دلالة مصطلح الإيديولوجيا وآراء مفكري العرب والغرب فيه

thumbnail
    دلالة مصطلح الإيديولوجيا وآراء مفكري العرب والغرب فيه
 
 
     يعتبر مصطلح الإيديولوجيا من أكثر المصطلحات انتشارا وتداولا وأكثرها تعقيدا وإثارة للجدل، كيف لا وهو مرتبط بميادين المعرفة الإنسانية قاطبة الشيء الذي جعل منه مصطلحا يصعب تحديد وإيجاد تعريف واحد جامع مانع له، إن لم لكن الأمر مستحيلا.
 
     ومحاولة لإيضاح وتسليط الضوء على هذا المصطلح، سأقوم برصد دلالته في اللغة وفي الاصطلاح.
 
     – دلالة الإيديولوجيا في اللغة:
 
     تعتبر كلمة (إيديولوجية) (Ideology) يونانية الأصل، والتي تتألف من جزئين أو مقطعين (Idea) وتعني فكرة أو ما يتعلق بالفكر و(Logos) بمعنى علم، وعليه يعني هذا المصطلح علم الافكار1.
 
      وبالرجوع إلى القواميس والمعاجم والموسوعات العلمية نجد ما يلي:
 
     جاء في (المنجد الأبجدي): “كلمة (إيديولوجية) كلمة يونانية، ويقصد بها: فن البحث في التصورات والأفكار”2.
 
     ويشير (المنجد في اللغة والآداب والعلوم) إلى أن الإيديولوجيا هي: “فن البحث في التصورات، ومذهب يعتبر الأفكار المتخذة بذاتها، بقطع النظر عن كل ما هو وراء الطبيعة”3.
 
     وأما (معجم الرافدين)، فيؤكد على أن الإيديولوجيا هي: “مجموعة نظامية من المفاهيم في موضوع الحياة أو الثقافة البشرية، وهي طريقة أو محتوى التفكير المميز لفرد أو جماعة أو ثقافة، أو هي النظريات والأهداف المتكاملة التي تشكل قوام برنامج سياسي، اجتماعي، مذهب”4.
 
     ويشير قاموس (المورد) إلى أن الإيديولوجيا هي: “وضع النظريات بطريقة حالمة أو غير عملية”5.
 
    وفي قاموس (المصطلحات الأدبية الحديثة دراسة ومعجم انجليزي-عربي) نجد أن مصطلح الإيديولوجيا معبر عنه ب: مصطلح “العقائدية”، ويعرفه ب: نظام فكري، أو نسق من الأفكار التي تعتنقها مجموعة من البشر، وتحدد رؤية العالم أو تفسير ظواهره، وترسم من ثم أسلوب مواجهة الحياة وقد تتضمن النسق بعض التناقضات، ولكنها تستخدم بطريقة تخفي تناقضاتها عمن يعتنقها”6.
 
     وفي (موسوعة لالاند الفلسفية)، الإيديولوجيا هي: “كلمة ابتكرها دي تراسي، علم موضوعه دراسة الأفكار ومزاياها وقوانينها وعلاقتها مع العلامات التي تمثلها وبالأخص أصلها أما بالمعنى المبتذل تحليل أو نقاش فارغان لأفكار مجردة، لا تتطابق مع وقائع حقيقية، وكما هي مذهب يبدو أنه يلهم حكومة أو حزبا، كما أنها فكر نظري يعتقد أنه يتطور تجريبيا في غمار معطياته الخاصة لكنه في الواقع تعبير عن وقائع اجتماعية، فكارل يعيه ذلك الذي يبنيه أو لا يأخذ في حياته أن الوقائع هي التي تحد فكره هذا المعنى. شديد التداول في الماركسية”7.
    ونجد في (الموسوعة الميسرة في الفكر الفلسفي والاجتماعي عربي-انجليزي)، أن الإيديولوجيا هي: “نسق من الآراء والأفكار والاعتقادات السياسية والقانونية والأخلاقية والجمالية والدينية والفلسفية، وتختص بمجتمع معين أو طبقة اجتماعية معينة. وكان أول من استخدم هذه الكلمة المفكر الفرنسي دستوت دي تراسي عام 1801م في كتابه (مشروع المبادئ الإيديولوجية)، وفيه يحدد الإيديولوجيا “كعلم يهدف إلى دراسة الأفكار وخصائصها وقوانينها وعلاقاتها بالمعاني والإشارات التي تمثلها او ترمز إليها”، وأصبحت الإيديولوجيا تعتبر عقيدة تستند إليها أو تستوحي منها الحكومات أو الأحزاب السياسية، وفي الماركسية تعتبر الإيديولوجيا انعكاسا صادقا وتعبيرا عن الواقع، وهي جزء من البناء الفوقي لذلك هي تعكس العلاقات الاقتصادية، ويتطابق دائما الصراع الإيديولوجي مع الصراع الطبقي”8.
 
     هكذا إذن، يتبين لنا أن مصطلح الإيديولوجيا لم يقع الإجماع على دلالته في اللغة، غير أنه يمكن القول بأن القواميس والمعاجم والموسوعات العلمية لم تخرج عن معنيين:
     الأول يتمثل في أن الإيديولوجيا هي: مجموعة نظامية من المفاهيم في موضوع الحياة أو الثقافة البشرية، أو طريقة أو محتوى التفكير المتميز لفرد أو جماعة، أو أسلوب التفكير الذي تتميز به طبقة أو فرد بعينه.
 
     وأما الثاني فيتمثل في أن الإيديولوجيا هي: مجموعة من الأفكار المبنية على أسس نظرية معينة.
 
     وهذا ما ذهب إليه عبد الله عبد الوهاب محمد الأنصاري في كتابه: (الإيديولوجيا واليوتوبيا في الأنساق المعرفية المعاصرة)9، حيث جعل من المعنى الأول معنى عاما للإيديولوجيا، ومن المعنى الثاني معنى خاصا لها.
 
     – دلالة الإيديولوجيا في الاصطلاح:
 
     إن ضبط وتحديد المعنى الاصطلاحي للإيديولوجيا لهو أمر يستعصي على الباحث نيله، كيف لا وهو-الإيديولوجيا-موغلٌ في شتى ميادين المعرفة الإنسانية، كل يستخدم حسب مجاله، تخصصه أو انتمائه.
 
     لذلك ومحاولة لتقريب مدلوله، اِرتأيت أن أعرض أقوال وآراء بعض المفكرين الذين اشتغلوا به، مقسما ذلك إلى: آراء وأقوال مفكري الغرب، وآراء وأقوال مفكري العرب، عسى أن يتبين المراد منه ويتضح معناه.
 
     _ آراء وأقوال مفكري الغرب:
 
     يميز السوسيولوجي الألماني كارل مانهايم بين معنيين للإيديولوجيا؛ الأول جزئي خاص، والثاني كلي عام: ويشير المعنى الجزئي إلى التشكك في الأفكار التي تصدر عن الآخرين، باعتبارها مجرد أقنعة لطبيعة المواقف الحقيقية…؛ بمعنى آخر، هي منظومة الأفكار الخاصة لصالح جماعة معينة تسعى إلى تضليل جماعات أخرى، وتتهم إيديولوجياتها بالزيف. أما المعنى الكلي العام للإيديولوجيا فهو يشير إلى الطريقة العامة للتفكير داخل المجتمع ككل، في حقبة تاريخية معينة؛ فهو يتناول المعرفة بشكل كلي، واستنادا إلى الحياة الجماعية، ويهتم بخصائص وتركيب الفكر في هذه الحقبة التاريخية10
 
     أما بالنسبة لكارل ماركس فقد تعددت تعريفات الإيديولوجيا عنده؛ فتارة أولى، يعرفها بانها التصورات الدينية والفلسفية والقانونية السائدة داخل المجتمع، وتارة ثانية، يوحد بينها وبين تصورات وأفكار الطبقة المسيطرة التي تتفق مع وضعها ومصالحها، وتارة ثالثة، يوحد بينها وبين الوعي الزائف لدى الجماهير…11.
 
     ويرى بارسونزأن الإيديولوجيا هي نسق من الأفكار الموجهة التي لها أصل أمبريقي، تلك التي تمنح الإنسان تفسيرا للطبيعة الإمبريقية للجماعة والمواقف التي تقف فيها والعمليات التي نمت بها حتى حالتها الراهنة ثم الأهداف التي يتوجه إليها الأعضاء جماعيا وعلاقتهم بمسار الأحداث في المستقبل12.
 
    ويعرف كلاوس ميللر الإيديولوجيا بكونها أنظمة اعتقاد متكاملة تكفل تفسيرات للواقع السياسي، تؤسس أهدافا جمعية لطبقة، وجماعة، أو للمجتمع ككل في حالة الإيديولوجيا المسيطرة، لهذه الأنظمة عنصر تقييمي الذي تربط الإيديولوجيا الأحكام الإيجابية، وتصلها بأحوال المجتمع، أو الأهداف السياسية13.
 
     وكملاحظة على التعاريف السابقة أخلص إلى أن الفكر الغربي لم يتفق على وضع تعريف واحد للإيديولوجيا، إذ يتبين أنا أن له استعمالات عدة كل يسعى إلى توظيفه حسب ما يوافق اتجاهه ومجاله.
 
     _ آراء وأقوال مفكري العرب:
 
     يقول عبد الله العروي معرفا الإيديولوجيا بعد استبداله لمصطلح الإيديولوجيا بمصطلح أدلوجة: “ فأستعمل كلمة أدلوجة على وزن أفعولة وأصرفها حسب قواعد العربية، نقول إن الحزب الفولاني يحمل أدلوجة ونعني بها مجموع القيم والأخلاق والأهداف التي ينوي تحقيقها على المدى القريب والبعيد…لأن الحزب الذي لا يملك أدلوجة هو في نظرنا حزب انتهازي ظرفي، لا يهمه سوى استغلال النفوذ والسلطة”14، وسوف أتطرق بالتفصيل عن هذا الموضوع في المطلب الثاني من الفصل الثاني بعنوان “مكانة الإيديولوجيا في فكر عبد الله العروي”.
 
     يعرف كمال أبو ديب الإيديولوجيا بقوله: “الإيديولوجيا هي تلك البنية (النظرية) المشكلة لدى مجموعة بشرية معينة في المجتمع، نتيجة لتراكم مقولات ماضية الطابع تتعلق بالتنظيم الاجتماعي في أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية التي نشأت فيزمن ومكان آخرين، والتي تسعى هذه المجموعة إلى فرضها على الواقع الراهن أو صياغة الواقع الراهن تبعا لها وفي إطارها”15.
 
     ويعرفها عبد العزيز عزت بأنها: “مجموع الأفكار والمعتقدات واتجاهات التصــــور والتصديــــق التي تشخـــص جمعا معينا من النـــاس سواء كان هذا الجمع أمة من الأمم أو طبقة
من الطبقات الاجتماعية أو مذهبا من المذاهب يعبر عن الملل والنحل لأهل هذا الجمع أو حزبا من الأحزاب السياسية”16.
 
     وأما المفكر السوري نديم بيطار فاستخدم مصطلح “الإيديولوجيا الانقلابية” في محاولة منه لدراسة هذا الموضوع، فيقول: “ أن الأيديولوجيا الانقلابية، نظام أو سلسلة من المبادئ والنظريات والعقائد، يصور فيها إتباعها المرحلة التاريخية التي يمرون بها والعلاقات التي تربط بينهم وبينها”، أن الأيديولوجيا الانقلابية التي يعنيها، هي بكلمة مختصرة المفهوم العام الذي يحدد علاقة الإنسان بالمجتمع والتاريخ والحياة17.
 
     ونجد خليل بكري يعرف الإيديولوجيا بقوله: “ إن الإيديولوجيا هي نظام ـمن الأفكار يتكون في 
مرحلة تاريخية معينة لتوجيه الممارسة والسلوك الفردي والجماعي نحو أهداف تتصل بإثبات الذات وتنبع عن تصور للهوية ورؤية العالم ومطالب الحياة استنادا لمرجعية القيم والمعتقدات، وتعبيرا عن مستوى الثقافة ووعي الحقوق”18.
 
     هكذا يتضح لنا من خلال كل ما سبق، أن مصطلح الإيديولوجيا “من أكثر المفاهيم مراوغة في العلوم الإنسانية بأكملها”19، إذ لا يمكن حصره في سياق معين أو نسق محدد، ومن ثمة تعريف جامع مانع له، فهو متعدد المظاهر، ومتداخل في العلاقات مع مجالات المعرفة الإنسانية، “حتى الهواء الذي نستنشقه في نشاطنا البيولوجي الصرف مشبع بالإيديولوجيا”20، الشيء الذي يجعلنا نؤكد في الأخير على أن الإيديولوجية هي ظاهرة كلية تمس الوجود الإنساني بجميع مستوياته؛ الاجتماعي، والسياسي، الاقتصادي، النفسي…وأن كل ما قيل في معناه يبقى نسبيا ومحكوم بخلفية كل مفكر ودارس.
المراجع:
 
1– أزمة الإيديولوجيا السياسية، لأمين حافظ السعدني، الصفحة: 17، الطبعة الأولى 2014م، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة.
2– المنجد الأبجدي، الصفحة: 184، الطبعة الثامنة 1967م، دار المشرق، بيروت.
3– المنجد في اللغة والآداب والعلوم، الصفحة: 22، دار المطبعة: المطبع الكاثوليكية، بيروت.
4– معجم الرافدين، الصفحة: 441، طبعة 1987م، دار الحرية -بغداد.
5المورد، الصفحة: 447، الطبعة الأولى 1977م، دار العلم للملايين.
6المصطلحات الأدبية الحديثة دراسة ومعجم انجليزي-عربي، لمحمد عناني، الصفحة: 42، الطبعة الثالثة 2003م، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان -القاهرة.
7موسوعة لالاند الفلسفية، لأندريه لالاند، 2/611-612، منشورات عويدات، الطبعة الثانية 2001م، بيروت.
8الموسوعة الميسرة في الفكر الفلسفي والاجتماعي عربي-انجليزي، لكحميل الحاج، الصفحة: 81-82، الطبعة الأولى 2000م، مكتبة لبنان ناشرون-لبنان.
9الإيديولوجيا واليوتوبيا في الأنساق المعرفية المعاصرة، لعبد الله عبد الوهاب محمد الأنصاري، الصفحة: 23، طبعة 2000م، جامعة الإسكندرية.
10– الإيديولوجيا واليوتوبيا مقدمة في سوسيولوجيا المعرفة، لكارل مانهايم، ترجمة محمد رجا الدريني، الصفحة: 19-20، الطبعة الأولى 1980م، شركة المكتبات الكويتية-الكويت.
11– الإيديولوجيا وقضايا علم الاجتماع النظرية والمنهجية والتطبيقية، لنبيل محمد توفيق السملوطي، الصفحة: 30، دار المطبوعات الجديدة -الإسكندرية.
12– البنائية الوظيفية في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، لليلى علي، الصفحة: 7، طبعة 1982م، دار المعارف-القاهرة.
13– النقد الثقافي، لأرثر أيزدجر، ترجمة وفاء ورمضان بسطاويسي، الصفحة: 103، طبعة 2002، المجلس الأعلى للثقافة-مصر.
14– مفهوم الإيديولوجيا، الصفحة: 9-10، الطبعة الثامنة 2012م، الناشر: المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب.
15– مجلة النقد الأدبي، فصل: الأدب والإيديولوجيا، العدد الرابع، الصفحة: 62، نشر 1985م، الهيئة المصرية للكتاب-مصر.
16– الإيديولوجيا وفلسفة الحضارة، لفضل الله محمد إسماعيل وعبد الرحمان خليفة، الصفحة: 17، الطبعة الأولى 2005، مكتبة بستان المعرفة-الإسكندرية.
17– المرجع السابق، الصفحة: 39-40.
18– الإيديولوجيا والمعرفة، الصفحة: 127، الطبعة الأولى 2002م، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان-الأردن.
19– مدخل إلى الإيديولوجيات السياسية، لأندرو هيود، الصفحة: 15، ترجمة محمد صفار، الطبعة الأولى 2012م، المركز القومي للترجمة-القاهرة.
20مجلة النقد الأدبي، فصل: الأدب والإيديولوجيا، لكمال أبو ديب، الصفحة: 51.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى