مدارس الاستشراق

thumbnail
مدارس الاستشراق
 
إن الحديث عن مدارس الاستشراق هو حديث بالغ التعقيد نظراً لقلة المصادر التي تناولته، وحتى الذين أرخوا للاستشراق لم يتطرقوا إليه، بل انصب اهتمامهم على تناول أبحاث المستشرقين نقلا أو تحليلاً أو إجاباً، اللهم إلا ما فعله “الهروي” الذي قسم المستشرقين إلى مدارس ثلاث:
1-مدرسة تختص بمباحث القرآن الكريم.
2-مدرسة تتعلق بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
3-مدرسة تختص بالتاريخ العربي والإسلامي.
وهذا التقسيم لا يمكن الاعتماد عليه؛ لأنه يتعامل مع الاستشراق على أنه يهتم فقط بما يتعلق بالإسلام والمسلمين1 متجاهلا البحث في المجالات الأخرى في الدراسات العربية الإسلامية لدى علماء المشرقيات2.
وممن اهتموا بهذا الموضوع ايضا نجيب العقيقي الذي عقد فصلا خاصاً به في كتابه “المستشرقون” في طبعته الأولى، واهتم في هذا الفصل بتوزيع الاستشراق إلى مدرستين هما:
1-المدرسة السياسية التي تبحث في الأدب بمفهومه العام.
2-المدرسة الأثرية التي تهتم بالآثار3.
غير أنه لم يقف عند هذا الحد، بل واصل دراسته للاستشراق على أساس التوزيع الجغرافي فأشار إلى علمائه وجهودهم من كل دولة على حدة، وهذا ما فعله أيضاً في كتابه “المستشرقون” في ثوبه الجديد حيث لم يعقد بحثاً مستقلا في مدارس الاستشراق، بل لم يذكرها على الإطلاق، ومع ذلك فمن الجلي أنه تمسك نهائياً بالتوزيع الجغرافي4.
هنا تتجلى صعوبة البحث في هذا الموضوع-مدارس الاستشراق-إذ (من المستحيل تصنيف هذا العدد الهائل من المستشرقين في مدارس ذات خصائص محددة، حيث إنهم يمثلون جنسيات مختلفة، ويتكلمون لغات متعددة، ويسيرون في اتجاهات متنوعة، وينطلقون من أهداف متقاربة. ولابد لكل من أراد الخوض في هذا الموضوع خاصة، وميدان الاستشراق عامة أن يلم بأطراف كل هذه الاختلافات وهذا ما يبدو أمر مستحيل، ولكن مع استحالته هذه فإنه من الممكن الالتجاء إلى التوزيع الجغرافي كأساس للتصنيف انطلاقا من أن البيئة بما لها من خصائص-إيجابية كانت أو سلبية-ذات أثر كبير في تكوين شخصية الكاتب وتوجيه أفكاره)5.
وفي حديثي عن هذه المدارس، سأقتصر على سبيل المثال لا الحصر على ثلاث مدارس ولعلها الأهم والأبرز في حركة الاستشراق، وهي: المدرسة الفرنسية، المدرسة الإنجليزية، والمدرسة الألمانية، وإلا فكل بلد غربي له مدرسته الخاصة به، وفي هذه الحالة الموضوع يحتاج إلى إفراده ببحث خاص به.
1-المدرسة الفرنسية:
تعد المدرسة الاستشراقية بفرنسا من أبرز المدارس الاستشراقية، وأغناها فكراً وأخصها إنتاجاً وأكثرها وضوحاً، ويعود سبب ذلك للعلاقات الوثنية التي تربط فرنسا بالعالم العربي والإسلامي قديماً وحديثاً، وكانت فرنسا موجودة في معظم علاقات العرب بأوروبا في حالات السلم والحرب، فالعرب وصلوا إلى حدود فرنسا وأخافوها، وكانت فرنسا على علاقة وثيقة بدولة الخلافة العباسية في أيام شارلمان والرشيد، وشاركت في الحروب الصليبية، وتطلعت إلى احتلال أجزاء من الوطن العربي، وغزا نابليون مصر، وأقام علاقات سياسية واقتصادية معها، واحتلت فرنسا المغرب العربي وسوريا ولبنان.
وهذا التاريخ السياسي المتواصل، جعل فرنسا من أوائل الدول الأوربية التي عنيت بالدراسات العربية والإسلامية، للاستفادة منها وترجمة آثارها وإنشاء كراس علمية لتدريسها منذ القرن الثاني، وأوفدت طلابها المدارس الأندلس لدراسة الفلسفة والحكمة والطب فيها6.
 بعض ملامح الاستشراق الفرنسي7:
1-تتركز دراساته حول ثلاثة محاور، وهي:
أ-المحور الديني.
ب-المحور السياسي.
ج-المحور الاستعماري.
2-يعتبر معهد اللغات الشرقية الذي أسس سنة 1195 م أهم مكان ترعرع فيه الاستشراق الفرنسي.
3-أسس كثيراً من المعاهد والمدارس الثقافية في بلاد الشرق التي كان لها تأثير كبير في فرنسة عدد من هذه البلاد خاصة التي استعمرت من قبل فرنسا.
4-يمتاز الاستشراق بالتخصص، أي إن معظم أفراده تخصص كل منهم في جانب معين من جوانب البحث والدراسة.
ومن المستشرقين الفرنسيين الذين عنوا بدراسة الشرق:
– بوستل (1505-1581) Postel, G صاحب “أبجديات اللغات”، و”قواعد اللغة العربية”، و”توافق القرآن والإنجيل”، و”عادات وشريعة المسلمين”.
– هربلو (1625-1695) d’Herbelot, B، اشتهر بالكتاب الذي صنفه وأسماه: المكتبة الشرقية، أو المعجم العام، وهو دائرة معارف في بضعة مجلدات، مرتبة على حروف المعجم، تبحث في علوم الشرقيين وتاريخيهم وآدابهم وأديانهم ونظمهم وعاداتهم وأساطيرهم وغيرها….
– البارون دي ساسي (1758-1838) Sacy . S de، من آثاره : “ثلاث مذكرات”، قدمها إلى المجامع العلمية، عن مصر منذ الفتح الإسلامي إلى الحملة الفرنسية، والتشريع العربي الذي سبق مونتسكيو في كتابه “روح الشرائع”….
– شربونو (1813-1882) Cherhonneau, J. Aug، من آثاره: في المجملة الآسوية: شعراء العرب وأدباؤهم، وقصة عنترة، وترجمة المقامة الثلاثين للحريري ومختارات للعمري، ثم ترجم مجموعة قصص ……. من كتاب العرب المسلمين…8.
2-المدرسة الإنجليزية
تتميز المدرسة الاستشراقية الإنجليزية بالعمق والدقة، وهي أكثر المدارس صلة بالشرق، وبخاصة بالشرقين الأوسط والأقصى، وكانت صلات بريطانيا بالشرق قوية، عن طريق الاتصالات الثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، وكانت المدرسة الإنجليزية وثيقة الصلة بمنطقة الخليج والعراق، ولا يمكن إغفال أهمية تلك البلاد الهندية في إغناء الفكر الإسلامي.
ومن الطبيعي أن تتأثر المدرسة الإنجليزية باهتمامات المناطق الجغرافية التي تسيطر عليها، وان توجه اهتمامها لفهم إسلام كل منطقة منطقة ومكوناته وفكره وتراثه9.
وقد كان الاستشراق البريطاني في بداية أمره ذا طابع ديني، ولكنه أخذ في العصور المتأخرة منحى سياسياً استعمارياً صارخاً، إذ اشتهرت الدولة البريطانية بانتهاج سياسة (فرق تسد)، للاستلاء على مقدرات الشعوب، وتجزئة أراضيها، وتقطيع أوصالها، وقد ركزت لإنجاز مشروعها هذا على نشر الدراسات الطائفية، ونجحت من خلالها في الاستيلاء على معظم أرجاء الكرة الأرضية، حتى باتت إمبراطوريتها تعرف بـ (الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس)10.
ومن أبرز المستشرقين الإنجليز:
– جوزيف وايت (1746-1814) White , J من آثاره: أعد طبعة هاركلنيان، من العهد الجديد، وألقى سلسلة محاضرات قران فيها بين الإسلام والنصرانية..11.
– جب هاملتون (1895-1971)، صاحب كتاب فتوح العرب في آسيا الوسطى، وفيه دراسة عن العلاقات بين الجماعات المختلفة التي اشتركت في هذه الفتوح… ، وصاحب “الأدب العربي” وله سلسلة مقالات في الأدب العربي المعاصر، كما له كتاب مهم فيما يتصل بتاريخ الحروب الصليبية الأولى سماه “التاريخ الإسلامي”..12.
– آربري (1905-1969)، له عدة مؤلفات، منها “صفحات من كتاب اللمع”، وقدم له بمقدمة فيها دراسة ممتازة حارة عن أستاذه نيكلسون الذي نشر “اللمع” للسراج، وترجمة “زنبقة سينا” لمحمد إقبال، و”خمسون قصيدة لحافظ الشيرازي مع ترجمة إلى الإنجليزية.13.
– السيرتوماس أرنولد (1864-1930)، صاحب كتاب “الدعوة إلى الإسلام” و”الرسم في الإسلام”، و”العقيدة الإسلامية” و”الكتاب الإسلامي”…14.
3-المدرسة الألمانية:
تتميز المدرسة الألمانية بالجدية والعمق والدقة، ومن الصعب تجاهل دورها في مجال البحث والدراسة، وبالرغم من أنها بدأت في وقت متأخر، فإن المستشرقين الألمان أكدوا أصالة هذه المدرسة وقوتها وقدرتها على التصدي لقضايا فكرية هامة15.
يقول أحمد أمين: (وقد عرف الألمان البحث والصبر عليه والاستطاعة العجيبة في أن يؤلفوا بين أجزائه المتنافرة، وأن يصلوا منها إلى أدق النتائج وأعمقها16.
وقد كان الحماس الذاتي طابعاً مميزاً لبعض المستشرقين الألمان، وخاصة القدماء منهم فقد كان بعضهم ينشر النصوص العربية ويطبعها على نفقته على الرغم مما يعانيه من زهد الغربيين فيها ووصل الحماس ببعضهم أنه أتقن ما يقرب من خمسين لغة ولهجة، وخير مثال على ذلك فريد ريش روكرت17.
ومن أبرز المستشرقين الألمان:
– كارل بروكلمان (1868-1956) Brockelmann، اشتهر بحجم نشاطه وغزارة إنتاجه الذي اتصف بالموضوعية والعمق والشمول والجدة، مما جعله مرجعاً للمنصفين في التاريخ الإسلامي والأدب العربي، إذ قل منهم من لم يستند إليه أو يتوكأ عليه في مصنفاته: العلاقة بين كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير وبين كتاب أخبار الرسل والملوك للطبري، والمعجم السرياني. وتاريخ الآداب العربية.18.
– شاخت (1902-1969) هو متخصص في الفقه الإسلامي، وينقسم إنتاجه إلى الأبواب التالية:
أ-دراسة مخطوطات عربية.
ب-تحقيق نصوص مخطوطة في الفقه الإسلامي.
ج-دراسات في علم الكلام.
د-مؤلفات ودراسات في الفقه الإسلامي.
هـ-دراسات ونشرات في تاريخ العلوم والفلسفة في الإسلام.
و-متفرقات19.
– نولدكه (1836-1930)، من أشهر مصنفاته “أصل وتركيب سور القرآن”…، “تاريخ الفرس والعرب ف يعهد الساسانيين”، و”تاريخ الشعوب الإسلامية”.
– زاخاو (1845-1930) Sachau, E، من آثاره: ترجمة غاية الاختصار في فقه الشافعية للأصفهاني، ورحلة إلى سوريا وما بين النهرين، وجغرافيا تاريخية لشمال سوريا..20.
هذه بإيجاز بعض المدارس الاستشراقية، وقد اقتصرت على ذكر ثلاثة مدارس فقط، وإلا فمدارس الاستشراق، كما قلنا في بداية هذا المبحث تحتاج إلى بحث مستقل يتناولها بتفصيل.
المراجع:
1– الاستشراق أهدافه ووسائله للدكتور محمد فتح الله الزيادي، ص: 69- 70، 1423هـ / 1998م.
2– فلسفة الاستشراق للدكتور أحمد سمايلوفتش، ص: 219، ط 1418هـ / 1998م، دار الفكر العربي، القاهرة.
3– الاستشراق أهدافه ووسائله للدكتور محمد فتح الله الزيادي، ص: 70.
4فلسفة الاستشراق للدكتور أحمد سمايلوفتش، ص: 220.
5– الاستشراق أهدافه ووسائله للدكتور محمد فتح الله الزيادي، ص: 71- 72.
6– الاستشراق تعريفه، مدارسه، آثاره للدكتور محمد فاروق النبهان، ص: 22، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، إيسيسكو 1433هـ / 2012م.
7– الاستشراق أهدافه ووسائله للدكتور محمد فتح الله الزيادي، ص: 85- 86.
8– المستشرقون لنجيب العقيق، 1/ 171- 198، بتصرف.
9– الاستشراق تعريفه، مدارسه، آثاره، ص: 26.
10-كتاب قراءة نقدية في “تاريخ القرآن” للمستشرق ثيودورنولدكه لحسين علي حسن مطر الهاشمي، ص: 55.
11- المستشرقون لنجيب العقيقي 2/ 474- 475، بتصرف.
12- موسوعة المستشرقين لعبد الرحمان بدوي، ص: 174- 175، بتصرف، الطبعة الثالثة، يوليو 1993، دار العلم للملايين-  بيروت.
13- نفسه، ص: 5- 7، بصرف.
14- المستشرقون لنجيب العقيقي 2/ 504- 505، بتصرف.
15– الاستشراق تعريفه، مدارسه، آثاره لفاروق النبهان، ص: 30.
16- الاستشراق أهدافه ووسائله لمحمد فتح الله الزيادي، ص: 77. نقلا عن الدراسات العربية في أوروبا لميشال ج…ن ص: 184.
17- الاستشراق أهدافه ووسائله لمحمد فتح الله الزيادي، ص: 79- 80.
18- المستشرقون للعقيقي 2/ 777- 787، بتصرف.
19- موسوعة المستشرقين لعبد الرحمان بدوي، ص: 366- 368، بتصرف.
20- المستشرقون للعقيقي 2/ 738- 742، بتصرف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى