دوافع الاستشراق ووسائله

thumbnail
دوافع الاستشراق ووسائله
 
 
دوافع الاستشراق:
يجمع المستشرقون في دوافعهم، بين الدافع الديني والدافع السياسي وكلاهما معاً، يشكلان تحديا ظاهراً، الهدف منه استمرار سيطرة العالم الغربي على العالم الإسلامي.
وأهم دوافع الاستشراق هي تلك المصالح المرتبطة بالشرق، وأهداف التوسع في الميدان الاقتصادي والتجاري.
فالاستشراق بوجه عام له دوافع متفاوتة الشدة والضعف فمنها التبشيري ومنها الاستعماري ومنها العلمي، وتظهر هذه الدوافع في أعمال المستشرقين، وفيما يلي بيان لهذه الدوافع:
1-الدافع الديني التبشيري:
يقول الدكتور محمد البهي: (والسبب الرئيسي المباشر الذي دعا الأوربيين إلى الاستشراق هو سبب ديني في الدرجة الأولى، فقد تركت الحروب الصليبية في نفوس الأوربيين ما تركت من آثار مرة عميقة… وقد تركزت أهداف الاستشراق – مع تنوعها- أخيرا في خلق التخاذل الروحي، وإيجاد الشعور بالنقص في نفوس المسلمين والشرقيين عامة، وحملهم من هذا الطريق على الرضا والخضوع للتوجيهات الغربية)1.
فالاستشراق إذا جاء كبديل عن الحروب الصليبية لتحطيم عقيدة المسلمين وفكرهم والعمل عل نشر عقيدة النصارى، وذلك بعد أن تيقن الغرب المسيحي أن لا سبيل إلى النصر والغلبة على المسلمين عن طريق القوة الحربية؛ لأن تدين المسلمين يدفعهم للدفاع عن دينهم2.
ومما يدل على هذا الدافع أن معظم المستشرقين من رجال الكنيسة هم الذين قادوا حركة لدراسة لغة الإسلام، وترجمة تراثه بقصد النيل منه وحجب محاسنه عن جموع النصارى الذين يعيشون في نطاق دولة الإسلام.
لذلك نجد أن رجال الدين النصراني عملوا على إنشاء أول مركز لدراسة اللغة العربية في الفاتيكان، كما أمر الفاتيكان بإدخال اللغة العربية، واللغات الشرقية الأخرى في مدارس الأديرة، وعمل أيضاً على إنشاء كرسي لهذه اللغات في جامعات فرنسا، إسبانيا، إيطاليا وغيرها2.
2-الدافع الاستعماري:
عندما فشل أعداء الإسلام في حروبهم الصليبية لم ييأسوا ولم يركنوا إلى الراحة، بل اخذوا يتحينون الفرصة لاستعمار المسلمين فكرياً وسياسياً واقتصادياً، ولما تم لهم الاستيلاء على بلاد المسلمين إثر الحرب العالمية الأولى، بدأ المستعمرون في تشجيع الدراسات الاستشراقية نظراً لحاجتهم الملحة إلى فهم أوضاع المسلمين في البلاد التي استعمروها حتى يتسنى لهم العمل على إضعاف روح المقاولة لديهم وبث الفرقة والوهن في صفوفهم3 وقد اعترف المستشرق الإسباني “بيدور مارتينيت مونتافث، قائلا: “ظاهرة تاريخية معروفة وهي أن معظم المستشرقين الغربيين كان مرتبطاً بشكل ما بالنفوذ الاستعماري الغربي ف المنطقة وعلينا أن نعترف بهذا، فنحن نتكلم عن التاريخ وليس عن أشياء خيالية، أو بعيدة عن الحقيقة”4.
3-الدافع العلمي:
من المستشرقين نفر قليل جداً أقبلوا على الاستشراق بدافع من حب الاطلاع على حضارات الأمم وأديانها وثقافاتها ولغاتها، وهؤلاء كانوا أقل من غيرهم خطأ في فهم الإسلام وتراثه، لأنهم لم يكونوا يتعمدون الدس والتحريف، فجاءت أبحاثهم أقرب إلى الحق وإلى المنهج العملي السليم من أبحاث الجمهرة الغالبة إلى المستشرقين، بل إن منهم من اهتدى إلى الإسلام وآمن برسالته، على أن هؤلاء لا يوجدون إلا حين يكون لهم من الموارد الملاية الخاصة ما يمكنهم من الانصراف إلى الاستشراق بأمانة وإخلاص؛ لأن أبحاثهم المجردة عن الهوى، لا تلقى رواجاً، لا عند رجال الدين، ولا عند رجال السياسة، ولا عند عامة الباحثين، ومن ثمة فهي لا تدر عليهم ربحاً ولا مالاً؛ لهذا ندُرَ وجود هذه الفئة في أوساط المستشرقين.
4-الدافع الاقتصادي:
تشير الكثير من المصادر أن المستشرقين لهم مساهمات واضحة في مساعدة العالم الغربي على رسم سياسة اقتصادية تستهدف استنزاف ثروات الشعوب الشرقية، واستمرارية اعتمادها على ما تنتجه المصانع الغربية، فالدراسات الاستشراقية عملت على كشف العقلية الشرقية، من جميع جوانبها، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية، وأبانت عن كل ما يحتاج إليه الشرقي وما يفضله، وكان ذلك سبباً في إغراق الأسواق الشرقية بالمنتجات الغربية المصنعة خصيصاً لها.
هذه وغيرها من الدوافع التي جعلت المستشرقون ينكبون على دراسة العالم الإسلامي من كل جوانبه، عساهم يحققون أهدافهم.
وسائل الاستشراق:
نقصد بوسائل الاستشراق كل ما استخدمه المستشرقون من أدوات وطرق لإيصال أفكارهم ونظرياتهم سواء أكان ذلك للعالم الغربي، أم إلى شعوب العالم الشرقي5.
وهذه الوسائل متنوعة ومختلفة، نذكر منها:
أ-إنشاء المعاهد للدراسات العربية: مثل مدرسة بادوي، كما أن الأديرة قامت بتدريس المؤلفات العربية المترجمة إلى اللاتينية، وكانت مهمتها تخريج عدد كبير من المتخصصين في الدراسات الإسلامية والشرقية، وبعد التوسع الاستعماري الغربي في الشرق اهتمت مدارس الاستشراق بدراسة جميع ديانات الشرق، وعاداته وتقاليده، وحضاراته، وجغرافيته، وأشهر لغاته، وإن كانت العناية بالإسلام، والآداب العربية، والحضارة الإسلامية هي أهم ما يعنى به المستشرقون حتى اليوم.
وقد أحضرت المخطوطات العربية إلى هذه المدارس من جميع أنحاء البلاد العربية والإسلامية، وكانت فترة الخمول والكسل والضعف التي مر بها العالم الإسلامي تجعل الحصول على هذه المخطوطات النادرة ميسوراً وسهلاً6.
ب-دور النشر الاستشراقية: إذا كان للكتاب أهميته الكبرى، باعتباره وسيلة هامة وفعالة لنشر المعارف والمعتقدات، فإنه في عصرنا الحاضر لا غنى له عن دار النشر التي تتولاه، فتقوم على إعداد وتجهيزه فنياً، والترويج له وتوزيعه في الأماكن والبلدان المختلفة، إلى غير ذلك مما تقوم به دور النشر في الوقت الحالي وما تضطلع به من مهام، تسهم في إنجاح الكتاب ونحوه، وتحقيق الهدف المرجو من وراء تأليفه.
ومن هذا المنطلق كان من وسائل إذاعة الفكر الاستشراقي في العالم الغربي، وأحياناً خارجه، والترويج لأبحاث وكتب المستشرقين عن الإسلام والمسلمين-خاصة، دور النشر7.
ج-تأليف الكتب: فقد قام المستشرقون بتأليف الكتب في جميع العلوم العربية والإسلامية والشرقية مظهرين عليها طابع العلم المتجدر، ولكن هذه الكتب لم تخل من دسهم فيها مقداراً من السم وإن كانوا حريصين كل الحرص أن لا يزيدوا على مقدار قدروه، ونسبة عينوها حتى لا يستوحش القارئ ولا يثير ذلك فيه الحذر، ولا تضعف ثقته بنزاهة المؤلف وهذا فيه صعوبة بالغة لرجل متوسط في عقليته أن يدرك هذه السموم لذا فتجده ينساق لها ويتأثر بهذه الكتابة8.
د-إصدار المجلات العلمية: التي تحوي على الكثير من البحوث حول الإسلام، وحول الشرق عموماً، ومن أشهر تلك المجلات “مجلة الجمعية الآسيوية الملكية” بلندن، و”مجلة الجمعية الشرقية الأمريكية”، و”مجلة الدراسات الشرقية” بمدينة جامبير بولاية أوهايو، ومن أخطر المجلات ذات الطابع الاستشراقي الحاقد، “مجلة العالم الإسلامي” التي أنشأها عميد التبشير العالمي “صمويل زويمر” سنة 1911م، وللمستشرقين الفرنسيين مجلة تحمل نفس الاسم وتصدر بنفس الروح.
      هـ – إمداد الإرساليات التبشيرية بما تحتاج إليه من الخبراء المستشرقين الذين يساهمون بخبرتهم في هذا المجال، فالاستشراق عبارة عن هيئة استشارية عليا تعمل على رسم الخطط وإظهار الدراسات التي يجدها المبشرون وسيلة جاهزة للعمل بقوة ضد الإسلام محاولين بذلك إيقاف توسعه، ولعله من العسير جداً الفصل بين الاستشراق والتبسير ذلك أن زعماء حركة الاستشراق هم أيضا أعضاء مرموقون في حركة التبشير، كما أن الاثنين يسيران بتوجيه واحد مستمد من الدوائر الاستعمارية والكنسية، وكذلك يتلقيان مواردهما الملاية من مصدر واحد، ولذلك فلا غرابة أن يكون الاستشراق عوناً وسنداً للتبشير في إنجاح مهمته9.
و-إلقاء المحاضرات في الجامعات والجمعيات العليمة، ومن المؤسف أن أشدهم خطراً وعداءاً للإسلام كانوا يستدعون إلى الجامعات العربية والإسلامية في القاهرة ودمشق وبغداد والرباط وكراتشي ولاهور وعليكرة وغيرها ليحدثوا عن الإسلام!10..
ز-عمل الموسوعات، ومن ذلك موسوعة “دائرة المعارف الإسلامية”، وقد أصدرها المستشرقون بعدة لغات، ولا زالت تجدد طباعتها ويضاف إليها جديد يسيء إلى الإسلام11.

 

       المراجع:
1– الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي لمحمد البهي، ص: 430-431، الطبعة العاشرة، مكتبة وهبة.
2– المستشرقون والقرآن الكريم للدكتور محمد أمين، ص: 31-32، بتصرف، الطبعة الأولى، 2004م، دار الأمل للنشر والتوزيع، إربد-الأردن.
3– نفسه، ص: 32.
3– ظاهرة انتشار الإسلام وموقف بعض المستشرقين منها، للدكتور محمد فتح الله الزيادي، ص: 81-82، مجلة الكتاب الإسلامي، العدد الرابع، أكتوبر 1983م.
4– قراءة نقدية في “تاريخ القرآن” للمستشرق ثيودورنولدكه، لحسين علي حسين مطر الهاشمي، ص: 31، الطبعة الأولى، 1435هـ / 2014م، دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع.
5-الاستشراق أهدافه ووسائله للدكتور محمد فتح الله الزيادي، ص: 45-48، الطبعة الأولى، 1426هـ / 1998م، توزيع دار قتيبة.
6 – المستشرقون والقرآن الكريم للدكتور محمد أمين، ص: 63، الطبعة الأولى، 2004م، دار الأمل للنشر والتوزيع، الأردن، نقلا عن الإسلام والمستشرقون لمحمد الدسوقي، ص: 33-34.
7-الاستشراق بين الحقيقة والتضليل للدكتور إسماعيل علي محمد، ص: 84-85.
8-آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره، دراسة ونقد، للدكتور عمر بن إبراهيم رضوان، ص: 49، دار طيبة للنشر والتوزيع – الرياض.
9-ظاهرة انتشار الإسلام وموقف بعض المستشرقين منها لمحمد فتح الله الزيادي، ص: 96-97 بتصرف.
10-الاستشراق والمستشرقون مالهم وما عليهم للدكتور مصطفى السباعي، ص: 34.
11-الاستشراق في ميزان نقد الفكر الإسلامي للدكتور أحمد السايح، ص: 56، الطبعة الأولى 1417هـ-1996م، الدار المصرية اللبنانية-القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى