في معنى الحداثة السياسية

thumbnail
في معنى الحداثة السياسية
 
 
   وتتمثل أساسا بما حدث من فصل بين دائرة الحياة العامة الاجتماعية والحياة الخاصة الشخصية وظهور الدولة الديموقراطية العلمانية التي يتم فيها التمييز بين المجال السياسي والمجال الديني1.
   وسيادة الشعب من خلال ممارسة حريته داخل الدولة، فالحداثة في الداخل الأوروبي هي فرد حر مرجعيته العقل و المجتمع و المصالح المتبادلة بين أفراد أحرار ودولة قانون وضعي تمثل تحقيق العقل المطلق3.
    يحاول حسن محمد شافعي إرساء تعريف الحداثة السياسية على تمييز أساسي بين الدولة القديمة والدولة الحديثة مؤكدا أن كلمتي قديم وحديث ليست لهما دلالة كرونولوجية بل تشيران إلى البنية الأساسية للدولة بنية تتعالى على الزمن التاريخي يتضح إذن تعريف الحداثة السياسية يمر بالضرورة عبر تعريف الدولة الحديثة وهوما يمكن القيام به إلا بعد تعريف نقيضها أي الدولة العتيقة التي يقصد بها بارلي حسب حسن محمد الشافعي مجموعة بشرية منظمة أو جماعة سياسية تتوفر على الحاجيات الأساسية للعيش وتتمتع بالاكتفاء الذاتي وذلك بغض النظر عن حجم إقليمها وسكانها وعلى النقيض منذ ذلك تتأسس الدولة الحديثة على كيان منقسم إلى عنصرين متمايزين الدولة بالمعنى الدقيق والتي تحيل إلى الفضاء السياسي من جهة و المجتمع بالمعنى الضيق والذي يشكل ما يسمى بالمجتمع المدني من جهة أخرى ويؤدي هذا الانفصال بين الدولة والمجتمع إلى ظهور مجالين متمايزين مجال عام أي مجال الدولة ومجال خاص أي مجال مجتمع و بالموازاة مع ذلك يصبح للإنسان بدوره كيانين متكاملين فهو مواطن من حيث كونه عضو في الدولة وهوما يسمح له بالمشاركة في الحياة السياسية ومن جهة أخرى فهو فرد يتمتع بموجب هذه الصفة بالحرية الفردية التي تتيح له أن يعيش حياته الشخصية التي يمارس فيها أنشطته الخاصة وبالتالي فإن الفصل بين الدولة و المجتمع يتيح للإنسان الانفلات من فوضى الجماعة والتمتع بحقه في الوجود كفرد مستقل يتبين إذا أن مفهوم الحداثة السياسية يتأسس إلى الفصل بين الدولة و المجتمع وهو فصل تكون له انعكاسات على مستويين مستوى علاقة الإنسان بالدولة وهو ما يتجلى في ظهور المواطن و مستوى علاقة الإنسان2بالمجتمع وهو ما يتجلى في ظهور الفرد وبذلك يتضح أن تعريف الحداثة السياسية باعتبارها انفصال بين الدولة والمجتمع مجرد عنوان لمنظومة فكرية متكاملة تتقاطع فيها مجموعة من الثنائيات الدولة و المجتمع، المجال العام والمجال الخاص، المواطن والفرد، الحياة العامة والحياة الخاصة.
 
   تعتبر الحداثة السياسية أهم تجليات الثقافة الغربية والتي تجسدت في الانتقال من الدولة الدينية التي شهدتها العصور الوسطى في الغرب إلى الدولة القومية والتي أنتجت مقالات الديموقراطية والليبرالية والمجتمع المدني والبرغماتية و العلمانية و التي تعبر أبرز آلياتها في هذا الشأن للحد من سلطة الكهنوت بسحب ممتلكات الدولة من السلطة الدينية لمصلحة المجتمع المدني، ومفهوم الحداثة السياسية لم يكن محل اتفاق بين الفلاسفة فقد رأى ميكيافيلي في السياسة عملا منزوع القيمة وأن الأخلاق والقيم الدينية ليس لها حظ في عالم السياسة كما جاء في كتابه الأمير3، إن التجريد الملازم بدولة السياسية من حيث هي كذلك، لا ينتمي إلا إلى العصور الحديث، لأن تجريد الحياة الخاصة، لا ينتمي إلى العصور الحديثة4، في العصور الوسطى كانت حياة الشعب حسب محمد سبيلا و حياة الدولة متطابقين فالإنسان هو المبدأ الواقعي للدولة… إن العصور الحديثة هي ثنائية مجردة، هي التعارض المجرد المفكر فيه، إذ الغالي المجرد للدولة تحت شعار الدستور والكيان الشكلي للفرد تحت شعار الملكية الخاصة هي السمات التي تميز البنية السياسية للحداثة…. تعرف الحياة السياسية نفسها بأنها تراتب متكامل من العلاقات ن هيمنة الدولة البيروقراطية إنما مع تقدم الحداثة.
 
   ليست فكرة الجمهورية هي المدينة التي يحكم فيها الرجال الأحرار الرجال الأحرار، طوبائية أفلاطونية، أو ديموقراطية مؤجلة دائما، بل هي ديموقراطية ماثلة خارج المنظومات القائمة من فكريات ومؤسسات دولية، مهما ادعت هذه أنها تجسيد لها، إن الديموقراطية تعبير غير تنظيمي عن هوامش المعنى المتروكة خارج كل تنظيم مؤسسي. فهي تبني مجتمع الحريات مقابل مجتمع المصالح، وإذا كان الثاني قد أثبت غلبته في مختلف أحقاب التطور الحضاري تحت وطأة التوازنات التي تفرضها صراعات المصالح، فليس ذلك إلا لأن الصراع المصالح يفترض كذلك حرية بلا حدود ولا ضوابط.
 
   هكذا أفهمت الليبيرالية في الغرب الأوروبي وقد صاحبها تقييم سلبي، في حين أن الليبيرالية في أمريكا ثمنت الخروج عن المحافظة، وشارفت بعض مفاهيم اليسار الأوروبي. على كل حال فإن ثمة فهوة بين الحرية كمعنى وبين توظيفها السياسي والقانوني. فإن فيلسوف العدالة …. في أمريكا راولز حاول أن يستخلص للعدالة ما يشبه المبادئ الثابتة، لكن دون أن يمنع ذلك من تعددية المفاهيم حول الخير أو الصالح العام حسب التعبير الإجرائي.
 
   شكلت الدولة الاجتماعية معيارية مستقبلية للحداثة الديموقراطية، فإن العالمية تستقبل بسرعة مع الألفية الثالثة، إنزياح المعيارية نحوها، باعتبارها محل المحادثة الواقعية للكونية وبالتالي فإن الكوسموبوليتية هي مآل السياسات الخارجية للدول إذ تصبح هي المنوطة بها سياسة الدول جميعها داخل العالم. وليست الكوسموبوليتية دولة العالم ولا تحتاج إلى أية صيغة لسيادة الشمولية، تنتقص من سيادات الدول المستقلة، بل تغدو هي حارسة السيادات الخاصة بالدول كمفردات مؤلفة لمجتمع الإنسانية5.
 
   إن إعلان استقلال الو.م.أ المتضمن مجموعة من الحقوق التي تحمل في رحمها الحداثة السياسية وهي حقوق أساسية سبق وأن دعا إليها كل منجون لوك ومنتيسكيو وتتمثل وظيفة الحكومة في ضمان هذه الحقوق تحت طائلة اسقاطها من طرف الشعب الذي يتمتع بحقوق مستقلة و متعالية على الدولة والسلطة، تأسست الحداثة السياسية في فرنسا على أنقاض التنظيمات الاجتماعية القديمة، النبلاء الكنيسة مما سمح بظهور المواطنين والفرد الذي يشارك مباشرة في الحياة السياسية الدولة لا تبقى منقطعة عن المجتمع وغير مكترثة بحاجياته فهي تهتم بمشاكله وتدعم مبادراته وجهوده عن طريق تزويده بخيرات وخدمات تكون رهن إشارة الجميع كما أنها تخفف من حدة اللامساواة والفوارق الاجتماعية بفضل مجموعة من ميكانيزمات إعادة التوازن واعادة التوزيع حدا أدنى من الموارد للفئات الغير محظوظة وتمارس التمييز الإيجابي، من المعلوم أن التحولات الكبرى التي عرفها الغرب الأوروبي و التي مهدت لظهور الحداثة الغربية كانت تحولات ذات أبعاد متعددة يتداخل فيها الاجتماعي و الاقتصادي والثقافي و السياسي والديني إلى حد يصعب معه عزل هذه الأبعاد عن بعضها البعض وبمعنى آخر يمكن القول أن فكر وسلوك الإنسان الحداثي يحتكمان إلى إطار مرجعي يشكل كلا موحدا و يصعب التمييز فيه بين الفكر و السلوك في المجال السياسي وباقي المجالات الأخرى أي أن الحداثة تعبر عن انتقال من حالة للفكر إلى حالة أخرى تتداخل فيها مختلف أبعاد حياة الإنسان تداخلا يكون فيه كل بعد مشروط بالأبعاد الأخرى بشكل تنطوي معه كل محاولة لعزل بعد عن الآخر على تعسف كبير لا يمكن أن يستساغ إلا لأغراض منهجية بحتة6، قد يصل الأمر بالبعض من الجمهوريين الحداثيون في أوروبا الغربية إلى حد الفصل القاطع بين القومية وظيفة الدولة القائمة على بناء المشروع المدني وحده الذييتضمنه خيار المواطنة وجمهوريتها القائمة على الأحقية الإنسانية وحدها ذلك أن جواز المرور من الإثني إلى المدني يضل مرهونا بانفتاح الهوية تلقائيا على الهوي النقدي يتوسط خيار مشروع الدولة على أن تهتم الدولة في صياغتها الحداثيون بما هي سيادة الشعب الحر على كافة شؤونها كما أرسى مبدعها كانط خاصة حسب عبارته الشهيرة على لسان مطاع صفدي الواحد للجميع والجميع للواحد يقرون الأمر عينه الذي يغدو تشريعيا فلا يترك أمر التشريع للحاكم وحده بالنيابة عن السلطة الغيبية المفارقة كما هو الحال قبل الثورة الفرنسية ولا يغدو التشريع محل عقد بين الحاكم والشعب تطبيقا لنظرية العقد الاجتماعي عند روسو بل يصبح التشريع مرادفا لسلطة الشعب على أحواله ومصيره العام متحدا بإرادته وحده فالحاكم ليس سوى منفذ المنتخب لهذه الإرادة ويستمد مشروعيته من إرادة ناخبيه هذه دائما، ليس ثمة عقد بين السائد والمسود فالدستور و القانون هما معا نتاج اتفاق الشعب مع ذاته والحاكم يخرج من هذا الشعب عندما يتم اختياره من قبل المؤسسات المشروعية القائمة.

   إن الحداثة السياسية عانت أصعب تجاربها التاريخية الرهيبة تحت وطأة السرديات الهوية تضمينية وخاصة في أوروبا في القرنين 19 و20 ولم يمكن فهم المتحد السياسي وانشاؤه منزاحا عن السلالية العنصرية، إلا بعد استهلاك ساحق للأنظمة الترميزية المصاحبة للقطيعات المعرفية وانعكاساتها التسويغية على وقائع الحروب العالمية الكبرى، التي أخذت في مجموعها الصيغة الأهلية لأنها كانت صراع تمييز والإقصاء فيما بينها بين العائلات الموصوفة بالمتقدمة على الإحتكار الكلي و الهوي الإنساني لصالح نموذج المتحد العنصري وقواه المتمسكة بخطابات هوية التصنيم القسوية هكذا يكتشف الفلسفي أن إشكالية العلاقة بين الأمة و الدولة واستباقية إحداهما على الأخرى قد استوعبتها كليا مرحلة القوميات التي أذنت بتشكيل استقطاب جديد وراهن مع الخاصية الجمهورية المميزة لمواطنية من النوع الثالث وربما الأخير و الاختلاف كليا و هي مواطنية المدنية ودولتها المسماة بالجمهورية الحقيقة أي تلك الدولة التي تنتهي إلى إلغاء التمايز بين الحاكم والمحكوم بناء على اضمحلال قانون السلطة نفسها وسيادة مبدئية المواطنة الحرة المؤسسة لمنهجية القومية الحداثية كعنوان تاريخي للمنعطف المنتظر نحو قيام صيغة المدنية الوطنية، في اللحظة الراهنة من سيادة فلسفة المواطنة فإن التمييز والتمايز يتشبث بالفوارق التقليدية والمتجددة بين الحضاري و المدني والحضاري هنا هي اللفظة المخففة التي تطلق على خانة الشعوب التي لا تزال أسيرة لثقافتها المتوارثة و المتشبثة بطقمسه هوية ثبوتية تعكس وجه الماضي وتدير ظهرها ضد الآتي1 و في التصنيف العام فإن اتباعات السياسات الأقومية داخل المجتمع في الجنسية والتعددي في الانتماءات العرقية واللغوية و المجتمعية والمسمية بالمتحدية يواجه إشكالية الفصل و الإقصاء ضمن الوعاء الواحد7.
 
   وفيما يخص علاقة السياسة بأنظمة الحكم فشروط تأسيس الحداثة ترجع إلى القرن 16حيث بداية التركيز على قدرات الإنسان الذي حل محل رجال الكنيسة والكهنوت فنادى ديكارت بقوله لا يمكن أن يوجد الأنا إلا إذا كان يمارس عملية التفكيرالكائنات الأدنى، و هذا غاليلي الذي تمكن من إقتحام التاب والديني القائل أن الأرض هي مركز الكون ليثبت بأنها ليست كذلك فأحرقته الطبقة السياسية الإقطاعية المعادية للحرية مدعمة بطاقمها من رجال الدين و هذا المصطلح الديني المتنور، لوثر يهاجم المبادئ الكاثوليكية ليعلن إصلاحه المشهور هذا إضافة إلى تعدد الإكتشافات العلمية وظهور آلة الطباعة والدعوة الملحة إلى ضرورة تحرير الإنسان لكن و بالإجماع تعتبر مرحلة القرن 18 مرحلة بناء الأسس الفلسفية للحداثة هذا وقد لعبت الثورة الفرنسية دورا مهما في تفويض الأسس الكنيسة المبنية على أساس مشروعية الدستور واحترام حقوق الإنسان، لصالح جذور الحداثة وذلك بتأسيس الدولة البورجوازية الحديثة المسماة بالدولة المركزية الديموقراطية المبنية على أساس مشروعية الدستور واحترام حقوق الإنسان، وتركيز الحداثة على الدولة الحديثة يجب أن تبنى على أساسيات المؤسسات القانونية وحق المواطنة والتعبير واحترام الحقوق والواجبات، فأصبحا الفرد يتمتع بكيانه المستقل الذي أصبح يميزه عن الحياة العامة، وهذا يدل على تأسيس مشروعية الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي الذي من أهم ميزاته التمتع بالحرية الشخصية التي تعني احترام المسؤولية8.
 
   يرى عدد من الباحثين أن الحداثة بقية محكومة بقوانين و قواعد المكان والزمان التي لم تمكنها من أن ترقى إلى مستوى نمط العيش أو الوجود الحداثي بل ضلت مجرد فكرة مجردة يحكمها التوجه الرومنسي الطامع لتحقيق فكرة التقدم والتطور اللتان تعتبران بمثابة أهم ركائز الايديولوجية البرجوازية ولكنها لعبت الدور المرحلي المنوط بها في التصدي للتابو الفكري الإلهي والكنيسي والدعوة للرقي بالفكر البشري باعتماد قدراته الذاتية هذا وقد لعبت الثورة الفرنسية دورا مهما في تفويض الأسس الكنيسية والتقليدية التي تجذرت في المجتمع التقليدي لصالح تجذير الحداثة وذلك بتأسيس الدولة البورجوازية الحديثة المسماة بالدولة الديموقراطية، هذا دون أن ننسى تركيز الحداثة على أن الدولة الحديثة يجب أن تبنى على أساسيات المؤسسات القانونية وحق المواطنة والتعبير واحترام الحقوق والواجبات و قد أفرزت المرحلة الثورة الصناعية دعمت الحداثة وعملت على حمايتها وتطويرها.
   إن البورجوازية حسب محمد سبيلا حينما استولت على السلطة قد وضعت حدا للعلاقات الإقطاعية والعاطفية وحطمت دون رأفة الصلات الإقطاعية المزخرفة التي تربط الإنسان ولمتبقي على صلة بين الإنسان والإنسان إلا المصلحة الشخصية العادية…. ولقد أحلت  مكان الحريات العديدة التي كلف تحقيقها ثمنا غاليا، هذه الحريات الوحيدة القاسية التي لا تعرف معنى الرحمة والمنفعة ألا وهي حرية التجارة وأبدلت الاستثمار المغطى بالأوهام السياسية والدينية، و لقد انتزعت البورجوازية ع نسائر المهن و الأعمال المعتبرة من ذلك الحين محترمة المنظور إليها بشيء من الرهبة وجعلت من الطبيب والمحامي والكاهن والشاعر ورجل العلم شغيلين مأجورين لديهم، ولقد مزقت البرجوازية عن العائلة حجابها العاطفي وأحالت العلاقات العائلية إلى علاقات مالية صرف وتجتاح البرجوازية الكرة الأرضية بأسرها تحثها الحاجة إلى الأسواق الجديدة دائما لينبغي لها أن تنفذ إلى كل مكان وأن تقيم في كل مكان وان تخلف في كل مكان مواصلاتها9، إن الصناعات القومية القديمة قد دمرت أوهي على وشك الدمار وتحل محلها صناعات جديدة يصبح ادخالها مسألة حيوية بالنسبة إلى سائر الأمم المتمدنة صناعات ما عادت تستعمل موادا أو سلعة وطنية بل مواد أولية آنية من البلدان الأكثر بعدا بينما منتجاتها لا تستهلك في البلد نفسه فحسب بل في سائر أرجاء الكرة الأرضية إن حاجات جديدة تورد مكان الحاجات القديمة التي كانت المنتجات الوطنية تكيفها.
 
   وتجر البرجوازية عبر الإتقان السريع لأدوات ووسائل الموصلات حتى الشعوب  تهز مسائر أسوار الصين وتجبر البرابرة الأشد عداوة للأجانب على الاستسلام وانها تجبر سائر الأمم والموت وعقاب وعصيانها، ولقد أخضعت البرجوازية الريف للمدينة، لقد خلقت مدنا عظيمة وقد زادت بصورة مفرطة سكان المدن على حساب سكان الأرياف وبذلك انتزعت قسما كبيرا من السكان من بلاهة حياة الحقول وكما انها أخضعت الريف للمدينة والأمم المتوحشة أو نصف المتوحشة للأمم المتمدنة فقد أخضعت بلاد الفلاحين لبلاد البرجوازيين وأخضعت الشرق للغرب وتقتضي البرجوازية أكثر فأكثر على تشتت وسائل الانتاج و الملكية والسكان لقد كتلت السكان ومركزت وسائل الانتاج وجمعت الملكية في عدد قليل من الأيدي وكان التمركز السياسي هو النتيجة المحتملة لهذه التبادلات، إن المقاطعات مستقلة متحدة بعضها مع بعض على الأكثر لها مصالحها وقوانينها وحكوماتها وتعريفاتها الجمركية المختلفة قد اجتمعت في أمة واحدة في مصلحة وطنية طبقية واحدة وراء جيل جمركي واحد ولقد خلقت البرجوازية منذ صعودها إلى العرش الذي لم يمضي عليه قرن واحد قوى منتجة أكثر عددا مما خلقت سائر الأجيال الماضية10.
 
  إن الحداثة في نظر محمد بوجنال هي ذاك النظام العقلاني المتفتح عن المجهول والمبني على مركزية ذات الإنسان وحريته ومسؤوليته وهي وفق هذا التحديد تعتبر نظاما لا نهاية له تتنوع أشكاله في التاريخ وفق الشروط والحاجيات المادية وتحديد معنى الحداثة بالشكل ذاك يعني قولنا أن الفلسفات السابقة عن الحداثة الرأسمالية هي فلسفات ذات طبيعة ميتافيزيقية بفعل بنيتها المجتمعية الإقطاعية تؤمن بأن هناك قواعد وانظمة مطلقة تنظم وتحكم الكون هي النظام الإلهي الذي لم يترك للإنسان مجالا للاجتهاد والإبداع سوى إلزامه على اكتشاف السر ذاك بواسطة الكتب المقدسة ووسائل وأحاديث الأنبياء وبالتالي الخضوع للقوانين الميتافيزيقية10،11.
 
    المراجع:
1-مجلة الحداثة السياسية، “إشكالية مفهوم”، ص 10.
2-د. محمد سييلا و د. عبد السلام بنعبد العالي، الحداثة الفلسفية “نصوص مختارة”، الشبكة العربية للأبحاث و النشر، ط5، بيروت،2009، ص 234.
3-مطاع صفدي، فلسفة الحداثة السياسية نقد الاستراتيجية الحضارية، مركز الانماء القومي بيروت، باريس، ط5، 2002، ص 341.
4-مجلة الحداثة السياسية، “إشكالية مفهوم”، مرجع سابق، ص 11-12.
5-مطاع الصفدي، فلسفة الحداثة السياسية نقد الإستراتيجية الحضارية، ط 2002، ص 363، 366 .
6-مطاع صفدي، فلسفة الحداثة السياسية نقد الاستراتيجية الحضارية، مرجع سابق، ص 369-370.
7-محمد بوجنال، الفلسفة السياسية للحداثة وما بعد الحداثة، مؤسسة ديموبرس للطباعة والتجارة، بيروت، 2010، ص 101.
8-محمد بوجنال، الفلسفة السياسية للحداثة وما بعد الحداثة، مرجع سابق، 2010، ص 102-103.
9-محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الحداثة الفلسفية “نصوص مختارة”،مرجع سابق ط1، بيروت،2009، ص 239-241.
10-محمد بوجنال، الفلسفة السياسية للحداثة وما بعد الحداثة، مرجع سابق، ص 99-100 .
11-الحداثة في فكر علي أومليل، لهنون حياة وبحان نوال، 2015/2016، ص 14-22.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى