محاكم التفتيش وطريقة عملها

thumbnail
محاكم التفتيش وطريقة عملها
 
 
   محاكم التفتيش هي هيئة كنسية يخول إليها البحث عن الأدلّة والقرائن بشأن كل فعل يعدّ خارجاً عن قوانين الكنيسة، وهذه المحاكم لم تظهر إلى حيز الوجود إلا حينما كانت هناك بوادر الخروج عن القوانين الكنسية تلوح بشكل لافت جداً، إذ خلال الربع الأول من القرن الثالث عشر، اتسعت رقعة الهرطقة بشكل واسع وخطير في جنوب فرنسا، وذلك عندما أثار مجموعة من الأساقفة والقساوسة مفاهيم غريبة، ومارسوا طقوسا، وأقاموا شعائر تتناقض وخط الكنيسة الكاثوليكية المرسوم، الأمر الذي دفع البابا إلى بعثه جيشاً كبيراً لمحو تلك الهرطقة. عن طريق ممارسة العنف والقوة والقتل، إذ تمكّن جيش البابا من خلال هذه العملية من قتل آلاف من هؤلاء المهرطقين، من بينهم نساء وأطفال. وقضى بذلك على هذا التمرّد واستأصل ورمه قبل انتشاره وتوسّعه.
   بعد هذه المأساة البشرية التي راح ضحيتها نساء وأطفال، ظهرت فكرة محاكم التفتيش، فعوضاً عن تجهيز جيش كبير للقضاء على المتمردين عن سلطة الكنيسة، تم تشكيل مجاميع صغيرة من القساوسة الشرسين والمغامرين والمتشددين وإعطاؤهم صلاحيات واسعة، من أهمها البحث عن الهراطقة في صفوف المسيحيين واستجوابهم، ثم القضاء عليهم، أو مجازاتهم بألوان من التعذيب بذريعة تطهير المجتمع من اللامؤمنين والخارجين عن الإيمان الكاثوليكي. على أن الغرض الأساس من ذلك كله هو تسييد سلطة البابا المطلقة وبسط نفوذ الكنيسة، وإخراس أي صوت معارض.
   تم إقرار محاكم التفتيش سنة 1227، وتحديداً في عهد البابا غريغور التاسع وأوكلت إدارتها لرجال الكنيسة الدومينيكان. بعد عامين من ذلك التاريخ، صادق مجلس تولوز الكنسي على قرار البابا غريغور بإلزام كل كاثوليكي بالمراقبة والملاحقة، والإبلاغ عن كل هرطيق بغية نيل عقابه، أو اجتثاثه من أجل تطهير المجتمع من هذه الخلايا المسمومة بحسب اعتقادهم. هكذا بدأت تلك المحاكم مهامها فعلياً عام 1232، وصدرت الأوامر للأساقفة المحليين باستخدام جميع إمكاناتهم ومواهبهم، وابتكاراتهم لتفعيل مسطرة التفتيش. فقد نصت التعليمات للتفتيشيين بحرق الهرطيق الذي يتمرد أو يعارض سلطة الكنيسة وقرارات البابا، ويلحّ على موقفه ولا يتوانى عنه. أضحى التفتيشيون مسؤولين عن مداهمات البيوت، مما أدى إلى اختفاء عدد كبير من الأشخاص في ظروف جد غامضة، أو تمت تصفيتهم بأساليب بربرية علنية. كأسلوب الحرق في كومة الحطب بسبب تهمة الهرطقة.
كانت معظم التوجيهات للتفتيشيين والقضاة والجلادين، يتضمنها كتاب أصدره القائمون على محاكم التفتيش، هذا الكتاب يسمى ب (الكتاب الأسود) أي كتاب الموت الذي احتفظ به في أحد أجنحة المقر البابوي في الفاتيكان. إنه يحدّد صلاحيات كل واحد منهم، ومن نصوص هذا الكتاب ما يل: “يسري حكم الموت على الهرطيق بعد استحصال اعترافه الشخصي أو من خلال اعتراف الشهود عليه. يُعد مذنباً كل من اعترف بفعلته كليا أو جزئيا. يكون التعذيب الجسدي أداة شافية وفعالة تقود إلى الندامة الروحية. يقرر قاضي المحكمة أدوات وأشكال التعذيب حسب الجنس والعمر وقابلية تحمل المتهم. يكون المتهم الذي يستمر على الكذب بالرغم من تعذيبه قد باع نفسه للشيطان ويتوجب التخلص منه ليموت مع الملعونين والمنحرفين والضالين”1.
    
   هيكلة المحكمة وأساليب عملها
 
   تتألف المحكمة من رئيس ومن محقق واحد أو اثنين يساعدهم موظفون يخفون جميعهم وجوههم تحت قبعات واسعة للتغطية على شخصياتهم، ويُستدعی شاهدا إثبات على أقل تقدير، يسبق عمل المحكمة قيام لجان التفتيش بزيارات المدن، وحالما تصل اللجنة إلى مدينة ما تبلغ الموظفين الحكوميين المحليين بضرورة التعاون وتسهيل عملية التحقيق مع المتهمين بالهرطقة والمصادقة على الأحكام الصادرة بحقهم فيما بعد. من جانبهم يدعو رجال الكنيسة الأهالي للحضور إليها حيث يقدم المحققون الدومينيكان الوعظ الذي يزرع الهلع والفزع في قلوب الناس ويمهلون أسبوعاً لغرض التأمل والاعتراف بهرطقتهم وخطاياهم. بعد تقديم الوعظ يعود التفتيشيون إلى محل إقامتهم وينتظرون قدوم الأهالي للإدلاء باعترافاتهم. تحت جنح الظلام يقوم المبلغون والوكلاء بزيارات ليلية للمحققين لتزويدهم بالمعلومات عن أهالي المدينة، بعد أن ينالوا ضماناً بالتكتم على أسمائهم وشخصياتهم.
   ومن الطرق التي انتهجتها الكنيسة في التحقيق، يخبرنا تشارلس لي2 أنها اعتمدت طريق المحنة، أي وضع المتهم والمشكوك في أمره في محنة للتأكد من براءته إذا اجتازها أو عدم براءته إذا فشل في اجتيازها. ورغم أن هذا الأسلوب في المحاكمة يرجع إلى الفترة السابقة على ظهور المسيحية فقد أقرته الكنيسة ووافقت على قيام رجال الإكليروس بتطبيقه. ونحن نرى في القانون الأنجلو ساكسوني أربعة أنواع من هذه المحاكمات التي تضع المتهم في امتحان. أولها وضع كرة ملتهبة أو قطعة من الحديد المحمي في يدي المتهم ليسير بها لمسافة تسع خطوات فإذا تقيحت جروحه فهذا دليل على إدانته، وثانيها وضع يده في الماء المغلي حتى يصل إلى معصمه أو كتفه طبقاً لخطورة الجرم المرتكب. وفي كلتا الحالتين يقوم القسيس بتقييد المتهم لمدة ثلاثة أيام يفحص القسيس بعدها يدي المتهم فإذا ظهرت أية أعراض للتقيح فهي إشارة من الله إلى أن المتهم مذنب، وإذا لم تظهر أعراض التقيح فهي دلالة على براءته. والنوع الثالث من هذه المحاكمات فيتلخص في القاء المتهم في ماء مثلج فإذا غاص فيه فهو برئ وإذا طفا فوقه فهو مذنب. أما النوع الرابع فيتلخص اعطاء المتهم لقمة خبز كبيرة تزن أوقية فإذا عجز عن ابتلاعها ووقفت في زوره فهو مذنب وإذا ابتلعها دون مشاكل فهو بريء. وكانت هذه الاختبارات خارج العالم الانجلو ساکسوني (انجلترا وألمانيا) تتخذ أشكالا أخرى منها وضع عصابة على عيني المتهم حتى يسير معصوب العينين بين محاريث ملتهبة مثل الجمر. فإذا كان المتهم بريئاً وفقه الله ألا يحترق بجمرها وإذا لم يوفق وأصابته الحروق بالأذى فإن المحكمة تعتبره مذنباً وتوجه الاتهامات إليه. وكانت هذه الاختبارات جميعاً تتم دائماً بعد القداس وبعد أن يكون المتهم قد أخذ التناول في يد الكاهن.
   لقد عمل محققو محاكم التفتيش وقضاتها وجلادوها كافة تحت إمرة البابوات وكانوا أدوات لتنفيذ مآربهم ووسيلة لكسر شوكة كل من يحاول التعرض لسلطة الكرسي الرسولي أو يوجه الانتقاد للبابا، لذلك يتحمل الراعي الأعلى للكنيسة تبعات کل ما اقترفته تلك المحاكم إبان القرون الوسطى. ألزمت الأوامر البابوية الأمراء والنبلاء كافة بمعاقبة أو حرق الهراطقة في مناطق نفوذهم ومن لا ينفذ الأمر يحرم من الكنيسة ويمثل أمام محاكم التفتيش. لم تقتصر صلاحيات محاكم التفتيش على إصدار الأحكام بحق الهراطقة ومعاقبتهم، بل شملت مراقبة الناس فيما يقرأون من كتب. عندما جلس الكاردينال بطرس غارافا (Garafa) على الكرسي الرسولي، صادق على قانون الكتب الذي يمنع الكاثوليك من قراءتها، أو حتى اقتنائها. بعدها صادق المجلس الكنسي الكاثوليكي على منع قائمة طويلة من الكتب، وبذلك حجب عن العلماء واللاهوتيين والأكاديميين الاطلاع على مجالات واسعة من العلوم الطبيعية والإنسانية والفلكية.
   ونقرأ في كتاب (محاكم التفتيش) لعلي مظهر، أن من بين آلات التعذيب التي كانوا يستعملونها ما يشيب لهولها الولدان وتتمزّق لسماعها القلوب، إذ كانوا يستعلون سلاسل مشدودة إلى حلقات في الأرض من أجل ربط المذنبين عند تعذيبهم، وكانوا يعتمدون عضاضات حديدية من أجل عض لحم المذنب، كما كانوا يتوسلون بآلات لنزع اللسان من أصله، وأحذية من حديد يتركونها تحمى إلى درجة الاحمرار ثم يلبسونها للتعذيب بها، وسلاسل من حديد معلقة في القف، يربط فيها السجين، فتتجاذبه وتمزقه تمزيقاً، وغيرها كثير من آلات التعذيب التي لا تقوى نفس إنسان على استخدامها ضد أعدى عدوها، ناهيك عن إنسان ذنبه الوحيد هو اختياره الحر في المعتقد.
   وبعد بضعة قرون من إقامة محاكم التفتيش، تعالت أصوات الانتقاد والاحتجاج ضد ممارساتها الوحشية واللاإنسانية، وشككت بعض النخب في مشروعيتها وحقها بتعذيب وإدانة الأشخاص وحرقهم أو قتلهم تحت ذرائع واهية. وأبرز تلك الانتقادات كانت الملاحظات التالية التي دونها البروتستانتي هوب ماير3:
1)   إن محققي محاكم التفتيش يعذبون ضحاياهم بتهمة الهرطقة، في الوقت الذي هم أنفسهم هراطقة من الدرجة الأولى ويخالفون تعاليم الإنجيل ويتصرفون عكس رسالة وسيرة المسيح.
2)   لم يأتِ المسيح من أجل القتل والتعذيب أو الحرق، إنما جاء من أجل الحياة والحب وسعادة الإنسان، وصُلب لأنه كان هرطيقاً من وجهة نظر أعدائه.
3)   الذي يصدر الحكم بحرق هرطيق باسم المسيح، إنما في الحقيقة يخون المسيح ويتنكر له.
4)   إنه لأمر جلي، حتى لغير المبصرين بأن شرعنة حرق الهراطقة ما هو إلا اختراع من عند الشيطان.
5)   إن إصدار الكنيسة لقانون محاكم التفتيش ووضعه سلاحاً بيد الجلادين كان خطأ تاريخياُ جسيماً دفع الشعب المسيحي والإنسانية ثمنه غالياً وأساء لسمعة ومكانة الكنيسة وقيادتها.
المراجع:
 
1  اسطيفان، نجيب. صراعات الكنيسة وسقوط القسطنطينية: دار التكوين، ط1، دمشق، سوريا، 2011، ص 340.
2  هو هنري تشارلس لي، أمريكي، مؤرخ المسيحية، ولد في 19 شتنبر عام 1825، ووافته المنية يوم 24 أكتوبر من عام 1909م.
3  وُلِد في فريدبرغ، بافاريا، حوالي 1480م، وكان قائدًا مؤثرًا للتجديد الألماني، وواحداً من اللاهوتيين الأكثر شهرة واحتراماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى