مفهوم الزوال عند ألفين توفلر

thumbnail

مفهوم الزوال عند ألفين توفلر

إن كثيرا من تنظيراتنا المتعلقة بالتغير الاجتماعي والسيكولوجي تعطينا صورة صادقة للإنسان في المجتمعات الثابتة نسبيا – ولكن صورة مشوهة وناقصة للإنسان المعاصر حقا. إنها تفتقر إلى الفرق الخطير بين إنسان الماضي أو الحاضر – وإنسان المستقبل. هذا الفرق الذي يمكن تلخيصه في كلمة “الزوال”.

إن مفهوم الزوال يمدنا بالحلقة التي طال افتقادها بين نظريات التغير الاجتماعية وعلم النفس الفردي. إنه بتحقيقه للتكامل بينهما يعطينا القدرة على تحليل مشكلات التغير السريع بأسلوب جديد. وأيضا كما سوف ترى فإنه يمدنا بطريقة قد تكون فجة ولكنها فعالة – لقياس معدل تدفق المواقف قياسا استدلاليا.

إن الزوال هو “الموقوتية” الجديدة في الحياة اليومية التي ينجم عنها مزاج أو شعور اللاثبات. و بالطبع فإن الفلاسفة واللاهوتيين كانوا ينظرون إلى الإنسان دائما ككائن زائل. وبهذا المعنى العام فإن الزوال كان دائما جزءا من الحياة. ولكن الشعور باللاثبات أصبح – في أيامنا هذه – أكثر قربا وأشد حدة. وهكذا نجد الكاتب إدوارد ألبي يصور لنا شخصية جيري في روايته “قصة حديقة الحيوان” في صورة (الزائل دائما) ثم يكتب الناقد هارولد کلورمان معلقا على رواية ألبي قائلا: “ليس منا من يسكن منازل أمن حقيقية. إننا جميعا نفس هؤلاء الناس الذين يشغلون مساكن مؤقتة ويحاولون بیأس ووحشية أن يخلقوا روابط مطمئنة للروح مع جيرانهم. إننا جميعا في الحقيقة مواطنو عصر الزوال”.

ومع ذلك فليست علاقاتنا بالناس هي وحدها التي تبدو أكثر فأكثر هشة وغير ثابتة، فلو قسمنا خبرات الفرد خارج نفسه فإننا نستطيع أن نصنف نوعيات معينة من العلاقات. فإلى جانب ارتباطات الفرد بغيره من الناس نستطيع أن نتحدث عن علاقته بالأشياء. نستطيع على سبيل المثال أن نختار للفحص علاقته بالأمكنة، أو نحلل روابطه بمنظمات ومؤسسات البيئة التي يعيش فيها. بل إن من الممكن أن تدرس علاقته بأفكار معينة أو بتدفق المعلومات في المجتمع.

هذه العلاقات الخمس – بالإضافة إلى الزمن – تشکل صيغة الخبرة الاجتماعية، وهذا هو ما دعانا – في فصل سابق – إلى افتراض أن الأشياء والأمكنة والناس والمؤسسات والأفكار هي المكونات الأساسية لجميع المواقف. إن علاقة الفرد المتميز بكل من هذه المكونات هي التي ينبني عليها الموقف .

وهذه هي بالذات العلاقات التي تبدأ في التقلص والتناقص عندما يقع التسارع في المجتمع. فالعلاقات التي كانت من قبل تمتد على فترة طويلة من الزمن. أصبحت الآن قصيرة العمر. إن هذا الاختزال، هذا الضغط هو الذي يثير ذلك الشعور الذي يكاد يكون حقيقيا بأننا نعيش بلا جذور. وبلا ثقة، وسط كثبان من الرمال المتحركة.

والواقع أننا نستطيع أن نعرف الزوال تعريفا دقیقا باصطلاحات تنتمي إلى المعدلات التي تتحرك بها علاقاتنا. إنه قد يكون من الصعب إقامة البرهان على أن المواقف أصبحت تستغرق في المرور خلال خبراتنا وقتا أقل من ذي قبل، ولكن من الممكن أن نفكك هذه المواقف إلى مكوناتها الأساسية، وأن نقيس المعدل الذي يتحرك به أي من هذه المكونات إلى داخل أو خارج حياتنا، أو بعبارة أخرى، أن نقيس دوامية العلاقات .

وسوف يساعدنا على استيعاب مفهوم الزوال أن نفكر فيه باصطلاحات تنتمي إلى فكرة “حركة التغير”. ففي محل بقالة على سبيل المثال تكون حركة اللبن أسرع بكثير من حركة الأسبرج المعلب. أي إنه يباع ويستعوض بشكل أسرع. ورجل الأعمال اليقظ يعرف تماما معدل حركة كل صنف من الأصناف التي يبيعها والمعدل العام لحركة مخزنه كله، إنه يعرف في الحقيقة أن معدل هذه الحركة هو مؤشر النجاح لمشروعه.

ونستطيع بالتشبيه أن نفكر في الزوال كمعدل حركة التغير بالنسبة لأنواع العلاقات المختلفة في حياة الفرد. وفوق ذلك فإن من الممكن أن تتحدد سمات كل منا في اصطلاحات تنتمي إلى هذا المعدل. فبالنسبة للبعض تتسم الحياة بمعدل تحرك في العلاقات أكثر بطئا من مثيله لدى الآخرين. وإنسان الماضي والحاضر يعيش حياة ذات “زوال أقل” نسبيا – أي إن علاقاته تدوم أطول. ولكن إنسان المستقبل يعيش حياة ذات “زوال أعلى” – أي إن علاقاته تدوم أقل، وبعبارة أخرى فإنه في حياته تصير الأشياء والأمكنة والناس والأفكار، والأبنية التنظيمية “مستهلكة” بشكل أسرع.

إن هذا يؤثر أبلغ الأثر في إدراك الناس للواقع وفي إحساسهم بالانتماء، وفي قدرتهم أو عجزهم على المواجهة. إنه ذلك الاستهلاك السريع للمواقف مضافا إلى التمدد والتغيير المتزايد للبيئة، هو الذي يرهقهم من أمرهم عسرا ويحد من قدرتهم على التكيف، وبالتالي يعرضهم لأخطار صدمة المستقبل .

إذا استطعنا أن ندلل على أن علاقتنا بالعالم من حولنا قد أخذت، بشكل مطرد، تصبح أكثر زوالية، فإننا نكون قد ملكنا البرهان القوي على ما افترضناه من أن تدفق المواقف يتسارع أكثر فأكثر. ويكون قد أصبح لدينا طريق جديد واضح المعالم للنظر في أنفسنا وفي الآخرين، ومن ثم فهلم بنا نستكشف الحياة في مجتمع عالي الزوالية.

المرجع:

– ألفين توفلر. صدمة المستقبل، المتغيرات في عالم الغد: ترجمة، محمد علي ناصف، الصفحة: 36 – 38.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى