ضبط المصطلح: ماهية الاستشراق

thumbnail
ضبط المصطلح: ماهية الاستشراق
 
هو في اللغة: استفعال من “الشرق”، جاء عند أهل اللغة (الشين والراء والقاف أصل واحد يدل على إضاءة وفتح من ذلك شرقت الشمس، إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت… والشرق: المشرق)1 ، وأشرق الرجل أي دخل في شروق الشمس2.
يقال شتان بين مشرق ومغرب. وشرقوا: ذهبوا إلى الشرق أو أتوا الشرق. وكل ما طلع من المشرق فقد شرق… وفي الحديث: (أناخت بكم الشرق الجون)، يعني الفتن التي تجيء من قبل جهة المشرق، جمع شارق… والشرق والشرقة موضع الشمس في الشتاء3.
والسين في كلمة الاستشراق يفيد الطلب، أي طلب دراسة ما في الشرق4.
والجدير بالذكر أن كلمة الاستشراق، والتي نبحث عن مفهومها اللغوي لم ترد في المعاجم العربية المختلفة5، غير أن هذا لا يمنع الباحث من الوصول إلى معناها الحقيقي استناداً إلى قواعد الصرف وعلم الاشتقاق، حيث يبدو أن معنى “استشرق” أدخل في نفسه في أهل الشرق وصار منهم6.
أما اصطلاحاً:
إن تحديد المفهوم لهذه الكلمة يقتضي الرجوع إلى أحد المعاجم العلمية الحديثة، ثم الاطلاع على رأي علماء الغرب، وعلماء العرب لكي يكون بالإمكان بعد ذلك القيام بمحاولة وضع تعريف محدد لهذا الاصطلاح7.
والشرق مصطلح غامض، جاء في “الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية”، أن: (الشرق هو اصطلاح ابتدعته أوروبا لكل أرض تقع وراء حدودها شرقاً إلى اليابان، بيد أن هذا المصطلح بدأ يتزحزح عبر قرون ليقتصر في مفهومه العام والغامض أيضاً على الشرق الأوسط وما فيها من أديان (عدا النصرانية؛ لأن الفكر الأوروبي لا يجب ربطها بالشرق) وثقافات أو حضارات مختلفة)8.
* الاستشراق لدى المفكرين الغربيين:
جاء في قاموس أوكسفورد الجديد أن المستشرق Orientalist هو: (من تبحر في لغات الشرق وآدابه)9. ويعرف الألماني رودي بارت الاستشراق بقوله: (كلمة استشرق مشتقة من كلمة “الشرق” وكلمة شرق تعني مشرق الشمس، وعلى هذا يكون الاستشراق هو علم الشرق أو علم العالم الشرقي)10.
وعند المستشرق ميكائيل أنجلو جودي الاستشراق هو: (الجمع بين الانقطاع إلى درس بعض أنحاء الشرق، وبين الوقوف على القوة الروحية والأدبية التي أثرت في تكوين الثقافة الإنسانية، وهو أيضاً تعاطي الحضارات القديمة، أو هو تقدير شأن العوامل المختلفة في تكوين التمدن في القرون الوسطى)11.
ويرى المستشرق الألماني المعاصر “ألبرت ديتريش” أن المستشرق: (هو ذلك الباحث الذي يحاول دراسة الشرق وتفهمه، ولن يتأتى له الوصول إلى نتائج سليمة ما لم يتيقن لغات الشرق)12.
أما مكسيم ودنسون – مستشرق فرنسي – فيعد الاستشراق بأنه (اتجاه علمي لدراسة الشرق الإسلامي وحضارته)13.
والملاحظ على هذه التعاريف:
 – أن الاستشراق هو علم14 الشرق، أو هو علم العالم الشرقي حسب بارت.
– أن المستشرق وهو الذي يقوم بعمل الاستشراق دوره الانقطاع إلى دراسة الشرق الإسلامي وحضارته.
– أن هذه الدراسة توجب على القائم بها اتقان لغات الشرق.
– عدم الاتفاق على إعطاء تعريف محدد بين واضع المعالم للاستشراق.
* الاستشراق لدى المفكرين العرب:
للمفكرين العرب تعريفات عدة للاستشراق، نقتصر على نماذج منها:
يقول إدوارد سعيد في بيانه لمعنى الاستشراق: (فكل من يقوم بتدريس الشرق، أو الكتابة عنه، أو بحثه-ويسري ذلك أكان المرء مختصاً بعلم الإنسان” انتروبولوجي”، أو بعلم الاجتماع، أو مؤرخاً، أو فقيه لغة “فيلولوجيا”- في جوانبه المحددة والعامة على حد سواء، هو مستشرق، وما يقوم هو أو هي بفعله هو مستشرق)15.
وعند الدكتور أحمد حسين الزيات: (يراد بالاستشراق اليوم دراسة الغربيين لتاريخ الشرق، وأممه ولغاته، وآدابه، وعلومه، وعاداته، ومعتقداته، وأساطيره)16.
وعند محمد حسين علي الصغير (هو بتعبير موجز دراسة يقوم بها الغربيون لتراث الشرق، وبخاصة كل ما يتعلق بتأريخه، ولغاته، وآدابه، وفنونه، وعلومه، وتقاليده وعاداته)17.
وعند مالك بن نبي (المستشرقين ذلك الكتاب الغربيين الذين يكتبون عن الفكر الإسلامي وعن الحضارة الإسلامية)18.
ويقرر الدكتور إسحاق موسى الحسيني أن (لفظة “استشرق”: ومشتقاتها مولدة استعملها المحدثون من ترجمة كلمة Orientation ثم استعملوا من الاسم فعلا، فقالوا استشرق: وليس في اللغات الأجنبية، فعل مرادف للفعل العربي، والمدققون يؤثرون استعمال “علماء المشرقيات” بدلا من “مستشرقين” ويؤثرون استعمال “عرباني” لدارسي العربية مقابلة للفظة Arabist، ولكن لفظة “استشرق” ولفظة “مستشرق” شاعتا شيوعاً كبيراً، ولا باس من استعمالها في بحثنا هذا)19.
والملاحظ على هذه التعاريف والآراء:
– الاستشراق هو دراسة الشرق والكتابة عنه، والبحث في جوانبه المحددة والعامة على حد سواء، وفاعل ذلك يسمى مستشرقا حسب إدوارد سعيد.
– الاستشراق هو دراسة الشرق من كل جوانبه حسب أحمد حسن الزيات ومحمد حسين علي الصغير.
– مالك بن نبي خص هذه الدراسة بالحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي.
– هذه الدراسات يقوم بها غربيون.
– لفظة “استشراق” ومشتقاتها مولدة عصرية.
وانطلاقا مما سبق نخلص إلى وضع تعريف لهذا المصطلح “الاستشراق”، وإن كان ضرب من المحال وضع تعريف جامع مانع له، إلا أننا سنحاول جعله شاملا لإبراز الجزئيات المميزة له، فنقول:
(الاستشراق لفظة مولدة عصرية، ويراد بها دراسة الغربيين المتقنين للغات الشرق للعالم الشرقي، وبخاصة كل ما يتعلق بتأريخه، وأممه، ولغاته، وآدابه، وفنونه، وعلومه، وعاداته، ومعتقداته وأساطيره، هذا بالمعنى العام، أما بالمعنى الخاص، فهو دراسة الغربيين المتقنين للغات الشرق للشرق الإسلامي وحضارته بوجه عام، أما ما يتعلق بتأريخه وعقائده، وعباداته، ومعاملاته، وتشريعاته، وآدابه وفنونه وعلومه بوجه خاص).
ومن يقوم بهذه الدراسات يسمى مستشرقا، مفرد مستشرقون.
إن الناظر في هذا التعريف والتعاريف السابقة عليه، يتساءل لماذا هذه الدراسات والأبحاث وجهت إلى الحضارة الإسلامية خاصة؟ لما لم يقتصر من يقوم بهذه الدراسات على دراسة حضارتهم؟ وما الجدوى من هذه الدراسات؟
طبعاً إذا ظهر السبب بطل العجب، وإلى أن يبطل العجب، فإن السبب سيظهر في مبحث ولما كان بحثنا هذا يتناول الاستشراق في علاقته بالعقيدة الإسلامية، فإننا سنقتصر على المعنى الخاص للاستشراق في دراسة باقي المباحث. 
المراجع:
1– معجم مقاييس اللغة لابن فارس، 3/264، تحقيق عبد السلام هارون، دار الفكر، 1399هـ/ 1979م.
2– الصحاح للجوهري، 4/ 1501، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الرابعة 1407هـ/1987م، دار الفكر للملايين، بيروت.
3– لسان العرب لابن منظور، 10/174-175، الطبعة الثالثة 1414هـ، دار صادر، بيروت.
4– الاستشراق والتاريخ الإسلامي للدكتور فاروق عمر فوزي، ص: 30، الطبعة الأولى 1998م، نقلا عن الاستشراق نشأته وأهدافه للدكتور حسن ضياء الدين عتر، ص: 26.
5– لسان العرب لابن منظور، 10/ 173-179، القاموس المحيط للفايروز آبادي، 3/ 248-249، تهذيب اللغة لابن منصور الأزهري، 8/ 316-321، الصحاح للجوهري، 4/ 1500-1501. تاج العروس لمرتضى الزبيدي، 6/ 391-395.
6– فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر للدكتور أحمد سمايلوفتش، ص: 21-22، ط 1418هـ 1998م، دار الفكر العربي-القاهرة.
7– المستشرقون والقرآن الكريم لمحمد أمين، ص: 12، الطبعة الأولى، 2004، دار الأمل للنشر والتوزيع – الأردن.
8– قاسم السمراني، ص: 107- 108، الطبعة الأولى، جمادى الأولى 1403هـ، منشورات دار الرفاعي للنشر والطباعة والتوزيع، الرياض.
9– فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر للدكتور أحمد سمايلوفتش، ص: 23، ط 1418هـ 1998م، دار الفكر العربي- القاهرة، نقلا عن الميتشرقين البريطانيين لآربري 7/ 8، ترجمة: محمد الدسوقي، مطبعة وليام كولينز بلندن، 1946م.
10– الاستشراق الإسرائيلي في المصادر العربية لمحمد جلاء إدريس، ص: 12، طبعة 1416هـ /1998م، العربي للنشر والتوزيع- القاهرة، نقلا عن الدراسات العربية الإسلامية في الجامعات الألمانية لرودي بارت، ترجمة: مصطفى ماهر، ص: 11، دار الكتاب العربي، 1967م.
11– الاستشراق أهدافه ووسائله لمحمد فتح الله الزيادي، ص: 16، الطبعة الأولى 1426هـ/ 1998م، توزيع دار قتيبة، نقلا عن محاضرة بعنوان “الشرق وتاريخ العمران” لجويدي.
12– المستشرقون والدراسات القرآنية لمحمد حسين الصغير، ص: 11، الطبعة الأولى 1420هـ/1999م، دار المؤرخ العربي- بيروت، نقلا عن الدراسات العربية في ألمانيا تطورها التاريخي ووضعها الحالي، ص: 7/ طبعة: 1968م.
13– رسالة دكتوراه بعنوان “الدراسات القرآنية في الاستشراق الألماني” من إعداد الطالبة: سحر جاسم عبد المنعم الطريحي، تحت إشراف الدكتور: محمد حسين علي الصغير، ص: 16، عام 1433هـ 2012م.
14– (هناك نقاش حول كنه الاستشراق من حيث كونه ظاهرة أو علماً، فبعض المفكرين المسلمين يرى أنه مجرد ظاهرة لا ترقى إلى أن تكون علماً، لافتقارها إلى مقومات العلم من حيث وجود نظرية وأطر علمية يسير عليها، مثله في ذلك مثل التنصير والاستعمار، بينما يرى مفكرون آخرون أنه علم قائم بذاته له أطره ومنهجيته وأهدافه ووسائله). انظر: “الاستشراق والدراسات الإسلامية” للدكتور علي بن إبراهيم الحمد النملة، هامش الصفحة 123، الطبعة الأولى 1418هـ/ 1998م، مكتبة التوبة.
15– الاستشراق المعرفة. السلطة. الإنشاء، ص: 38، ترجمة: كمال أبو ديب، الطبعة العربية الأولى، 1981م، مؤسسة الأبحاث العربية.
16– تاريخ الأدب العربي، ص: 512، الطبعة الثانية، دار نهضة مصر للطبع والنشر، الفجالة، القاهرة.
17– المستشرقون والدراسات القرآنية، ص: 11، الطبعة الأولى 1420هـ/ 1999م، دار المؤرخ العربي- بيروت.
18– القضايا الكبرى، ص: 167، طبعة 1420هـ / 2000م، دار الفكر بدمشق، وانظر كذلك “إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث”، ص: 5، الطبعة الأولى 1388هـ/ 1969م، دار الرشاد للطباعة والنشر والتوزيع-  بيروت.

19– فلسفة الاستشراق للدكتور أحمد سمايلوفتش، ص: 30، ط 1418هـ 1998م، دار الفكر العربي- القاهرة، نقلا عن الاستشراق نشأته وتطوره وأهدافه لإسحاق موسى الحسيني، ج 1، مطبعة الأزهر، 1967م، الأزهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى