في معنى التراث: ماذا يقصد به؟

thumbnail
     في معنى التراث: ماذا يقصد به؟
 
 
     يعتبر مفهوم التراث من المفاهيم التي عرفتها اللغة العربية منذ زمن بعيد، فهو ذات أبعاد ودلالات مختلفة، هذا المفهوم شكل مبحثا هاما في الفكر العربي المعاصر، باعتباره مفهوما يتخطى حدود الماضي ومشكلاته إلى قضايا الحاضر والمستقبل.
 
     التراث في اللغة والاصطلاح:
 
     – لفظة التراث في اللغة:
 
     التراث لفظة مشتقة من مادة (و. ر. ث)، جاء في لسان العرب: “ورث: الوارث: صفة من صفات الله عز وجل، وهو الباقي الدائم الذي يرث الخلائق، ويبقى بعد فنائهم، والله عز وجل يرث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. أي: يبقى بعد فناء الكل، ويفنى من سواه، فيرجع ما كان ملك العباد إليه وحده لا شرك له.
 
     ورثه ماله ومجده، وورثه عنه ورثًا ورثةً ووراثةً وإراثةً.
 
     وأورث الرجل ولده مالا ًإيراثا حسنا. ويقال: ورثت فلانا مالا أرثه ورثًا وورثًا إذا مات مورثك، فصار ميراثه لك”1.
 
    و”ورّثته المال، وورثته منه وعنه، حزت الإرث والميراث، وأورثنيه وورّثنيه، وهم الورثة والورّاث.
  
    ومن المجاز: أورثه كثرةُ الأكل التُّخَمَ والأدواء، وأورثته الحمى ضعفا، وهو في إرث مجد، والمجد متوارث بينهم”2.
    وفي معجم العين للخليل أحمد الفراهيدي، نجد أن أصل استعمال هذه اللفظة، هو للدلالة على البقاء والدوام، يقول: “الإيراث: الإبقاء للشيء… يورّث أي يبقى ميراثا”3.
 
     وفي القرآن الكريم، وردت لفظة “التراث” في قوله تعالى:﴿ وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمَّا4، أي تأكلون الميراث من أي جهة تحصل لكم من حلال أو حرام5.
 
    وفي قوله تعالى:﴿ يَرِثُني وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا6، وف تفسير هذه الآية، يقول الشوكاني: “فليس المراد هنا وراثة المال، بل المراد هنا وراثة العلم والنبوة والقيام بأمر الدين”7، وفي هذا يورد الشيخ الطاهر بن عاشور حديثا رُوي “عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وأبي صالح عن النبي-صلى الله عليه وسلم-مرسلا أنه قال: يرحم الله زكريا ما كان عليه من وراثة ماله فلعله خشي سوء معرفتهم بما يخلفه من الآثار الدينية والعلمية. وتلك أعلاق يعز تلاشيها، ولذلك قال:﴿ يَرِثُني وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ ﴾فإن نفوس الأنبياء لا تطمح إلا لمعالي الأمور ومصالح الدين، وما سوى ذلك فهو تبع”8، وقد وردت لفظة “التراث” ومشتقاتها في مواضيع أخرى في القرآن الكريم، وقد دلت على معنيين؛ الأول مادي، والآخر معنوي.
 
    كما ذكرت هذه اللفظة في السنة النبوية، وقد جاءت بصيغة: “ورثة”، “يورثوا” و”ورثوا”، يقول صلى الله عليه وسلم: “وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء، لم يورِّثوا دينارا ولا درهما، إنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ”9، بمعنى أنا الذي يورث عن الأنبياء هو العلم، وورثة العلم هم العلماء.
     وفي الشعر، جاء في معلقة عمرو بن كلثوم10:
 
     ورِثنا مَجدَ عَلقمةَ بن سيفٍ          أباح لنا حصونَ المجدِ دِينَا
     ورَثتُ مُهَلْــــــــهِلا والخيرَ منهُ          زُهَيْـــــــــــــــرا نِعْمَ ذُخْرُ الذَّخِرِينَا
     وعَتَّاباً وكُلْثومًــــــــــــــــــــــا جميـعًا          بِهِــــــــــــــــــمْ نِلْنا تُراثَ الأَكْرَمِينَا
 
     ومعنى ذلك: “أننا ورثنا مجد هذا الرجل الشريف من أسلافنا وقد جعل لنا حصون المجد قهرا وعنوة، أي غلب أقرانه عن المجد، ثم أورثنا مجد ذلك، فيقول ورثت مجد مهلهل المختلفة في المناسبات، كطقوس الزواج والميلاد والسبوع والوفاة، والختان والزرع والحصاد والرعي ونحوها، بل يتسع ليشمل سلوكيات الأفراد في حياتهم اليومية وعلاقتهم بالآخرين”11.
 
    هذا ما يخص المعنى اللغوي للفظة “التراث”، فهي لا تكاد تخرج عن معنيين، الأول حسي مادي، والثاني معنوي.
 
     – التراث اصطلاحا:
 
    أما اصطلاحا، فإن لمصطلح التراث معاني متعددة، هذه المعاني تختلف وتتنوع باختلاف المتناولين له.
 
    يعرفه حسن حنفي بأنه: “كل ما وصل إلينا من الماضي داخل الحضارة السائدة فهو إذن قضـية موروث وفـي نفـس الوقـت قـضية معطى حاضر على عديــد من مستويات”12، كما يعتبر أن “كل ما وصل إلينا من الماضي داخل الحضارية السائدة، فهو إذن موروث وفي نفس الوقت قضية معطي حاضر على عديد من المستويات”13، بمعنى أن كل ما خلفه القدامى سواء أكان ماديا أو معنويا، فهو يدخل ضمن هذا المصطلح.
 
     والتراث أو الموروث عند عبد الله العروي، هو: “مجموعة من الأشكال الكلامية أو السلوكية، انحدرت إلينا من الأجيال السالفة، في نطاق التراث تتساكن المنجزات على مستوى واحد، لا يضاف أي قسم منها إلى شخص بعينه ولا يمتاز جزء عن الآخر بكونه أقدم وأعرق… وبالتالي تعني كلمة تراث كل ما هو موروث في مجتمع معين عن الأجيال الغابرة: العادات، الأخلاق، الآداب، التعابير والتنظيمات، وهذا المعنى هو بالضبط ما تؤديه كلمة تراث”14.
 
     وعند محمد عابد الجابري بقوله: “هو الجانب الفكري في الحضارة العربية الإسلامية، العقيدة الشرعية، اللغة، الأدب الفن، والكلام والفلسفة، والتصوف، كما يشير إلى أن لفظة “التراث” لم ترد في الخطاب العربي القديم، إنما هو لفظ ظهر حضوره بعد اليقظة العربية الحديثة التي عرفتها الأقطار العربية15.
 
     أما طه عبد الرحمان، فيعرف التراث بقوله: “على الإجمال عبارة عن جملة المضامين والوسائل الخطابية والسلوكية التي تحدد الوجود الكسبي أو الإنتاجي للإنسان المسلم العربي على مستوى قيم مخصوصة، بقي بعضها على حال الاعتبار وصار بعضها على حال الإلغاء، إن طموحا في الترقي أو في التردي”16، وفي موضع آخر في كتابه “تجديد المنهج في تقويم التراث”، يرى بأن “التراث ليس مجرد تركة، إنه يلازمنا تاريخا وواقعا، أي ليس ماضيا وفقط، بل ماض يعيش في الحاضر”17.
 
     ويعرف محمد جميل مبارك، التراث بقوله: “بأنه تركة مادية أو معنوية يخلفها السابق للاحق لرابطة بينهما”18، وفي إطار هذا التعريف نجد أكرم ضياء العمري يؤصل هذا التعريف للتراث الإسلامي، فيقول: “التراث الإسلامي هو ما ورثناه عن آباءنا من عقيدة وثقافة وقيم وأدب وفنون وصناعات وسائر المنجزات الأخرى المعنوية والمادية، ومن ثم فلن يقتصر التراث على المنجزات الثقافية والحضارية والمادية بل يشمل الوحي إلهي”19.
 
     وعند برهان غليون: “التراث شيء ناجز، ومنتهى من الماضي، سواء كان ذلك الشيء مجموعة من المؤلفات أو من القيم والتصورات التي مازالت حاضرة جزئيا في حياة الناس وسلوكهم، وليس من قبيل المصادقة، إننا أصبحنا نتحدث نحن أيضا، وبشكل لا سابق له عن التراث، ونقصد به ثقافتنا العربية المعاصرة20.
 
     ويعرفه إسماعيل سيد علي، ﺑــــ: “المخزون الثقافي المتنوع والمتوارث من قبل الآباء والأجداد والمشتمل على القيم الدينية والتاريخية والحضارية والشعبية، بما فيها من عادات وتقاليد سواء كانت هذه القيم مدونة في كتب التراث أو مبثوثة بين سطورها أو متوارثة أو مكتسبة بمرور الزمن، وبعبارة أكثر وضوحا: إن التراث هو روح الماضي وروح الحاضر وروح المستقبل، بالنسبة للإنسان الذي يحيا به وتموت شخصيته وهويته إذا ابتعد عنه أو فقده”21.
 
     ويرى فاروق خورشيد، أن التراث هو: “ لمصطلح الشامل الذي ننطقه لنعني به عالما متشائكا من الموروث الشعبي الحضري، والبقايا السلوكية التي بقيت عبر التاريخ، وعبر الانتقال من بيئة إلى بيئة، ومن مكان إلى مكان في الضمير العربي للإنسان المعاصر… وهو بهذا المصطلح يضم البقايا الأسطورية أو الموروث الميثولوجي للعرب القديم، كما يضم الفولكلور النفعي سواء ظل على لغته الفصحى أو العامية. هذا المصطلح أيضا المدون والشفوي هو تراث منقول عبر المكان والزمان وظل يقاوم كل محاولات طمسه حتى وصل إلينا بصورة محددة واضحة في المطبوع من هذا الأدب22.
 
     كما يرى محمد النجار، أن التراث هو: “كل أنماط الإبداع الشعبي الشفوي المدون التي تنطوي عليها الثقافة الشعبية والمتمثلة في الكلمة والنغمة والحركة، وتشكيل المادة، ابتداء من الإبداع الأدبي كالملاحم والتمثيل الشعبي والحكايات الشعبية والأمثال والعبارات الدارجة، والألغاز الشعبية وانتهاء بجمالية الطقوس والمعطيات، والعادات والتقاليد والمعارف الشعبية”23.
 
     ويقول غالي شكري: ” التراث في حياتنا لا يبدأ بالكلام المكتوب، أو المحفوظ، أو المقروء، أو المسموع، وإنما هو يبدأ من القيم والعادات والتقاليد ذات الطابع العلمي، أي التي تنعكس في سلوك الأفراد والجماعات انعكاسا فعليا… التراث ليس هو كل الماضي، بل هو كل الأجزاء القادرة على تلبية الاحتياجات الموضوعية للتقدم، فالعودة إلى التراث لا يعني مطلقا العودة إلى الماضي، ولا انتدابه بديلا للحاضر، فالزمن لا يعود، ولكن المقصود هنا الحوار مع التاريخ بالدخول في سياقه”24.
 
   وكخلاصة، يمكن القول إن التعاريف الاصطلاحية المقدمة لمصطلح “لتراث” قد تعددت وتنوعت، ولم يقع الإجماع بين النقاد والمفكرين بخصوصه، فقد رأينا كيف يختلف معناه من مفكر إلى آخر، بين موسع ومقيد له، كل حسب رؤيته التي تحركه وخلفيته التي ينطلق منها لغرض الحشد والتأييد لمشارعهم الفكرية، الشيء الذي نتج عن هذا الاختلاف استحالة إيجاد تعريف واحد جامع مانع له كما يقول المناطقة.
    المراجع:
1– لسان العرب، لابن منظور، 1134/15، مادة ورث، تحقيق محمد أحمد حسب الله، هاشم محمد الشاذلي، وعبد الله علي الكبير، بدون طبعة، دار المعارف القاهرة.
2– أساس البلاغة، لجار الله أبو القاسم الزمخشري، الصفحة: 670-671، مادة “ورث” طبعة 2004م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.
3– معجم العين، للخليل أحمد الفراهيدي، 234/8، باب الثاء والراء، تحقيق إبراهيم السمرائي، ومهدي المخزومي، طبعة 1985م، دار الحرية للطباعة، بغداد.
4– سورة الفجر، الآية: 19.
5– تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 544/4، طبعة 1997م، دار المعرفة، بيروت.
6– سورة مريم، الآية: 6.
7– فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير، للشوكاني، 322/3، طبعة 1993م، بيروت.
8– تفسير التحرير والتنوير، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، 66/16، بدون طبعة، دار سحنون للطباعة والنشر، تونس.
9– سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، باب في فضل العلم، رقم الحديث: 3641.
10-شرح المعلقات السبع، للزوزني، الصفحة: 333-334، بدون طبعة، مكتبة دار المعارف بيروت.
11-آثار التراث الشعبي في الأدب الحديث، لحلمي بدير، الصفحة: 13، الطبعة الأولى 2003م، دار الوفاء، الإسكندرية.
12– التراث والتجديد موقفنا من التراث القديم، لحسن حنفي، الصفحة: 13، الطبعة الرابعة 1992م، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت.
13-نفس المرجع السابق، نفس الصفحة.
14-ثقافتنا في ضوء التاريخ، لعبد الله العروي، الصفحة: 191-192، طبعة 2002م، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء-المغرب.
15-التراث والحداثة، لمحمد عابد الجابري، الصفحة: 23-30، الطبعة الأولى 1991م، مركز الدراسات الوحدة العربية.
16-سؤال المنهج، لطه عبد الرحمان، الصفحة: 43، الطبعة الأولى 2015م، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت.
17-تجديد المنهج في تقويم التراث، لطه عبد الرحمان، الصفحة: 19، الطبعة الثانية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
18-مفهوم التراث محددات ومفاهيم لمحمد جميل مبارك، الصفحة: 89، ندوة منعقدة بكلية الآداب بفاس، بعنوان: نحو منهجية للتعامل مع التراث الإسلامي، الطبعة الثالثة 1993م، بيروت للنشر.
19-التراث والمعاصرة، لأكرم ضياء العمري، الصفحة: 27، الطبعة الأولى 1999م، دار الصحوة للنشر، القاهرة.
20-اغتيال العقل، لبرهان غليون، الصفحة: 38، الطبعة الخامسة 2009م، المركز الثقافي العربي، بيروت.
21-آثار التراث في المسرح المعاصر، لإسماعيل سيد علي، الصفحة: 64، طبعة 2007م، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، الكويت.
22-الموروث الشعبي، لفاروق خورشيد، الصفحة: 12، الطبعة الأولى 1992م، دار الشروق.
23-توفيق الحكيم والأدب الشعبي، أنماط من التناص الفولكلوري عن الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، لمحمد رجب النجار، الصفحة: 8، الطبعة الأولى 2008، الكويت.
24-النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث، لغالي شكري، الصفحة: 130، طبعة 1982م، دار الطليعة، بيروت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى