جدلية التراث والحداثة

thumbnail
 جدلية التراث والحداثة
 
 
    تشكل قضية الحداثة ومستلزماتها مجالا خصبا للدراسة في النقد العربي المعاصر، فحالة التخلف والانحطاط الحضاري اللذان يطبعان واقع العالم العربي والإسلامي، في مقابل تطور وتقدم الغرب الحداثي، الأمر الذي حذا بالمفكرين والنقاد إلى التساؤل عن الدواعي والأسباب التي أدت إلى هذه الوضعية، والتفكير في صياغة إجابات وحلول لها. الشيء الذي نتج عنه تقديم اقتراحات وتصورات، متعددة ومختلفة، وإجمالا يبقى التراث مركز هذه الدراسات والمشاريع.
 
    من هنا انبثقت جدلية التراث والحداثة، والتي تظهر في شكل المخلِّصة من عبئ التقهقر والتخلف، وهذه الجدلية تعني محاولة تقديم دراسة لمجموعة من القضايا والإشكالات ذات علاقة بالتراث والحداثة، مع اقتراح الحلول لمعالجة هذه الإشكالات.
 
    يقول راشد النعيم: “إننا نستطيع أن نؤكد أن هناك إشكالية عميقة في التعامل مع الحداثة في الفكر العربي المعاصر. ففي حين أن المجتمعات العربية تتوق للتطور نجدها تحبس نفسها في حدود الماضي، ويبدو أن هناك تخوفا غائرا في الذهن العربية من التحديث وما قد يترتب على ذلك من فقدان للهوية وضياع التراث. وتثير بعض الدراسات المعاصرة تأثيرات ثقافة التحديث على الثقافات الموروثة، وتؤكد أن الحداثة هي الطريق الموصل للعالمية. في الحياة الاقتصادية، الاجتماعية، فضلا عن التساؤل عن إمكانية احتفاظ المجتمعات المحلية بموهبتها. وذاتيتها الثقافية وتراثها الديني كنظم ثقافية في ظل محاولات الهيمنة، وفرض السيطرة في كافة المجالات التي تمارسها المجتمعات الغربية المتقدمة على بعض دول العالم الثالث. وهي أسئلة مهمة يجب أن تجيب عليها الثقافة العربية المعاصرة. فمسألة الاختباء خلف التراث والعيش في عالم الماضي لن يحمي الثقافة العربية، ولن يبعدها من هيمنة الثقافات القومية1.
 
   والتساؤل الذي يُطرح في هذا الصدد يتمحور حول كيفية مواجهة موجات التغريب الغربية، مع الحفاظ على التراث والهوية الإسلامية، وعدم التبعية والخضوع للسيطرة الأجنبية، وفي نفس الوقت تقديم إجابات وحلول للوضع المتأزم.
 
     وفي الإجابة على هذا التساؤل، اختلف المفكرون والنقاد فيما بينهم، وذهبوا في ذلك مذاهب وتيارات، غير أن أبرزها ثلاثة:
 
     الأول: التيار التراثي الأصولي.
 
     الثاني: التيار العلماني.
 
    وأما الثالث فهو: التيار التوفيقي بيت المذهبين الأول والثاني2.
 
    وخلاصة هذه التيارات، أن كل تيار يقدم قراءته للتراث، انطلاقا من مرجعات وخلفيات محددة، هي التي وجهت المسار الذي يسير عليه كل تيار على حدة.
 
    هذا التباين والاختلاف حاصل في المنهج المتبع، غير أنه يختفي إذا علمنا أن الهدف من وراء ذلك موحد ومتفق عليه، بل أصبح الهاجس الأول لمختلف هذه التيارات، وهو هاجس التحديث ومواجهة هذا التأخر التاريخي.
 
    فإذا كان البعض يرى بأن التيار التراثي لا تمنحنا ثوابته الشيء الكثير بسبب انغلاقه، فإن الأمر نفسه بالنسبة للتيار العلماني، خصوصا وأن من أبرز مظاهر الأزمة التي يتخبط فيها الخطاب النّقدي العربي المعاصر تقود، فيما تعوّد، إلى الانفتاح اللامشروط الذي شهدته الدوائر الفكرية العربية على غيرها من الغرب، دون محاولة لتصفية هذا الوافد من شوائب الانتماء إلى تربته الأصلية، ثم تصفيته في تربة الثقافة العربية، و اذا كان لزاما على الثقافة العربية ­على حد قول الحداثيين­ أن تنفتح على غيرها من الأمم، لجلب المعرفة، مسايرة للركب الحضاري فإنه: يجب علينا الحرص على ألا تقتلع رياح الانفتاح جذورنا عن تربتها، فتفقدنا خصوصيتنا، وتحولنا لنسخة مشوهة للآخر، عملا  بنصيحة تاغور القائلة: “إني على استعداد لأن أفتح نوافذي في وجه الرياح، لكن شريطة ألا تقتلعني هذه الرياح من مكاني”، لأن الانفتاح هو محاولة لاكتشاف الذات مقارنة بالآخر، دون أن يتحول إلى انبطاح أو مطابقة تذوب معه الّذات وتضيع في أنا الآخر، الذي يصبح ­ والحال هذه­ مرآة ترى فيها الأنا نفسه3.
 
    وفي الختام يمكن القول بأن عملية إن عملية إحياء التراث لا تكتفي بدراسة الثقافة العربية بطريقة متفرقة تركز على ظاهرة أو على شخصية أو على فترة زمنية بل تبحث عن العامل الرئيسي الذي يلقي بظلاله في كل مكان وزمان على  النواحي السلوكية و الخلقية و الشعورية و المنهجية و يتهم بإعادة بناء العلوم القديمة و شروط تجديدها، و من هنا يؤكد صاحب الوسطية العربية “أن الحاجة إلى الاشتغال بالتراث تمليها الحاجة إلى تحديث كيفية تعاملنا معه، أصلا خدمة  للحداثة و تأصيلا لها أو بعبارة أخرى إعادة كتابة تاريخنا الثقافي و إعادة ترتيب العلاقة بين أجزائه من جهة و بين التاريخ الثقافي العالمي من جهة أخرى4.
 
    إن غياب الجدل الفاعل مع التراث والآخر، أو بالأحرى فقدان الذات العربية لفاعليتها هو ما يجعلها تلجأ إلى أحد الطرفين وهو إما الاعتصام والاحتماء بالتراث، وإما التقليد والتبعية والاستهلاك للمنتج المعرفي العربي5.
 
 
    وعليه فإن المشكلة هنا لا تكمن في مشكلة تراث وحداثة، وإنما تكمن في عدم القدرة على تحويل المعرفة بالتراث من معرفة ميتة إلى معرفة حية، كما تتجلى هذه المشكلة أيضا في عدم القدرة على إنتاج حقائق جديدة حول العالم المعاصر، أو على تكوين ميادين علمية تغطي معرفيا ممارسات وأنشطة تتنوع وتتشعب باستمرار.
 

المراجع:

1- حالة من التقليدية الدائمة، لراشد عبد الله النعيم، مقال بجريدة الرياض الإلكترونية اليومية، الصادرة عن مؤسسة اليمامة الصحفية، العدد 14278، بتاريخ 14 رجب 1428ﻫ / 28 يوليوز 2007م.
2- للفصيل في هذه التيارات، انظر: اتجاهات المحدثين والنقاد في قراءة التراث، الصفحة: 50-54.
3– إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر، لعبد الغني بارة، الصفحة: 135، طبعة 2005م، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
4– الوسطية العربية، لعبد الحميد إبراهيم، الصفحة: 32، الطبعة الأولى 1986م، دار المعارف، القاهرة.
5– قراءة التراث النقدي جابر عصفور أنموذجا، لحمراني أسماء، ورشاش سمية، الصفحة: 27، رسالة ماجيستر، تخصص نقد حديث ومعاصر، إشراف الدكتور: مكاكي محمد، السنة الجامعية: 2016-2017، كلية الآداب واللغات، قسم اللغة والأدب العربي، جامعة جيلالي بونعامة خميس مليانة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى