غايات الاستشراق وأهدافه

thumbnail
غايات الاستشراق وأهدافه
 
إن معرفة الدوافع الحقيقية للاستشراق هي التي تحدد الأهداف التي يسعى إلها المستشرقون بعنايتهم بدراسة الإسلام والمسلمين، فهذا العدد الهائل من المستشرقين في كثير من بلاد العالم الذين سخروا كل جهودهم، بل وأفنوا أعمارهم في دراسة وتحليل حضارة غربية عنهم، بالتعاون مع الدوائر الاستعمارية، كل ذلك يحمل في طياته أهدافاً كبيرة يسعى هؤلاء لتحقيقها والاستفادة منها، ولعل أهم هذه الأهداف:
الهدف الديني التبشيري
ذهب “رودي بارت” إلى أن الهدف الرئيسي من جهود المستشرقين في بدايات الاستشراق في القرن الثاني عشر الميلادي وفي القرون التالية له: هو التبشير، وعرفه بأنه إقناع المسلمين بلغتهم ببطلان الإسلام، واجتذابهم إلى الدين المسيحي، ويمكن الاطلاع على هذا الموضوع في الكتاب الكبير الذي وضعه “نورمن دانيل” باسم: الإسلام والغرب (1960)1.
إن عمل المستشرقين لم يكن منفصلا عن عمل المبشرين، بل كانت مهمة كل من الطائفتين تدخل في الأخرى، وقد أكد الأستاذ محمد البهي تهم المستشرقين التبشيرية بكتاب سماه (المبشرون والمستشرقون في موقفهم من الإسلام)2بين فيه موقفهم من الإسلام، حيث أنهم ساروا على طريقة المبشرين بالغض من مكانة القرآن والإسلام من أجل تقليل أهمتها وتشكيك المسلمين بها.
ويمكن تلخيص هذا الهدف فيما يلي:
– تنفير المسلمين من دينهم وحملهم على كراهيته.
– تشويه الإسلام، والتشكيك في أسسه وتوجيه المطاعن له.
– تشويه التاريخ الإسلامي، وتشويه حضارة المسلمين، وكل ما يتصل بالإسلام من علم وأدب وتراث.
– نبش الحضارات القديمة وإحياء معارفها وبعث الطوائف الضالة والحركات الهدامة القديمة.
– تزيين ما في المسيحية من تعاليم وأحكام.
– استدراج المسلمين للأخذ بالحضارة المادية الحديثة، وما فيها من مغريات للنفوس، ومرضيات للأهواء، وآسرات للشهوات، وباهرات للنظر.
2-الهدف الاستعماري
يتجلى الهدف الاستعماري في السيطرة على بلدان العالم الإسلامي وعلى الشعوب الإسلامية، طمعاً باستغلال الأرض واستعباد الناس والسيطرة على كل شيء لتحقيق أهواء النفوس وشهواتها، وأن يكون لهم العلو في الأرض3.
ولعل أخطر هدف استعماري حاول المستشرقون وأتباعهم تنفيذه هو محاولة القضاء على اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن، وأحد المقومات الأساسية للوحدة العربية، فقد تعرضت هذه اللغة إلى محاولات عديدة كادت أن تعصف بها وتطمسها في أجزاء كثيرة من بقاع العالم العربي، وأخص بالذكر تونس والجزائر والمغرب ومحاولة الفرنسة في هذه الدول، وفي الوقت الحاضر يقوم المستشرقون بتبني ما هو أخطر من ذلك وأفظع، فهم يحاولون إجهاض اللغة العربية عن طريق توجيه الدراسات العليا في كثير من الجامعات العربية والغربية من دراسة الفصحى إلى دراسة العامية، وتعميق البحث في اللهجات المحلية التي يتعامل بها كل قطر4.
3-الهدف العلمي:
ويتمثل هذا الهدف في:
أ-البحث للمعرفة والاطلاع على حضارات الأمم وأديانها، وثقافاتها، ولغاتها، وهؤلاء كانوا أقل خطأ ف فهم الإسلام وتراثه، لأنهم لم يكونوا يتعمدون الدس والتحريف، فجاءت أبحاثهم أسلم من أبحاث كثير من المستشرقين، رغم وجود الخطأ فيها.
ب-البحث لمعرفة الدين الإسلامي والعمل على نقله مشوهاً إلى الجماهير الأوروبية لإيهام العالم المسيحي أن الإسلام دين لا يستحق الانتشار، ثم تطور الأمر إلى محاولة زعزعة المثل العليا للإسلام في نفوس المسلمين وإثبات تفوق الحضارة الغربية5.
4-الهدف الاقتصادي:
يتجلى هذا الهدف في:
– الاعتماد دائما على المستورد الغربي دون التفكير في استغلال الموارد والتصنيع المحلي6.
– تحصيل الأموال والمطامع الاقتصادية7.
– شراء مواردنا الطبيعية الخام بأبخس الأثمان، ولقتل صناعتنا المحلية التي كانت لها مصانع قائمة مزدهرة في مختلف بلاد العرب والمسلمين8.
من خلال ما سبق يتضح أن للاستشراق أهداف عديدة، فبقدر ما تحدد الدوافع بقدر ما تعددت الأهداف، وأن القاسم المشترك بين هذه الأهداف هو محاولة القضاء على الإسلام والمسلمين.
المراجع:
1– المستشرقون والدراسات القرآنية للدكتور محمد حسين علي الصغير، ص: 13، الطبعة الأولى 1420 -1999م، دار المؤرخ العربي-بيروت-نقلا عن الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية، ص: 11، ترجمة الدكتور مصطفى ماهر، دار الكاتب العربي، القاهرة، 1967م.
2– انظر الكتاب، طبعة مارس 1964، مطبعة جامع الأزهر-مصر.
3– أجنحة المكر الثلاثة لعبد الرحمان حسن حبنكة الميداني، ص: 128-130، الطبعة الثامنة 1420هـ / 2000م، دار القلم-دمشق، وانظر كذلك كتاب الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري للدكتور محمود حمدي زقزوق، ص: 75، دار المعارف-القاهرة.
4– ظاهرة انتشار الإسلام وموقف بعض المستشرقين منها، ص: 82 -83.
5– أهداف الاستشراق ووسائله للدكتور سعد آل حميد، ص: 6-7، بدون طبعة.
6– الاستشراق أهدافه ووسائله، ص: 45.
7– أجنحة المكر الثلاثة، ص: 131.
8– الاستشراق والمستشرقين ما لهم وما عليهم، ص: 23.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى