قيمة التراث الإسلامي والفرق بين الدين والإيديولوجيا

thumbnail
قيمة التراث الإسلامي والفرق بين الدين والإيديولوجيا
 
 
     إن التعريف الخاص بالتراث الإسلامي، وهو الخاص بالأمة الإسلامية، سيكون على الشكل التالي: “مجموع ما خلَّفه العقل البشري الإسلامي في مختلف مجالات الحياة البشرية، ماديا كان أو معنويا، ونقله الأجيل إلينا ابتداءا من عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-“.
     هذا المعنى الذي اقترحته للتراث الإسلامي، لا ينبغي أي يؤخذ على إطلاقه، “ذلك أنه مما ينبغي أن ينسب أي إنتاج علمي وفكري وثقافي إلى أهله الذين (يصبغونه) بالصبغة الإسلامية، ولا يعني هذا نسبته إلى الإسلام، ذلك أن الإسلام يعني الكمال، ولذا فإننا نستبعد أن يكون القرآن الكريم وسنة المصطفى محمد –صلى الله عليه وسلم- وسيرته الصحيحة الثابتة سندا ومتنا من التراث، ذلك أننا نعد هذه المصادر كاملة بكمال الدين، وإنما النقص يعتري المطبقين لهذا الدين الكامل، والمتوقع أن يعتريهم النقص، فينعكس هذا على أدائهم، بما في ذلك الإنتاج العلمي والفكري والثقافي، الذي تعارفنا على تسمية القديم منه تراثا عربيا إسلاميا… وهو تراث إسلامي لأنه يعبر عن الفكر الإسلامي، وينطلق من المنطلقات الإسلامية، ويخدم الثقافة الإسلامية، وقام أو نشأ بين المسلمين”1.
     ويؤيد هذا المعنى أيضا صاحب “معلمة الإسلام”، حيث يقول: “لابد أن تكون التفرقة واضحة بين التراث وبين الميراث، وأن نكون قادرين على الوضوح الكامل، إزاء فهم كلمات (قديم، تراث)، وعلاقتها بذلك الموروث الإسلامي الأصيل وأن نكون قادرين على التفرقة بين الإسلام باعتباره دينا ومنهج حياة له ثباته وربانية المتمثلة في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وبين التراث الذي هو اجتهاد المسلمين في تفعيل هذا الميراث وتعميقه والاستجابة له من خلال العصور والظروف والأحداث والبيئات”2.
     هذا وإن قيمة التراث الإسلامي تتحدد من جهتين:
     الأولى: من حيث الارتباط به، إذ أن التراث الإسلامي متصل ومتفاعل بمرجعية الوحي، إلى درجة تختلف في أذهان البعض إمكانية التمييز بينهما، وهي الإشكالية الملتبسة التي أضفت صفة القداسة على التراث، إذ أصبح الأمر من المستحيل التفكير في التقرب إليه، في حين أن التراث له صفة المنجز الإنساني النسبي والمتغير، أي: الإطلاق فيه أنه يقبل الصواب كما يقبل الخطأ وموافقة الحق والواقع أو مخالفتهما.
     والثانية: من جهة علاقة التراث بالوحي ظهرت وتأسست أبرز المعارف والعلوم ذات النسق الإسلامي، كعلوم القرآن والتفسير، وعلوم السنة والحديث، والفقه وأصوله، والعقائد والإلهيات، والسيرة والأخلاق والآداب3.
     كما أن التراث الإسلامي كان ولا يزال وسيلة مؤثرة لغرس الإسلام في نفوس عدد كبير من المسلمين وغير المسلمين، فهم عندما يصِلون من خلال دراساتهم وتجاربهم إلى موقف نص عليه كتاب الله الكريم، أو تستعصي عليهم مشكلة لا يجدون لها حلا إلا في القرآن الكريم أو في كتب التراث الإسلامي، هنا يدركون أن الإسلام حق، وأنهم أولى الناس باتباعه مهما بلغت الضغوط، وأن عليهم أمانة الدعوة إليه4، هذا فضلا عن أن التراث الإسلامي لا يؤمن بفصل الأخلاق عن العلم والعمل، سواء في العلوم العلمية، الفن، السياسة أو الاقتصاد، بل وفي الحرب أيضا، فهو تراث يعبر عن رسالة هدفها أن تتم مكارم الأخلاق5.
     ومن مميزات التراث الإسلامي، أنه تراث ضخم ومتنوع يشتمل على الشؤون الدينية، اللغوية، الأدبية، والتاريخ، كما هو غني أيضا بكتب الطب، الصيدلة، الفلك، الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الجغرافيا، الفلاحة، والإنشاءات… كما يلحق بعض المؤلفات في التنجيم والطلسمات والسحر، ولكل كتاب في هذه العلوم نصيب من الأهمية يستحق الاهتمام والدراسة، لما قد تنكشف من حقائق، فهو تراث أنساني، ديني وحضاري، ديني ودنيوي، أي أنه متكامل، يجمع بين أحكام الوحي الإلهي، ونتاج العقل البشري، وفي ظله القى العلم والإيمان، فلم ينفصم قلب عن فكر، ولا روح عن مادةـ، ولا دين عن دولة، ولا أدب عن علم6.
     ولعل أكثر شيء إدراكا في أهمية التراث ووجوب الاهتمام به ودراسته أمرين:
     الأول: إنه يربط شخصية الأمة بماضيها ويجعلها بارزة بين الأمم.
     الثاني: أنه يكشف أشياء جديدة تستنير بها الأفكار المعاصرة، بل كثيرا ما تفتح لأذهان منها وتؤدي إلى ابتكار أشياء جديدة مستندة إلى أصول قديمة، فيتكون لها من المنجزات ما يتناسب مع واقع الأمة، وواقع البيئة الجديدة التي يعيشها الإنسان7.
    وقد شهد لأهمية هذا التراث الأجانب قبل أهل الدار، حيث نجد المستشرق جوستاف لوبون، الذي بحث فيما قدمه العرب للإنسانية، مؤكدا لكل ذي عينين أنه “كلما أمعنا في دراسة حضارة العرب، وكتبهم العلمية، واختراعاتهم، وفنونهم ظهرت لنا حقائق جديدة وآفاق واسعة، فسرعان ما رأينا أن العرب أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين، وإن جامعات الغرب لم تعرف مدة خمسة قرون موردا علميا سوى مؤلفاتهم، وأنهم هم الذين مدنوا أوربا مادة وعقلا وأخلاقا، وإن التاريخ لم يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير، وأنهم لم يفقهو قوم في الابتداع الفني، وتأثير العرب عظيم في الغرب، وهو في الشرف أشد وأقوى، ولم يتفق لأمة ما اتفق للعرب من نفوذ”8.
الفرق بين الدين والإيديولوجيا
     ثمة ما يشبه الإجماع بين علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا، على أن الدين هو النظير الفعلي للإيديولوجيا على مستوى الناحية العملية، فكل من الدين والإيديولوجيا يستهدفان تنظيم وبناء مجتمع ما، عبر النظر وإعادة تقييم الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي9.
     كما يشير علماء الاجتماع-في الوقت ذاته-إلى أن “ظهور الإيديولوجيات ما كان ليحدث في ظل المجتمعات الزراعية السابقة على الثورة الصناعية؛ نظرا لأن الدين والتقاليد كانا يقومان بوظيفة مماثلة لما أصبحت الإيديولوجيا تقوم به فيما بعد”، وبالتالي تكون الإيديولوجيا التمظهر الفكري الثاني، بعد الدين لحركة التاريخ المتصاعدة.
     ويشير كثير من رواد علم الاجتماع ﻛ: “فيليب برو Philipe Pro” و ” أنسار Anssar” إلى أن ظهور الإيديولوجيات، لم يلغ سلطة الديني والمقدس في القدرة على تعبئة الجماهير وقيادتها، ويعزون الأمر إلى ضعف الإيديولوجية على تأكيد سطوتها وهيمنتها10.
     وفي التمييز بين الدين والإيديولوجيا، يبرز كل من أحمد محمود صبحي وصفاء عبد السلام جعفر نقاط الاختلاف بينهما، على الشكل التالي11:
     – تنطوي الإيديولوجيا مثلها مثل الأديان على مجموعة من المعايير والقيم التي تنظر إليها على أنها حق بينما القيم المعارضة لها باطلة.
     – إن الإيديولوجيا تؤلف بين معتنقيها مثل ما تفعله الأديان، وتوجد وحدة عضوية بينهم، وإن لم تبلغ الإيديولوجيا في ذلك درجة الدين.
     – كل من الإيديولوجيا والدين يواجهان في مسيرتهما حالة من التشقق المذهبي بعد الوحدة ومنشأ الخلاف في الحالتين: الاختلاف بين إخضاع الواقع للنصوص المقدسة، أو النص للواقع، والاختلاف في تطبيق تعاليم مفكري ورموز الإيديولوجيا.
     – الإيديولوجيا تنشأ أحيانا من الطبقة المسيطرة، على حين تنشأ الأديان دائما من بين الرعية، وكل محاولة لفرض الدين أو مذهب ما على الرعية مصيرها الإخفاق.
     وكذلك من بين الاختلافات التي تميز الإيديولوجيا عن الدين، ما يلي12:
     – الدين يلامس حياة الفرد الفعلية ويقدم له رؤى غيبية علوية (منطق الجزاء والعقاب) المرتبطة بعلاقة الإنسان بالله والكون، بينما تغيب هذه الوصفة (الغيبيات وشرعها) في الإيديولوجيا ويهيمن على تجليها الصراع الاجتماعي كالطبقي في حقبة تاريخية معينة…
     – قيم الدين مستمدة من نص علوي مقدس، بينما الإيديولوجيا تستمد قيمتها من التجربة والمبادئ المتصلة بالواقع وحركة التاريخ.
     – أحكام الدين ملزمة وقطعية، بينما أحكام الإيديولوجيا ظرفية قابلة للتعديل والتغيير حسب الظروف والحاجة.
     – يجنح معتنقو إيديولوجيا ما إلى تبريرات شرعية معتقدهم عن طريق الرجوع والإحالة إلى الواقع الاجتماعي، أما معتنقو الدين–المتدينون– فهم ليسوا بحاجة إلى تبرير نظرا للتداعيات التي يضفيها الإيمان بكتاب أو بديانة ما.
     هذه باختصار جملة الاختلافات المميزة للإيديولوجية عن الدين، وهذه الاختلافات تجعل من الخطاب الديني له مميزاته الخاصة في مقابل الخطاب الإيديولوجي.
المراجع:
 
1– إسهامات المستشرقين في نشر التراث العربي الإسلامي، دراسة تحليلية، ونماذج من التحقيق والنشر والترجمة، لعلي بن إبراهيم النملة، الصفحة:18، الطبعة الأولى 1417/1996م، فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر، الرياض.
2– معلمة الإسلام، لأنور الجندي، الصفحة: 123/2، الطبعة الثانية 1982م، المكتب الإسلامي، بيروت.
3– من التراث إلى الاجتهاد، للميلاد زكي، الصفحة: 242-244، الطبعة الأولى 2004م، المركز الثقافي الغربي، الدار البيضاء.
4– الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، لمحمود حمدي زقزوق، الصفحة، 155، طبعة 1997م، دار المعارف.
5– التراث العربي الإسلامي، لحسن محمد سليمان، الصفحة: 71، ديوان المطبوعات الجامعية.
6– التراث العربي الإسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 60.
7التراث العربي الإسلامي في ميزان الفكر الاستشراقي (دراسة في الخلفية والأبعاد)، لمراحي هدى، الصفحة: 13، رسالة ماجيستر، تخصص الحضارة العربية الإسلامية، إشراف الدكتور: عبد القادر بن عزة، السنة الجامعية: 2011-2012، كلية الآداب واللغات، جامعة تلمسان.
8– فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر، لأحمد سمايلوفيتش، الصفحة: 715-716، طبعة 1998م، دار الفكر العربي، القاهرة.
9البعد الفني والإيديولوجي في الرواية الجزائرية المعاصرة دراسة سوسيو-بنائية في روايات واسيني الأعرج، مرجع سابق، الصفحة: 29.
10– نفس المرجع السابق، نفس الصفحة.
11– في فلسفة الحضارة، لأحمد محمود صالح، وصفاء عبد السلام، الصفحة: 2525، طبعة 2000م، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية.
12البعد الفني والإيديولوجي في الرواية الجزائرية المعاصرة دراسة سوسيو-بنائية في روايات واسيني الأعرج، مرجع سابق، الصفحة: 30.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى