موقف المستشرقين من الإيمان بالقرآن الكريم

thumbnail

موقف المستشرقين من الإيمان بالقرآن الكريم

القرآن الكريم هو كتاب الإسلام الأول الذي تقوم على أساسه عقائد الدين الإسلامي وشريعته، وتنبثق منه أخلاق الإسلام وآدابه، فإذا ثبت أنه وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن الإيمان به يصبح أمرا لا مفر منه.

ومن أجل ذلك اتجهت جهود المناهضين للإسلام قديماً وحديثاً إلى محاولة زعزعة الاعتقاد في صحة القرآن وفي مصدره1.

وعندما نراجع ما كتب الاستشراق عامة نجد أن هناك إجماعاً على الوقوف في وجه القرآن، وإنكار مصدره الرباني، والقول أنه من عمل محمد صلى الله عليه وسلم، ويجيء هذا الرأي تعصباً ضد القرآن ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم2.

ومن نماذج هذه الافتراءات:

يقول المستشرق الإنجليزي “جورج سيل” في كتابه: “مقالة في الإسلام”: (ومما لاشك فيه، ولا ينبغي أن يختلف فيه إثنان أن محمداً هو في الحقيقة مصنف القرآن وأول واضعيه، وإن كان لا يبعد أن غيره أعانه عليه كما اتهمته العرب، لكنهم لشدة اختلافهم في تعيين الأشخاص الذين زعموا أنهم كانوا يعينونه، وهَتْ حجتهم، وعجزوا عن إثبات دعواهم، ولعل ذلك لأن محمداً – صلى الله عليه وسلم- كان اشد احتياطاً من أن يترك سبيلا لكشف الأمر)3.

ويرى “ريشارد بل” مؤلف كتاب “مقدمة القرآن” أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمد في كتابته للقرآن على الكتاب المقدس، وخاصة على العهد القديم في قسم القصص، فبعض قصص العقاب كقصص عاد وثمود مستمد من مصادر عربية، ولكن الجانب الأكبر من المادة التي استعملها محمد ليفسر تعاليمه ويدعمها قد استمده من مصدر يهودية ونصرانية. وقد كانت فرصته المدنية للتعرف على ما في العهد القديم أفضل من وضعه السابق في مكة، حيث كان على اتصال بالجاليات اليهودية في المدينة، وعن طريقها حصل على قسط غير قليل من المعرفة بكتب موسى على الأقل4.

ويذهب جيب إلى أن القرآن تعبير عن محمد صادر منه Mohammed’s Utterances5 وهو نفس رأي روزنتال، إذ يعتبر القرآن من إنشاء محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه استمد الأجزاء التاريخية على الأقل من مصدر يهودي مسيحي متأخر Ultimate6.

وللرد على هذا الزعم أقول إن مسألة أن القرآن الكريم من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم مسألة واهية ولا حظ لها من العلم والمنطق، ولا سند لها من لتاريخ والواقع، وإنما هي تخمينات وافتراءات وضعها أصحابها من غير برهان ولا حجة، وادعوا أنها حقيقة ثابتة لا تقبل الجدل، بينما هي مقولة قديمة حمل لواءها الوثنيون القدامى من أهل مكة وغيرهم من المشركين، وسجل عليهم القرآن ذلك وبين زيفها وكذبها وكذب أصحابها، فإذا جاء المستشرقون اليوم من اليهود والنصارى وانضم إليهم ملحوا العالم ليرددوا ما ردده آباؤهم من قبل فلا غرابة عندنا، إذ الأمر قد اخبرنا بمثله من قبل، وإنما الغرابة في أن أصحابه يدعون أنهم محققون منصفون وباحثون معتدلون، وهم عن ذلك بعيدون، بل هم ببغاوات مرددون دون فهم لما ينطقون.

وهاك للقرآن الكريم يعدد أقوال المشركين السابقين تجاه فرية تأليف القرآن الكريم وانتسابها لخير الخلق رسول الإسلام صلى اله عليه وسلم “وقال الذين كفروا عن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قم آخرون فقد جاءوا ظلما وزوراً وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليهم بكرة وأصيلا7، فيرد الرحمان مكذبا: ﴿قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان عفوراً رحيما8.

إذن فهو ليس من تأليف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من أقوال السابقين من يهود أو نصارى، بل هو تنزيل ممن يعلم كل ما طرأ في السماوات وفي الأرض، إذ لا تخفى عليه خافية، ولم يكتف المشركون بذلك قالوا: ﴿إنما يعلمه بشر9.

يقول تعالى مخبراً عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهتان، أن محمداً إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون إلى رجل اعجمي مان بين أظهرهم، غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعاً يبيع عند الصقا، وربما كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، وذلك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يريد جواب الخطاب فيما لابد منه؛ فلهذا قال الله تعالى راداً عليهم في افترائهم ذلك: ﴿لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين10؛ يعني القرآن، أي: فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل نبي أرسل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟! لا يقول هذا من له أدنى مُسْكة من عقل11.

ولو تعقلوا وشعروا بخيبة ظنونهم وتدبروا القرآن الكريم وآياته لرأوا أن القرآن بكل سوره لا يقر بان محمد هو مؤلفه12، بل: ﴿إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين13، ذلكم هو جبريل عليه السلام تلقاه من لدن حكيم عليم ثم نزله بلسان عربي مبين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم وبلغه دون أن يكون له فيه من عمل بعد ذلك إلا:

1- الوعي والحفظ؛

2- الحكاية والتبليغ؛

3- البيان والتفسير؛

4- التطبيق والتنفيذ.

أما ابتكار معانيه وصياغة مبانيه فما هو منهما بسبيل، وليس له من أمرهما شيء، إن هو إلا وحي يوحى، وهكذا سماه القرآن، حيث يقول: ﴿وإذا لم تاتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع إلا ما يوحى إلي14، وأمثال هذه الآيات كثيرة في شأن إيحاء المعاني، ثم يقول جل شأنه في الإيحاء اللفظي: ﴿إنا أنزلناه قرآنا عربيا15، ﴿سنقرئك فلا تنسى16، ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه17، ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الإكرام18، ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا19، ﴿أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا﴾َ20، فانظر كيف عبر بالقراءة والإقراء، والتلاوة والترتيل، وتحريك اللسان وكون الكلام عربيا، كل أولئك من عوارض الألفاظ لا المعاني البحثة21.

القرآن إذن صريح في أنه ليس من تأليف محمد ولا من صنعته، ولا لأحد من الخلق، وإنما هو تنزيل من عند الله بلفظه ومعناه.

ولئن حاك في صدور المستشرقين وافترضوا أن النبي صلى الله عليه وسلم كما هي عادتهم – في اختلافهم عليه- صلوات ربي وسلامه عليه- قد نسب القرآن إلى ربه احتيالا منه لبسط نفوذه على الناس ولجعل كلامه نافذاً فيهم وطاعته واجبة عليهم22.

فإن هذا قياس فاسد في ذاته وفاسد في أسبابه:

أ- أما أنه فاسد في ذاته: فلأن صاحب هذا القرآن قد صدر عنه الكلام المنسوب إلى نفسه، والكلام المنسوب إلى الله تعالى فلم تكن نسبته فيما نسبه إلى نفسه بناقصة من لزوم طاعته شيئاً، ولا نسبة إلى ربه بزائدة فيها شيئاً، بل استوجب على الناس طاعته فيها  على السواء، فكانت حرمتها في النفوس على سواء، وكانت طاعته من طاعة الله معصيته من معصية الله، فهل جعل كأقواله من كلام الله تعالى لو كان الأمر كما يهجس به ذلك الوهم.

ب- وأما فساد هذا القياس من أساسه: فلأنه مبني على افتراض باطل هو تجويز أن يكون هذا الزعيم من أولئك الذين لا يأبون في الوصول إلى غاية إصلاحية أن يعبروا إليها على قنطرة من الكذب والتمويه، وذلك أمر يأباه عليمات الواقع التاريخي كل الإباء، فإن من تتبع سيرته الشريفة صلى الله عليه وسلم في حركاته وسكناته في عباراته وإشاراته في رضاه وغضبه… إلخ، لا يشك في أنه كان أبعد الناس عن الموارية والمداهنة وأن سره وعلانيته كانا سواء في دقة الصدق وصراحة الحق، في جليل الشؤون وحقيرها وأن ذلك أخص شمائله واظهر صفاته قبل النبوة وبعدها كما شهد ويشهد به أصدقاؤه وأعداؤه إلى يومنا هذا23، ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون24.

المراجع:

[1]– الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، ص: 86.

2– الإسلام والمسلمون بين أحقاد التبشير وضلال الاستشراق للدكتور عبد الرحمان عميرة، ص: 100، الطبعة الأولى 1999م، دار الجيل للنشر، بيروت.

3– مصدر القرآن الكريم في رأي المستشرقين عرض ودراسة ونقد للدكتور محمد السيد راضي جبريل، ص: 38، بدون طبعة، نقلا عن “المستشرقون والقرآن الكريم” للدكتور يوسف لقمان.

4– الاستشراق والخلفية للصراع الحضاري، ص: 88ن نقلا عن اللبان 44/ 45.

5– الدراسات الاستشراقية للقرآن الكريم في رؤية إسلامية للدكتور إدريس مقبول، ص: 17، بدون طبعة، نقلا عن:

Gib: Mohammedanism, Oxford, 1950, 35- 37.

6– نفسه، ص: 17، نقلا عن:Rosenthal: the influence of biblical tradition on muslim Historigraphy, In Lewis P.M. Holt éd Historians of the Middle east, Oxford, 1962.

7– سورة الفرقان، الآية 4- 6.

8-سورة الفرقان، الآية: 6.

9– سورة النحل، الآية: 103.

10– سورة النحل، الآية: 103.

11– تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/ 518، تحقيق: محمد حسين شمس لدين، الطبعة الأولى 1419هـ، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، بيروت، وانظر نفس الكتاب 4/ 603، تحقيق: سامي بن محمد، سلامة، الطبعة الثانية 1420هـ / 1999م، دار طبعة للنشر والتوزيع.

12– من افتراءات المستشرقين على الأصول العقدية في الإسلام، ص: 122.

13– سورة التكوير، الآيات: 19 – 21.

14– سورة يونس، الآية: 15.

15– سورة يونس، الآية: 2.

16– سورة الأعلى، الآية: 6.

17– سورة القيامة، الآيات: 16- 18.

18– سورة العلق، الآيات: 1- 3.

19– سورة الكهف، الآية: 1.

20– سورة المزمل، الآية: 4.

21– النبأ العظيم نظريات جديدة في القرآن الكريم لمحمد بن عبد الله دراز، ص: 49- 50، اعتنى به أحمد مصطفى فضيلة، قدم له الدكتور عبد العظيم المطعيني، الطبعة الثانية، 1426هـ / 2005من دار القلم للنشر والتوزيع.

22– من افتراءات المستشرقين على الأصول العقدية في الإسلام، ص: 125.

23– النبأ العظيم، ص: 51- 52.

24– سورة يونس ، الآية: 16.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى