 44.

6  المرجع نفسه، ص. 43.

7  الحباب، محمد عزيز. “بنيات غدوية” مقال ضمن كتاب: محمد عزيز الحبابي، الإنسان والأعمال: مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1990م، 2/169.

8  قاسم، محمود. “أدباء مسلمون يكتبون بلغات العالم”، مجلة الحج والعمرة، عدد 11، وزارة الحج والعمرة، المملكة العربية السعودية، 2007، ص 82.

9  عطية، أحمد. “بين الفلسفة والفن الروائي”، مقال ضمن كتاب: محمد عزيز الحبابي، الإنسان والأعمال: المرجع السابق، ص 23.

10  دون مؤلف. “عالمية محمد عزيز الحبابي”، مقال ضمن كتاب: محمد عزيز الحبابي، الإنسان والأعمال: ج 1، المرجع السابق، ص 58.

11  دون مؤلف. “محمد عزيز الحبابي كما هو” مقال ضمن كتاب: محمد عزيز الحبابي، الإنسان والأعمال: ج 1، المرجع السابق، ص 36.

12  الزهيري، قاسم. “محمد عزيز الحبابي الفيلسوف الأديب”، مقال ضمن كتاب: محمد عزيز الحبابي، الإنسان والأعمال: ج 1، المرجع نفسه، ص 27.

13  الكبير، سعيدي. “محمد عزيز الحبابي علم من أعلام المعرفة”، مقال ضمن كتاب: محمد عزيز الحبابي، الإنسان والأعمال: ج 1، المرجع نفسه، ص 69.

14  وقيدي، محمد. جرأة الموقف الفلسفي: أفريقيا الشرق، المغرب، 1999، ص 140.

15  حوليات جامعة الجزائر، عدد 8، أبريل 1994،  ص 61.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى