كتاب الإرشاد للجويني وتأثيُره على علم الكلام الأشعري بالمغرب

thumbnail
كتاب الإرشاد للجويني وتأثيُره على علم الكلام الأشعري بالمغرب
 
   لا يختلف المؤرخون لتطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي في مدى أهمية وتأثير الفكر الجويني في هذه المنطقة، إذ لعب الجويني في مرحلة الترسيم والتوسع للمذهب الأشعري في المغرب سلطة مرجعية كبيرة، ذلك أنه أضحى مرجعية أساسية في مجموع ما ظهر من متون أشعرية، وكذا في مؤلفات شارحة وناظمة لها.1
   لقد كان لكتاب الإرشادلإمام الحرمين أبي المعالي الجويني تأثير ودور كبيرينفي نشر الفكر الأشعري بالمغرب، وكان لكتبه رواج كبير به، حيث اعتنى بها علماء المغرب شرحا وتدريسا، وبخاصة كتاب الإرشاد وكتاب البرهان، وافتتن به المغاربة أيما افتتان2، وهذا التأثر نابع من قناعات المغاربة بالمنهج العقدي الذي سيسلكونه، وقد كانوا في البداية بعيدين كل البعد عن المنهج العقلي في الاستدلال على العقائد، إذ “لم تكن الأصداء التي تصلهم من بلاد المشرق لتمر دون أن تؤثر فيهم وتؤكد لهم مدى بعدهم عن قافلة التطور التي قادها علماء الفكر العقدي في المشرق. مما جعل المثقفين والمتطلعين يرون في “الإرشاد“… المحرك والوسيلة التي ينبغي أن توظَّف من أجل بعث الحياة في الفكر العقدي المغربي، والدفع بعجلته بغية إدراك الركب المشرقي الذي سار أشواطا بعيدة عن طريق التجديد”3.
   ومما يؤكد قيمة هذا المؤلف عند المغاربة أن كبار مفكري العقيدة بالمغرب كالإمام السنوسي (ت859ه) صاحب التواليف الكثيرة في العقائد وإمام المغاربة في هذا العلم بعد السلالجي، وكذلك ابن البناء العددي (ت721ه) الذي بلغ في العلوم العقلية والقديمة غاية قصوى، ومحمد بن مرزوق الحفيد (ت 842ه)، كل هؤلاء الجهابذة يعترفون بفضل هذا الكتاب في تكوينهم ويؤكدون دراستهم له واستفادتهم منه وتأثرهم به في الوجهة العقدية التي اختاروها4، يقول البختي في كتابه عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية “إن إرشادالجويني على أهميته وقيمته عند المشارقة لم يكن بالنسبة إليهم بالمؤلف الغريب ولا الباهر لأن المشارقة كانوا معتادين على مثل هذه الكتب الكلامية والآراء العقدية المتطورة، إلا أن الأمر بالنسبة للمغاربة يختلف كثيرا عن المشارقة، فقد كان الجو الفكري والكلامي بالمغرب جوا بسيطا، يستبشع كل غوص في الأمور العقلية المجردة ويكره المنطقيات في علم العقيدة… ولذلك كان ظهور مثل الإرشاد في هذه البيئة حدثا غريبا وأمرا جديدا ينبغي أن يقام له ولا يقعد”5.
   وكتاب الإرشاد كتاب قصد منه مؤلِّفُه إمام الحرمين بيان العقائد الدينية والاستدلال لها، ثم الدفاع عنها ومناهضة أصحاب المقالات والمذاهب المخالفة للدين6، وقد سلك في هذا المؤلف مسلكا نقليا وعقليا، يقول الجويني في مقدمة كتاب الإرشاد مبينا المنهج الذي سيسلكه: “رأينا أن نسلك مسلكا يشتمل على الأدلة القطعية، والقضايا العقلية”7.
  ومعلوم أن تطور المذهب الأشعري بالغرب الإسلامي مر بمراحل كثيرة منها مرحلة ما قبل الموحدين التي عرفت ممثلين أفذاذا تمثلوا العقيدة الأشعرية ورددوا مبادئها وأفكارَها وتوجهاتِها، وسعوا إلى نشرها وتعليمها لبعض الناس، ومرحلة الترسيم والتوسع في المذهب أي المرحلة التي جاءت بعد قيام الدولة الموحدية، ثم المرحلة السنوسية التي ارتبطت بشخص أبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي (ت895ه) والتي جاءت إبان تقهقر وتراجع وضعف المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، فكان دوره متمثلا في ترميم المذهب وإعادة بنائه في شروط حضارية ومعرفية متميزة. على أن المرحلة التي مثل فيها الفكر الجويني سلطة مرجعية وإطارا معرفيا كبيرا هي مرحلة الترسيم والتوسع.
   فعلى مستوى مرحلة الترسيم نلاحظ أن كتاب الإرشاد للجويني كان هو الموجِّه لما كتب في عقائد مشهورة في هذه المنطقة، على اعتبار أن من كتبوا في هذه المرحلة تأثروا بمضامين هذا الكتاب، ومنهم من عرض أفكاره الأشعرية على شاكلة هذا الكتاب أو تقترب منها. فأبو الحجاج يوسف الضرير ينظم منظومته “التنبيه والإرشاد” متأثرا بإرشاد الجويني8، وهذه المنظومة نهضت بدور مهم وكبير في عملية انتشار المذهب الأشعري، وتوسعه، وتكريسه مذهبا رسميا للغرب الإسلامي. فالضرير تولى تدريسها بنفسه في مراكش، وقد أخذها عنه مجموعة من كبار علماء المغرب في هذه الفترة9، وعلماء الأندلس، وتتالت عملية تدريسها بعد الضرير في جوامع الأندلس والمغرب، وتونس وغيرها، يسهر على تدريسها جمع كبير من كبار الأئمة في هذا المذهب، فقد تولى تدريسها بالأندلس تلميذه المباشر عبد الله محمد بن خلف القرطبي الشهير بالألبيري (ت537ه) وبعده أبو بكر محمد بن عبد الرحمان الفخار، ومحمد ابن خليل السكوني صاحب “أربعون مسألة في أصول الدين” وقد وضع عليها شرحا متوسطا .. وبالجملة فإن هذه المنظومة العقدية شكلت أوائل العقائد التي كتب لها أن يهتم بها من جاء بعد الضرير من المفكرين، وأن تســـهم بقسط وافر في تكريس هذا المذهب الأشعري مذهبا رسميا في الغرب الإسلامي10.
   وذات الشيء بالنسبة لمرشدة ابن تومرت قيل إنها سميت “مرشدة” لابتدائها باعلم أرشدك الله، وهي نفس البداية التي يبتدئ بها كتاب الإرشاد للجويني، وعليها سمي بهذا الإسم11، وهناك ملاحظة أخرى تكمن في عبارة “الموحدين” التي أطلقها محمد بن تومرت على أتباعه، ومن المرجّح أن تكون هذه العبارة مأخوذة من “كتاب الإرشاد” أيضا، فالجويني يستعمل عبارة “الموحدين” بكثرة في هذا الكتاب، كقوله: “اعلموا أرشدكم الله أن الموحدين… وكذلك قوله: “والجسم في اصطلاح الموحدين12، وعلى العموم فإن المرشدة هي عقيدة صغيرة لابن تومرت تسعها صفحة واحدة، كتب لها الانتشار والاستمرارية، وأن تضطلع بكبير الأدوار في عملية تدعيم الفكر الأشعري بالغرب الإسلامي فبقيت مصدرا أشعريا يتولاه الشارحون والمعلقون بالتحليل والتفصيل مدة زمنية طويلة، وما ذلك إلا لتوجهها الأشعري وتجردها من أية شائبة شيعية.
   وعلى الرغم من صغر حجم عقيدة المرشدة فإنها لاقت اهتماما كبيرا من طرف الشراح والمهتمين بها لأنهم كانوا يرونها عقيدة تعكس أشعرية المهدي بن تومرت “فقد أجمعت الأمة على صحة هذه العقيدة ولا غير، وإنها مرشدة رشيدة لم يترك المهدي أحسن منها وسيلة”13 وهذا هو السبب الذي جعل مجموعة من الشارحين يتهافتون على شرحها في فترات زمنية مختلفة وفي أماكن من الغرب الإسلامي متباينة من الأندلس، والمغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، والسودان14.
   كما نجد في هذه المرحلة أيضا مفكرا آخر تأثر بالفكر الجويني، يتعلق الأمر بأبي عمرو عثمان السلالجي، وعقيدته المسماة “العقيدة البرهانية في علم الألوهية” قيل عنها إنه نهج فيها نهج إمام الحرمين في كتاب الإرشاد. وما يهمنا من هذه العقيدة هو دورها الذي نهضت به في تطور المذهب الأشعري بالغرب الإسلامي، فقد عكست بالفعل العقيدة الأشعرية الرسمية للبلاد. ولعل شمولها لمجموع ما ينبغي اعتقاده، واختصارها، وسهولة تناولها لهي من بين الدواعي الحقيقية التي جعلت الشراح يتولونها بالشروح المتوسطة، والطويلة، ويعتنون بها الاعتناء الكبير والمهم. فعلى امتداد قرون من تاريخ الغرب الإسلامي تعاقب على شرحها رهط كبير من الشراح، بدءا من تلاميذه المباشرين كابن الكتاني، ومرورا بالخفاف، وابن بزيزة، واليفرني والعقباني ووصولا إلى أحمد بابا التنبكتي.
   كل هذه الشروح وشروح أخرى غيرها تعطينا صورة عن مدى هيمنة هذه العقيدة على المجال التعليمي لأمور العقائد بالغرب الإسلامي؛ ذلك أنها ظلت تدرس في المدارس والجوامع، وتمارس هيمنتها الكبيرة باعتبارها تعكس العقيدة الرسمية للبلاد إلى القرن التاسع الهجري، حيث سيتم الاستعاضة عنها بعقائد الإمام أبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي (ت895ه)15.
   لكن سلطة الجويني هذه ستزداد تأكيدا في مرحلة التغلغل التي نؤرخ لها حينما سيعرف كتاب الإرشاد مجموعة من الشروح في أواخر القرن السادس وبداية القرن السابع الهجريين، لم يعرفها في المشرق كما وكيفا ولا اقترب منها. ذلك أن رهطا كبيرا من كبار مفكري الأشاعرة في هذه الفترة سيتصدرون لهذا الكتاب بالشروح في تونس والجزائر والمغرب والأندلس، فكانت شروحهم عالية المستوى، عظيمة المحتوى، تنم عن تضلع كبير في المذهب، وعن تطور مهم فيه، فلقد كان الشرح الذي وضعه أبو عبدالله محمد بن مسلم بن محمد بن أبي بكر القرشي المازري (ت530ه) على إرشاد الجويني “المهاد في شرح الإرشاد” تدشينا لبداية مجموعة من الشروح، انحصر وقتُ تأليفها بين أواخر القرن السادس وبداية القرن السابع. واختلفت وتفاوتت قيمتها، واجتهادات أصحابها في تفريعات ما ورد في الإرشاد وتفصيلاته، ومن هذه الشروح ما يلي:
1) نكت على شرح الإرشاد لأبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن محمد بن دهاق المعروف بابن المرأة الأندلسي (611ه).
2) شرح أبي يحيى زكريا بن يحيى الإدريسي الحسني “كفاية طالب الكلام في شرح الإرشاد”.
3) شرح الإرشاد لعبد العزيز بن بزيزة (662ه).
4) شرح الإرشاد لأبي بكر بن ميمون القرطبي.
5) شرح أبي بكر الخفاف على الإرشاد وعنوانه: اقتطاف الأزهار واستخراج نتائج الأفكار لتحصيل البغية والمراد من شرح الإرشاد وهو شرح لم يصلنا منه إلا عنوانه فقط16.
  وأيا ما كان الأمر، فإن الخلاصة التي يمكن الخلوص إليها من هذا كله، هو أن كتاب الإرشاد كان مناسبة مهمة في منطقة الغرب الإسلامي دفعت مجموعة من كبار مفكري المذهب الأشعري بها إلى التعبير عن أوج التطور العقدي، عن طريق وضع شروح لهذا الكتاب، عالية المستوى، غزيرة المعاني والمضامين. فكان من شأن ذلك أن فتح الباب أمام خلق جو ثقافي عقدي، مطعم بروح إرشاد أبي المعالي الجويني، ومحكوم بمناخ طغى عليه وجود التوجه الأشعري لهذا الفكر. فكفي أن نلقي نظرة على ثبت بأهم شروح الإرشاد التي كانت متداولة في الغرب الإسلامي بهذه الفترة لنعرف مدى سلطة الجويني وهيمنته النظرية عليها فهناك:
1)          المهاد في شرح الإرشاد لأبي عبد الله محمد بن مسلم المازري (ت530ه).
2)          منهاج السداد في شرح الإرشاد لأبي الحسن علي بن البقري (ت552ه).
3)          شرح تقي الدين أبي العز بن المظفر المقترح (ت612ه) وهو شرح لم يكمله هو بل أكمله تلميذه شرف الدين بن التلمساني الفهري (ت644ه).
4)          نكت الإرشاد في الاعتقاد أو شرح الإرشاد الموضح سبيل الإرشاد لأبي إسحاق إبراهيم بن دهاق (ت616ه)
5)          الإسعاد في شرح الإرشاد لعبد العزيز بن بزيزة (ت 662ه).
   ولعل الملاحظة التي يمكن أن تسترعي انتباه المتمعن في هذا الثبت، هو اجتماع هذه الشروح في فترة زمنية محصورة بين القرن السادس والسابع الهجريين، إذ يصبح السؤال ملحا عن الدواعي التي تبرر ذلك.
   الواقع أن ما يبرر اجتماع هذه الشروح في هذه الفترة، وفي هذه المنطقة بالذات هو عملية تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي. فقد كانت هذه المرحلة قمة تطور المذهب في هذه البلاد، وأوجُ ازدهارها بها، فكثرت فيه انتاجات المؤلفين وإسهاماتهم، ونضجت عطاءاتهم كما وكيفا، فأدى ذلك إلى طرق أمور دقيقة، وتفاصيل جزئية في المذهب.
   وحيث إن هذه الفترة كانت قد شهرت سلطة الإمام الجويني، وهيمنته الواسعة في أمور العقيدة، فقد كان منطقيا أن يرجع هؤلاء إلى فكر هذا الرجل وبخاصة كتابيه “الشامل” وتلخيصه “الإرشاد”، وأن يأخذوا هذا الأخير ويضعوا عليه الشروح، ويكرسوا من خلالها التوجه الأشعري في توسعه وتطوره بالغرب الإسلامي.
   ولقد كان الإرشاد من خلال شروحه في هذه الفترة، تمثل ثابتا تعليميا في أسلاك التعليم بالغرب الإسلامي؛ يحمل مراتب تعليمية في عملية تدرج المتلقي في المذهب ومراتبه، بحيث كانت إجازات العلماء تعطى عليها، ولم يكن الواحد من الأئمة يصل هذه الدرجة ما لم يقرأ على إمام قبله كتاب الإرشاد أو شرحا من شروح هذه17. 
 
المراجع:
 
1 تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، يوسف احنانة، ط 3، ص 186، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1438هـ/2017م.
2 الأشعرية في المغرب دخولها رجالها تطورها وموقف الناس منها، إبراهيم التهامي، ط 1، ص 21، دار قرطبة 1427هـ/2006م.
3 عثمان السلالجي ومذهبيته الأشعرية (دراسة لجانب من الفكر الكلامي بالمغرب من خلال البرهانية وشروحها)، الدكتور جمال علال البختي، ط 1، ص 101، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 2005م.
4  المرجع نفسه، ص 102.
5 المرجع نفسه، ص 100.
6 الإرشاد، الجويني، تحقيق محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد، ص 1، مطبعة السعادة 1369هـ/1950م.
7 المصدر نفسه، ص 1.
8 تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، يوسف احنانة، ط 3، ص 186، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1438هـ/2017م.
9 الغنية، القاضي عياض، تحقيق ماهر زهير جرار، ص 226، دار الغرب الإسلامي 1982.
10  تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، يوسف احنانة، ط 3، ص 114-115، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1438هـ/2017م.
11  المرجع نفسه، ص 186.
12  الإرشاد، الجويني، تحقيق محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد، ص 17، مطبعة السعادة 1369هـ/1950م.
13  الأنوار المبينة المؤيدة لمعاني عقد عقيدة المرشدة، أبو زكريا التنسي، ص 1، مخطوط خاص.
14  تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، يوسف احنانة، ط 3، ص 124-125، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1438هـ/2017م.
15  بغية الطلاب في شرح منية الحساب، ابن غازي، ص 17، (طبعة حجرية) فاس (د.ت) كراسة 16، نقلا عن ” تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي” يوسف احنانة، ط 3، ص 153، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1438هـ/2017م.
16   تطور المذهب الأشعري في الغرب الإسلامي، يوسف احنانة، ط 3، ص 194، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1438هـ/2017م.
17 المرجع نفسه، ص: من 186 إلى 196.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى