قضية التراث والمعاصرة

thumbnail
قضية التراث والمعاصرة
 
 
     تحتل قضية التراث والمعاصرة، حيزا هاما في الفكر العربي المعاصر، حيث يتناولها المفكرون والنقاد بالدرس والمعالجة، فأصبحت الشغل الشاغل عند البعض، وهمهم الوحيد هو كيفية الإجابة عن هذه الإشكالية، بغية تجاوز التقدم، وتجاوز الانحطاط والتأخر التاريخي.
     فما هي المعاصرة؟، وما علاقتها بالتراث؟، وكيف تعامل معها المفكرون والنقاد؟، أسئلة وأخرى سأحاول بحول الله وقوته تسليط الضوء عليها في هذه المقالة.
     تعني المعاصرة: مواكبة الحاضر ومعايشته، فهي: “على وزن المفاعلة، أي التفاعل بين الإنسان أو الثقافة أو الحضارة، وبين العصر، أي الزمن المعيش، فإذا تمايزت الأمم في ثقافاتها تمايز هويات هذه الثقافات، فإنها ولابد متمايزة في تفاعلها مع العصر الذي تعيش فيه… فالأمم المتمايزة في الهويات الثقافية (معاصرات) متميزة… وليست هناك في العصر الواحد معاصرة واحدة لكل واحدة لكل الأمم والثقافات والحضارات، كما يزعم الذين يحسبون أن المعاصرة هي استعارة الثقافة السائدة والمهيمنة في عصرنا… وليست كما هي حقيقتها المفاعلة مع العصر”1.
     وبالتالي فالمعاصرة: مواكبة العصر بكل ما يطرأ عليه من تطورات وتغيرات في مختلف المجالات، ومحاولة معايشته ومسايرته، هذه المواكبة والمعايشة للعصر طرحت عدة تساؤلات بخصوص نظرة التراث إليها وموقفه منها، هذه التساؤلات شكلت قضية تعرف بقضية التراث والمعاصرة، أو قضية الأصالة والمعاصرة.
     ولمعالجة هذه القضية برزت عدة مواقف، آراؤها تتباين وتختلف بين متمسك بالأصالة رافض للمعاصرة، أو رافض للأصالة ناشد للمعاصرة، وموقف ثالث، وهو التوفيق بين هذين الرأيين.
     غير أننا نجد من يرفض وجود ممثل للموقف الثالث على اعتبار أن محاولتهم لا تعدو أن تكون أخذا من كلا الموقفين، بمعنى إما أن تكون مع أو ضد، يقول فؤاد زكريا: “الوضع الشائع للمشكلة هو إيجاد تقسيم ثنائي: فأنت إما أن تكون أصيلا أو معاصرا، إما من المتعاطفين مع الماضي أو من دعاة الحاضر، إما داعية إلى الرجوع إلى التراث أو نصيرا للتحديث، فان لم تكن من أنصار القديم فأنت حتًما مغترب، أما محاولة التوفيق بين الطرفين فلا تشكل في واقع الأمر موقًفا ثالثا، لأنها لا تعدو أن تكون أخذا من كل منها بطرف”2.
     فحسن حنفي يرى بأن الأصالة تدعوا إلى البحث عن أساس كل أمة، وأساس الأمة الإسلامية تراثها الذي تزخر به، يقول: “إنما تعني الأصالة البحث عن الجذور، والتأسيس في الأعماق، وقد كان البحث عن الأصل، وجذوره الأساس أحد مطالب الحكماء قدماء ومحدثين، سواء في تراثنا القديم عند علماء الأصول، أصول الفقه أو أصول الدين”، وأما المعاصرة، فهي عنده: “ لا تعني المعاصرة نقل آخر صيحات العصر في أساليب الحياة في الفن والعمارة والزينة والعطور، وفي الغذاء والكساء، والتنقل والمعلومات والتمتع بما يقدمه العصر من وسائل رفاهية العيش والراحة والزخرف”، وهي أيضا: “عدم إغفال شيء من مكونات الواقع أو استتار جزء منه بل قبول كل شيء فيه، والاعتراف بجميع مكوناته، فالتراث مثلا جزء من الواقع يفعل فيه ويؤثر عليه من خلال سلوك الناس ورؤية الجماهير”، و” تعني (الأصالة و المعاصرة) إذن وحدة بعدي الزمان، وحدة الماضي والحاضر. فما الحاضر إلا تراكم للماضي وما الماضي إلا معاش الحاضر، فالإنسان كائن تاريخي، له مساره في الزمان”3، ومعنى هذا كله أن حسن حنفي يرى بضرورة الربط بين التراث والمعاصرة، وأنه لا حرج في هذه العملية.
     وأما محمد عابد الجابري فيرى أن إشكالية “التراث والمعاصرة” في الفكر العربي الحديث والمعاصر، هي إشكالية نظرية يميل استقلالها النسبي عن الواقع نحو المائة في المائة وهي لا تقبل الحل إلا بتجاوزها4.
     فقضية “التراث والمعاصرة”، هي القضية المحورية في الفكر العربي، فهي: “تعني في أذهاننا جميعا وجود نوع من التوتر والقلق والالتباس في العلاقة بين الماضي والمستقبل. بين التراث والفكر المعاصر، مما جعلها تبقى علاقة لا تقوم على الاتصال ولا على الانفصال، وإنما على التنافر والتدافع، والنتيجة تشويش الحلم النهضوي في وعينا وتعتيم الرؤية في فكرنا”5.
     كما نجد زكي نجيب محمود يعلنها صراحة بأن لا سبيل للنجاة من التخلف والانحطاط إلا بالقطع مع الأصالة، يقول: “لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا إذا بترنا التراث بترا، وعشنا مع من يعيشون عصرنا علما وحضارة، ووجهة نظر إلى الإنسان والعالم”6.
     وأيضا وفي صدد معالجة هذه القضية، نجد المفكر الطيب تيزيني، يقدم رؤيته، فيذهب إلى اعتبار قضية التراث هي اليوم الأكثر بروزا في الساحة الثقافية العربية، والأكثر إثارة للاهتمام، فهي بأبعادها المنهجية والتطبيقية تمثل واحدة من أكثر القضايا التي راحت تفصح عن نفسها بوضعها الأساس والمنطق عديد التوجيهات الفكرية والثقافية والسياسية الحاضرة ويجد في هذا الاهتمام حالة من حالات الانتقال باتجاه أفقها.
     ومن هذا الأفق ينظر إلى التراث فيقرأه ويدرسه مقدما على ذلك عبر ثلاث لحظات تجمع الماضي إلى الحاضر باتجاه أفق مستقبلي مفتوح، وهذه اللحظات الثلاث، هي:
     أولا: الحفر الجدلي من موقف مادي – تاريخي في أعماق هذا التراث، في محاولة لاستكشاف أفاق جديدة تمثل أساسا فعليا للنهوض.
     ثانيا: الرد على الاتجاهات المعاصرة التي تشكل بأعمالها وتوجهها إلى هذا التراث، ومن خلاله لحظة نكوص وارتداد، فيقدم على مواجهتها بموقف نقدي كاشفا عن إشكاليتها التاريخية.
     ثالثا: البحث عن الأفاق الجديدة الناهضة، أو التي يمكن أن تكون منطلقا للنهوض في هذا التراث7.
     هكذا نجد أن قضية “التراث والمعاصرة”، أو “الأصالة والمعاصرة”: قضية شكلت حيزا هاما في الدراسات والبحوث في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر بين حامل للواء المعاصرة، مُتبنٍ للنموذج الغربي، وداع إلى الأصالة ساعٍ لاستعادة النموذج الإسلامي السابق عن تاريخ الانحطاط، وبين مُنتقٍ من الإثنين آملا في إصابة أحسن ما في التيارين، ساعين في ذلك كلهم إلى إعادة العالم الإسلامي إلى الازدهار والرقي، متجاوزا الانحطاط والتأخر التاريخي.
المراجع:
1– أزمة العقل العربي، لسعيد الرميحي، الصفحة: 26، طبعة 1992م، قطر.
2– الصحوة الإسلامية في ميزان العقل، لفؤاد زكريا، الصفحة: 87-88، الطبعة الأولى 2006م، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، مصر.
3– الدين والتحرر الثقافي، لحسن حنفي، الصفحة: 56-68، بتصرف، بدون طبعة، منتدى مكتبة الإسكندرية، القاهرة.
[1]الدين والتحرر الثقافي، مرجع سابق، الصفحة: 60.
[1]– نفس المرجع السابق، الصفحة: 62.
[1]– نفس المرجع السابق، الصفحة: 68.
4– إشكاليات الفكر العربي المعاصر، لمحمد عابد الجابري، الصفحة: 15، الطبعة الثانية 1999م، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
5– نفس المرجع السابق، الصفحة: 27.
6– تجديد الفكر العربي، لزكي نجيب محمود، الطبعة العاشرة 2011م، دار الشروق، القاهرة.
7– من التراث إلى الثورة، حل نظرية مقترحة في قضية التراث العربي، للطيب تيزيني، الصفحة: 7، بدون طبعة، دار دمشق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى