مقاصد التأليف

thumbnail
مقاصد التأليف
 
لقد قيل إن الكتابة فرصة ثانية للعيش، فحيث لا نستطيع أن نعيد الوقت لنعيش الحياة مرة أخرى، فمن الممكن العيش في الحدث مرة أخرى وتفسيره من خلال الكتابة، ولذلك فالكتابة هي إحدى أهم وأبرز طرق التواصل بين الناس منذ العصور القديمة إلى العصور الحالية، ولشدة أهميتها عبر التاريخ الإنساني، فقد عدَّ المتخصصون اكتشاف الكتابة واحدةً من أهم الإنجازات الإنسانية عبر التاريخ، فباتوا يصنّفون الأحداث التاريخية بناءً على بعدها أو قربها زمانياً من هذه اللحظة المفصلية من حياة الإنسان.
   بيد أن الكتابة أو التأليف لا يمكن الخوض فيه من غير تبصّر للغاية من ورائه، وهو الأمر الذي أولوه المتقدمون عناية كبرى، إذ عدّدوا مقاصد التأليف وغايتَه في سبعة، فكل مؤلف خرج عن هذه الغايات السبع من التأليف، لا يعدو أن يكون تأليفه مجرد تسويد للصحائف ليس إلا. وعليه فإن التأليفات تتعدد بتعدد مجالات العلوم المختلفة (من فقه، وتفسير، وحديث، وعقيدة، وغيرها)، وكل هذه العلوم ينبغي فيها أثناء التأليف مراعاة هذه المقاصد حتى تستوفي الغرض من التأليف.
   نموذج المقصد الثالث من التأليف في التفسير
   والمؤلفات في مجال التفسير منها ما يروم صاحبها المقصد الأول، ومنها ما يروم المقصد الثاني، ومنها ما يروم الثالث، ومنها ما يروم الرابع، وهكذا، ونحن سنهتم في هذا المجال بالمقصد الثالث منه، وعليه فسنتطرق إلى مفهوم المقصد الثالث من التأليف، وكذا الحديث عن بعض المصنفات التي أُلّفت على ضوء هذا المقصد في التفسير، كما سنفرد دراسة تطبيقية لنموذج “أنوار الهلالين في التعقبات على الجلالين”، في حين سنوجز في الختام ما توصلنا إليه من نتائج.
   مفهوم المقصد الثالث من التأليف
   نعني بالمقصد الثالث من التأليف، المقصد الثالث حسب الترتيب الذي جاء به كل من ابن حزم وابن خلدون وأحمد المقري التلمساني، وغيرهم ممن نحى نفس المنحى في الترتيب، فالمؤلف حينما يريد أن يشرع في التأليف يستحضر في الذهن الغاية أو المقصود من هذا التأليف، والغايات أو المقاصد من التأليف لا تخرج عما ذكرها هؤلاء العلماء، فهي بحسب قولهم سبعة “شيء لم يسبق إليه فيؤلف، أو شيء ألف ناقصاً فيكمل، أو خطأ فيصحح، أو مشكل فيشرح، أو مطول فيختصر، أو مفترق فيجتمع، أو منثور فيرتب”1.
   والمقصد الثالث منها هو تصحيح خطأ وارد في كتاب المتقدمين، وهو ما بسطه ابن خلدون في مقدمته فقال بعد أن ذكر المقصدين الأولين “وثالثها: أن يعثر المتأخر على غلط أو خطأ في كلام المتقدّم، ممّن اشتهر فضله وبَعُد في الإفادة صيته،ويستوثق من ذلك بالبرهان الواضح، الذي لا مدخل للشكّ فيه، فيحرص على إيصالذلك لمن بعده، إذ قد تعذّر محوه بانتشار التأليف في الآفاق والأعصار وشهرة المؤلّف، ووثوق الناس بمعارفه، فيودع ذلك الكتاب، ليقف الناظر علىبيان ذلك.”2.
   فمعنى ذلك أن يقع الخطأ في مؤلفات المتقدمين إما عن سهو أو عمد – سيما إن كان المؤلِّف متعصباً لفرقة من الفرق – أو قصور في الفهم والمعرفة، لعدم تبصر المؤلِّف الفنَّ المؤلف فيه جيداً، كما حدث مع حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، وذلك لعدم معرفته الواسعة في فن الحديث، وهو صريح قوله في قانون التأويل، عندما قال: “وبضاعتي في علم الحديث مزجاة”3، ثم يأتي المتأخرون بعدما يدركون هذه الأغاليط التي وقع فيها المتقدمون بغرض إفراد مؤلفات خاصة لتصحيحها والتعقيب عليها، والكتب التي ألِّفت لهذه الغاية تزدان بها المكتبات الإسلامية، ليس فقط في مجال واحد دون غيره، وإنما في مختلِف المجالات الإسلامية، من حديث، وفقه، وأصول، وعقيدة، وتفسير، وغيرها، وفي هذا المبحث الموالي سنعرض جملة من الكتب المؤلفة على هذا النحو من التأليف في مجال التفسير، أي الكتب التي ألِّفت لقصد تصحيح ما وقع فيه الأقدمون من أخطاء أثناء التفسير.
   بعض المؤلفات التي ألّفت على ضوء هذا المقصد في التفسير
   إن التفاسير في مجموعها ولاسيما القديمة منها لا تخلو من تعقيبات وانتقادات المتأخرين حول أخطاء وقع أصحابها فيها أثناء التفسير، وهذه المؤلفات التالية بعض مما راع فيها أصحابُها مقصد التصحيح والانتقاد.
*    أنوار الهلالين في التعقبات على الجلالين، وهو كتاب لمحمد بن عبد الرحمن الخميس، يرد فيه على “تفسير الجلالين” لجلال الدين المحلَّى، وجلال الدين السيوطي، ويصحح الأخطاء الواقعة فيه، وهو من بين الكتب التي ألفت لغاية تصحيح الأخطاء.
*    المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال، للشيخ عبد الله الدويش يرد فيه على كتاب “في ظلال القرآن” لسيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي، قام عبد الله الدويش رحمه الله بعد إلحاحٍ من بعض طلبة العلم ببيان ما في الكتاب من أخطاءٍ وزلاَّت؛ بيانًا للحق، ونُصحًا للأمة، وتنقيةً للكتاب مما فيه من مُخالفاتٍ أو انتقاداتٍ.
*    تعقبات وملاحظات على صفوة التفاسير، لصالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، يرد فيه على كتاب “صفوة التفاسير” لمحمد بن علي الصابوني، يبين فيه ما اشتمل عليه من أخطاء في العقيدة مستمدة من كتب ليست هي أوثق التفاسير.
*    الانتصاف على الكشاف، لابن المنير، يرد فيه على “تفسير الزمخشري” لأبي القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري.
*    بدع التفاسير، لأبي الفضل عبد الله محمد الصديق الغماري الحسني الإدريسي، وهو مؤلَّف مهم، تضمَّن التنبيه على بعض التفاسير المخطئة، وقد تكون أحيانًا خاطِئة يجب اجتنابها في فهم كلام الله تعالى، ولم يقصِد المؤلفُ استيعاب التفاسير المخطئة والخاطئة؛ فإن ذلك لم يتيسَّر له، وإنما ذكر بعض النماذج فقط.
*    روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، وهو تفسير لأبي الثناء الآلوسي، تعقب فيه على بعض المواضع الواردة في “أنوار التنزيل وأسرار التأويل” لعبد الله بن عمر البيضاوي، وقد جاء ببعض هذه النماذج حسن بن محمد علي آل أيوب عسيري في رسالته الدكتوراه تحت عنوان “تعقبات شهاب الدين الألوسي على ناصر الدين البيضاوي من خلال كتابه روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني جمعاً ودراسة”.
*    الإسرائيليات الموضوعة في كتب التفسير، كتاب للدكتور محمد بن محمد أبو شهبة يبين فيه الإسرائيليات المبثوثة في كتب التفاسير، وذكر ذلك في كتابه هذا فقال: “أبيّن فيه الإسرائيليات المبثوثة في كتب التفاسير، مع تزييفها وبيان بطلانها، وقد صادف هذا البحث المفيد هوى في نفسي. لأني أعلم شدة حاجة المسلمين إلى مثل هذا المؤلّف الذي يذبّ عن كتاب الله تعالى ما علق بتفسيره من الأباطيل، والخرافات والأكاذيب التي كادت تطغى على التفسير الصحيح لكتابه تعالى”4.
*    الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، رسالة علمية نال بها صاحبها (رمزي محمد كمال نعناعة) درجة الدكتوراه، وفي ثناياها بيّن ما أحاط معظم كتب التفسير من الإسرائيليات التي عملت على إفساد عقائد بعض المسلمين، لذلك فقد قدم خدمة كبيرة، وثمرة عظيمة، يجدر بكل طالب أن يعمل على الإفادة منها حتى يكون على بينة من أمره حين يطلع على كتب التفسير.
*    الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم، كتاب للدكتور محمد حسين الذهبي، تناول فيه الاتجاهات المنحرفة في القرآن الكريم، وقد جاء في ثنايا ما يلي: “قرأت فيها (في كتب التفسير) على اختلاف مناهجها، وتباين اتجاهاتها، وتلون أساليبها، فرأيت الكثير منها لا يخلو من اتجاهات منحرفة في فهم النص القرآني، وتأويلات باطلة، بعضها متكلف مرذول، يمجه الذوق السليم، وتأباه بلاغة القرآن الكريم، وبعضها لا يتفق وقواعد الدين، وربما خرج بصاحبه إلى زمرة من ليسوا بمسلمين!!
   وقد رأيت أن أتتبع هذه الانحرافات في كتب التفسير على اختلاف عصورها، وتباين مذاهبها واتجاهاتها، ثم أجمع من هذه الأفكار المنحرفة، والتأويلات المحرفة لكتاب الله مثلا عدة، أرجعها إلى أسبابها ودوافعها التي دفعت بقائليها إلى أن يسودوا بها صحائف تفاسيرهم، ثم أدفع هذه الأباطيل، وأزيف هذه السخافات والأضاليل، التي تروج على بعض الأغمار الجهلة، وكثيراً ما يخدع بها من أخذوا من العلم نصيباً لا يحميهم من هراء المبتدعة ونزغات المضللة”5.
   فهذه جملة ما عثرنا عليه من المؤلفات التي رام فيها أصحابها غاية التصحيح والتعقيب على المفسرين القدامى منهم والمحدثين، بمعنى أنهم تصدوا للتأليف وفق ما يقرره المقصد الثالث من التأليف، على أنه لا يمكن حصر المصنفات التي هدفت إلى تصحيح ما ورد من أخطاء في كتب التفسير في هذه المصنفات التي ذكرها فقط، بل قد تكون هناك وبلا شك دراسات أخرى كثيرة قصدت نفس المقصد.
   دراسة تطبيقية لنموذج “أنوار الهلالين في التعقبات على الجلالين”
   لقد تحدثنا في المبحثين الآنفين عن مفهوم المقصد الثالث من التأليف، وذكرنا نماذج من مصنفات ألِّفت على ضوء هذا المقصد، وعليه فقد ارتأينا أن ننتخب كتاب “أنوار الهلالين في التعقبات على الجلالين” لندرسه دراسة تطبيقية، نتطرق في البداية إلى نبذة تعريفية حول كتاب “تفسير الجلالين”، ثم نعرض بعد ذلك منهجية المؤلِّف في التعقيب على هذا الكتاب.
   نبذة تعريفية موجزة لكتاب “تفسير الجلالين”
  اشترك في هذا التفسير الإمامان الجليلان: جلال الدين المحلي، وجلال الدين السيوطي، أما جلال الدين المحلي، فقد ابتدأ تفسيره من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الناس، ثم ابتدأ بتفسير الفاتحة وبعد أن أتمها اخترمته المنية فلم يفسر ما بعدها، وأما جلال الدين السوطي، فقد جاء بعد الجلال الدين المحلي فكمل تفسيره، فابتدأ بتفسير سورة البقرة وانتهى عند آخر سورة الإسراء، ووضع تفسير سورة الفاتحة في آخر تفسير الجلال المحلي لتكون ملحقة به6.
   فالجلال المحلي، فسر الجزء الذي فسره بعبارة موجزة محررة، في غاية الحسن ونهاية الدقة، والجلال السيوطي تابعه على ذلك ولم يتوسع لأنه التزم بأن يتم الكتاب على النمط الذي جرى عليه الحال المحلي كما أوضح ذلك هو في مقدمته، وذكر في خاتمة سورة الإسراء أنه ألّف الجزء الذي ألّفه في قدر ميعاد الكليم، وهو أربعون يوماً، كما ذكر في هذا الموضوع نفسه: أنه استفاد في تفسيره من تفسير الجلال المحلي، وأنه اعتمد عليه في الآي المتشابهة، كما أنه اعترف – جازماً – بأن الذي وضعه الجلال المحلي في قطعته أحسن مما وضعه هو بطبقات كثيرة.
   وعلى الجملة فالسيوطـي قد نهــج في تفسيره منهـــج المـحلي “من ذكـر ما يفـهم من كـلام الله تعالـى، والاعتماد على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتج إليه، والتنبيه على القراءات المختلفة المشهورة، على وجه لطيف وتعبير وجيز، وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية، وأعاريب محلها كتب العربية”.
   ولا أشك أن الذي يقرأ تفسير الجلالين، لا يكاد يلمس فرقاً واضحاً بين طريقة الشيخان فيما فسراه، ولا يكاد يحس بمخالفة بينهما في ناحية من نواحي التفسير المختلفة، اللهم إلا في مواضع قليلة لا تبلغ العشرة كما قيل”7.
   منهجية المؤلف في التعقبات على الكتاب
   إن كتاب “تفسير الجلالين” يعتبر من التفاسير التي لقيت قبولاً حسناً من الناس منذ تأليفه إلى اليوم، بحيث يكاد لا يخلو بيت مسلم لا يتوفر على هذا الكتاب النافع، إلا أنه مع ذلك لم يسلم من الأخطاء والزلات التي لفتت نظر كثير من الباحثين والعلماء، فقد تناولته كثير من الأقلام بالدراسة والنقد، وكُتبت حوله كثير من البحوث، وحققه وعلق عليه غير واحد من العلماء، وليس أدل على ذلك من الخدمة التي أسداها الدكتور فخر الدين قباوة على هذا الكتاب الجليل تحقيقاً وتعليقاً بين مرحلتين اثنتين، سمى الأولى “تفسير الجلالين الميسّر” وسمى الثانية “المفصل في تفسير القرآن الكريم المشهور بتفسير الجلالين”، وكما لا أدل على ذلك من كتاب “أنوار الهلالين في التعقبات على الجلالين” للدكتور محمد بن عبد الرحمان الخميس.
   فهذا الكتاب الأخير، وهو محور دراستنا في هذا المبحث، يصوّر لنا بحق المقصد الثالث من التأليف، وكما قد رأينا آنفاً في المبحث الأول أن للتأليف مقاصد يتوخاها المؤلف من خلاله، فمؤلف هذا الكتاب كان غرضه من تأليفه تصحيح بعض الأخطاء الواردة في كتاب “تفسير الجلالين”، وهو ما أوضحه في نهاية مقدمة كتابه، إذ قال: “والمفسران لهما جلالتهما وقدرهما، وأنا أقل من أن أحكم على هذين الإمامين الجليلين بشيء ولكن هي أمور وجب علي شرعا التنبيه عليها والتحذير منها، ولا أحاكم شخصهما، إنما أناقش أمورا قرراها في كتابهما، ولا أدعي أنني أوفيت الأمر والموضوع حقه، ولكن هذه أمثلة لهنات وزلات وقعت في الكتاب”8.
   ومن ثـم فالمنهجية التـي اتبعها في تصحيـح هذه الأغـاليط تتـمثل فـي تصحيح بعـض تأويـلات آيــــات الصفات، وإيراد ما للألفاظ من معانٍ لم يوردها مؤلفا الكتاب، ونقد بعض الإسرائيليات التي كذبها شرعنا والتي جاء بها المؤلفان في كتابهما.
   فمن ناحية تصحيح تأويلات المؤلف لبعض آيات الصفات، يسوق بالآيات التي يرى أن تأويلها على خلاف منهج السلف في شكل أمثلة، ولقد بلغت هذه الأمثلة ثمانية وعشرون، وكل مثال من هذه الآيات يعقبها بتأويل المؤلف الخاص له، ثم بعد ذلك ينتقده ويبين الأخطاء التي وقع فيه، ولنقتبس على سبيل المثال نموذجاً واحداً من هذه النماذج، إذ يذكر الآية الكريمة، مثلاً قوله تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾ ثم يأتي بقول المؤلف فيها، وهو كالتالي: “أي ذي الرحمة وهي إرادة الخير لأهله”، وبعد ذلك يأخذ في التعقيب عليه، ويقول: ” الرحمان والرحيم اسمان دالان على صفة الرحمة فالله تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء وعمت كل حي، والمؤلف رحمه الله اقتصر على لازم الرحمة ولم يثبت صفة الرحمة والقواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها الإيمان بأسماء الله وصفاته وأحكام الصفات وإمرار آيات الصفات على ظاهرها دون تأويل بما يخرجها عن حقيقة معناها، فإن التأويل بما ينفي حقيقة معنى الصفة هو تعطيل لها، بل ونوع من الإلحاد فيها”9.
   وأما من ناحية إيراد معاني الألفاظ التي اقتصر المؤلف على بعض منها فقط، فنفس الطريقة التي سار عليها في نقد تأويلات بعض الآيات، سار عليها في هذه الجزئية، بحيث يورد الألفاظ التي اكتفى المؤلف في تأويلها على بعض مدلولاتها دون سائر ما يستلزمه اللفظ منها، ثم يبين ما أغفل عنه المؤلف مما لابد من إيراده أثناء التفسير، والأمثلة التي جاء بها في هذا المجال لا تربو عن خمسة أمثلة، ولعل اجتزاء مثال منها يزيد الأمر وضوحاً أكثر، ومن هذه الأمثلة ما جاء به من قوله تعالى: ﴿وهو العلي﴾ ثم ما أردفه من قول المؤلف الذي اقتصر في تأويله للعلي على علوه بالقهر فقط، بحيث قال: “وهو العلي: فوق خلقه بالقهر” الأمر الذي جعله ينتقده فيه ويوضح الخطأ الذي كان من المفروض تجنبه، فقال في التعقيب عليه: “هذا قصر لمعنى (العلي) على أحد مدلولاته وإغفال لباقي ما يدل عليه هذا الاسم من المعاني فإنه سبحانه العلي بذاته العلي على جميع مخلوقاته وهو العلي بعظمة صفاته وهو العلي الذي قهر المخلوقات ودانت له الموجودات وخضعت له الكائنات فلابد من إثبات كل هذه المعاني لله”10.
   وبينما من ناحية نقد الإسرائيليات التي كذبها شرعنا فسار على نفس المنوال الذي سار عليه في المسألتين الأوليين، إيراد الآية، ثم تفسير المؤلف لها، فتعقيبه على تفسيره بتصحيح أو تشكيك في صحته العلمية، وكل ذلك في أمثلة قليلة، من بينها هذا المثال “قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿حتى إذا بلغ بين السدين …﴾ قال المؤلف: “بفتح السين وضمها هنا وبعدهما، جبلان بمنقطع بلاد الترك ..” قلت: قَطْعُه بأن السد في بلاد الترك لا دليل عليه”11.
   فهذه هي المنهجية التي سار عليها المؤلف في نقده لكتاب تفسير الجلالين، ومن الواضح في هذا الكتاب – أنوار الهلالين في التعقبات على الجلالين – أن مؤلفَه رام من خلاله غاية التصحيح والتعقيب، وهو المقصد الثالث من التأليف الذي ذكره كل من ابن حزم وابن خلدون وغيرهما، وهو نفس المقصد الذي صبا إليه مؤلفو الكتب التي أوردناها في المبحث الثاني.   
   خاتمــــــة
   وعلى العموم، يمكن القول بأن غاية التأليف ومقصدَه هي غاية ما ينبغي أن يراعيه المؤلف الحصيف في هذا المجال قبل عزمه على التصدي للتصنيف، ومن ثم، فقد استطعنا من خلال هذه الدراسة المتواضعة للمقصد الثالث من التأليف في مجال التفسير أن نخلص إلى أن:
   التأليف من المسائل المهمة في حياة الإنسان، وأنه لابد للمؤلف من استحضار في البال عدم الخروج عن هذه المقاصد السبعة أثناء التأليف، ومن بين أهم هذه المقاصد التي انبرى لها مؤلفو الإسلام في مجال التفسير مقصد التصحيح والتعقيب، لما لهذا المقصدِ من أهمية كبرى في نفض غبار البدع والخرافات عن الدين واستعادة جوهره وصفائه المسلوبين منه بموجبها.
   وأن النماذج على هذا المثالِ من المقصد كثيرة جداً في هذا الفن، وكتاب “أنوار الهلالين في التعقبات على الجلالين” من بين أهم ما يصور لنا هذا المقصد بجلاء، لاستخراجه الأخطاء الحاصلة في كتاب “تفسير الجلالين” وتصحيحها بالبرهان الواضح الذي لا مدخل للشك فيه.
المراجع:
 
1 هذا القول من كتاب أزهار الرياض في أخبار عياض، للمقري التلمساني، ضبط وتحقيق: مصطفى السقا وآخرون، ج 3، مطبعة فضالة، ص 34-35، وقريب من هذا الترتيب بعد المقصد الثالث ذهب ابن حزم وابن خلدون، والذي يهمنا هنا أن الترتيب من المقصد الأول إلى الثالث هو بنفس الطريقة بين هؤلاء العلماء.
2 مقدمة ابن خلدون، تحقيق: الدكتور علي عبد الواحد وافي، ج 3، ط 3، دار نهضة مصر، ص 1237.
3 مجموعة رسائل الإمام الغزالي، قانون التأويل، مراجعة وتحقيق: إبراهيم محمد أمين، المكتبة التوفيقية، ص 630.
4 الإسرائيليات الموضوعة في كتب التفسر، للدكتور محمد بن محمد أبو شهبة، مكتبة الرسالة، ص 4.
5 الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم، للدكتور محمد حسين الذهبي، ط 3، 1986، مكتبة وهبة، ص 7-8.
6 التفسير والمفسرون، للدكتور محمد حسين الذهبي، ج 1، مكتبة وهبة، ص 238.
7 المرجع نفسه، ص 239.
8 أنوار الهلالين في التعقبات على الجلالين، للدكتور محمد بن عبد الرحمان الخميس، ط 1، 1414هـ، دار الصميعي، ص 6-7.
9 المرجع نفسه، ص 9-10.
10- المرجع نفسه، ص 41-42.
11- المرجع نفسه، ص 50-51.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى