موقف المستشرقين من الإيمان باليوم الآخر

thumbnail
موقف المستشرقين من الإيمان باليوم الآخر
 
يعتبر الإيمان باليوم الآخر اركن الخامس من أركان الإيمان بالله تعالى، وأصل من العقيدة الإسلامية، فلا إيمان لمن جحد الآخرة وأنكرها، ولأهمية هذا الأصل انكب المبغضون للإسلام من المستشرقين على اختلاف أكاذيب وافتراءات عساها تزعزع عقيدة المسلمين ومن ثم النيل منها، ومن هذه المزاعم والافتراءات:
ما قاله المستشرق جولد تسهير من أن (ما كان يبشر به النبي صلى الله عليه وسلم خاصاً بالدار الآخرة ليس إلا مجموعة موارد استقاها بصراحة من الخارج يقيناً، وأقام عليها هذا التبشير).
ويزعم المستشرق الفرنسي هنري ماسيه أن الإسلام اخذ بعضاً من تعاليمه المتعلقة باليوم الآخر من مصادر خارجية، فمفهوم عذاب القبر أخذ من النصرانية، واخذ اسم الفردوس من الفارسية، أما الجنة وأنهارها المذكورة في القرآن الكريم فهي (تذكارات) لأنهار الجنة في اليهودية والمسيحية.
ويرى رودلف أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يذكر شيئاً جديداً من نعيم الجنة سوى العذارى الحور، أما كلمة عدن فهي ذات أصل يهودي، وفردوس مسيحية وقد جعل القرآن الناس ذو مراتب، ويرجح أن هذه الفكرة ذات أصل مسيحي.
ويمكن الرد على هؤلاء المستشرقين بما يلي:
إن الزعم الاستشراقي القائل بأن الإسلام اقتبس تعاليمه الخاصة باليوم الآخر من مصادر خارجية زعم لم يصاحبه دليل يقويه أو برهان يحميه، بل هو بمثابة إطلاقات وتعميمات مجردة عن البرهان، ومن أراد الالتزام بالموضوعية وصبغ ما يقوله بالصبغة العلمية على أن يأتي بمستند معتبر في أي ركن من أركان الدين ليؤكد لنا حقا أن النبي صلى الله عليه وسلم بالفعل قد اخذ تعاليمه هذه من مصادر أجنبية وليس عن طريق السماء.
والذي يدعو إلى الدهشة أن المستشرقين يكتبون في هذه القضية ويدعون أن ما يكتبونه كلام يقيني غير قابل للنقض كما رأينا (جولد تسيه) الذي يصرح ويقول: (يقيناً قد استقى محمد أفكاره من الخارج) ولا أدري من أين أتاه هذا اليقين وما الوسيلة التي جعلته يصل إلى ذلك ولماذا لم يذكرها؟!    
وكيف يكون ذلك كذلك وهو الذي تلا على الناس قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾، فمن اقتنع بما جاء به بدون إكراه فهو حبا به في الإسلام، وإلا فهو حر التفكير، حر الإتباع، وعلى ذلك فيقيناً بل حق اليقين أن (جولد تسيهر) وغيره من الكاذبين وإلا فأين الدليل الذي ثبت أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أخذ التعاليم الأخروية من مصادر أجنبية يهودية كانت أو نصرانية، وهل حقا عند اليهود والنصارى من هذه التعاليم الأخروية ما وجد في الإسلام.
ومعلوم عندنا أن الله تعالى أوحى لموسى بالتوراة وفصل له فيها كل شيء، ومن ضمن ذلك اليوم الآخر وما يقع فيه من نعيم في الجنة أو عذاب في النار، والذي يذهب لكي يقرآ التوراة عند اليهود الآن مستقر في ذهنه أن هذه التوراة وبقية أسفار الأنبياء عندهم بها حديث فياض عن أحوال الآخرة، لكن المرء يصاب بالدهشة حينما يرى أن هذه الكتب تهتم اهتماماً عارماً بكل صغيرة وكبيرة عن الخلق والسماوات والأرض، وبدء الحيات، ولا تهتم البتة بنهاية الحياة والدار الآخرة.
والمستشرقون يزعمون أن ما في الإسلام من أمور أخروية نقل عن الكتب اليهودية هذه، وها هي الكتب بين أيدينا نتصفحها بدءاً من سفر التكوين ومروراً ببقية الأسفار الخمسة- التكوين، الخروج، التثنية، العدد، واللاويين، والتي يقال عنها أن موسى عليه السلام قد كتبها بيده، وانتهاءاً بأسفار الأنبياء (34 سفراً والتي بها ينتهي العهد القديم ويختم، فلا نجد إلا حديثاً مقتضبا عن الآخرة وأحوالها، بل قضية البعث في الآخرة لم تذكر الأسفار الخمسة عنها شيئاً وإن كان هناك حديث عن الآخرة  والبعث وما يتعلق بذلك فهو مذكور على استحياء في أسفار الأنبياء.
أما الحديث عن اليوم الآخر عند النصارى فإننا لم نجد النصارى أحسن حالا من اليهود في ذكر ما يتعلق بالآخرة، والسبب أنهم لكتب اليهود تابعون، ولأسفارهم وشريعتهم محتضنون، وعلى دربهم في التحريف سائرون، ودليل ذلك أن عقيدة مثل عقيدة اليوم الآخر لابد أن يكون نبي الله عيسى عليه السلام بها بلغ وأفاض في شرحها وتفاصيلها وما يتعلق بها، لكن الملاحظ أن العقد الجديد عندهم كما يقول أحد الباحثين: (لم يقل إلا قليلا عن تفاصيل الآخرة وما فيها أو بمعنى آخر لم تذكر الأناجيل الأربعة إلا تقريرات إجمالية عن قرب وقوع القيامة للحساب ولجزاء، وأن الذي سيقوم بهذا العمل هو المسيح نفسه، لأنه هو إله العالمين عندهم)، ولم ينقل عن المسيح في هذه الأناجيل هذا الزعم الباطل بألوهيته، كما لم ترو عنه الأناجيل إلا بعض كلمات قليلة تعبر عن أهوال القيامة والتعذيب والتنكيل كما يقول صاحب كتاب “قضية الألوهية بين الفلسفة والدين” ولكن الذين حملوا دعوته من بعده أو الذين ادعوا ذلك وسمعوا هذه الكلمات صوراً مجسدة لأدوات التعذيب، كما صنعوا ملامح تتقاتل فيها زبانية جهنم على تقاذف الناس في أتون النار وإنضاجهم على لهيبها، قيل إننا أخذنا منهم عقيدتنا في اليوم الآخر.
واذكر هنا نموذجاً واحداً من بين آلاف النماذج القرآنية التي تثبت وقوع البعث والقيامة، وترد على المنكرين والملحدين في كل زمن وفي كل حين، قال جل شأنه: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من من يحي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون، أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى وهو الخلاق العليم، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ﴾، والمتأمل لهذا المقطع من سورة يس يشعر بمدى ثرائه بالمفاهيم المتنوعة والأجوبة المختلفة التي تقنع كل أصناف المتشككين في البعث والإعادة، فالجميع إلى الله يرجع لماذا؟
لأنه وحده بيده ملكوت كل شيء ومن كان كذلك فهو وحده القادر على الجمع بع التفريق والقيامة بعد الإماتة وكل ذلك عليه هين، والدليل انه يخرج أمام أعينكم الضد من الضد، يخرج من الشجر الأخضر المبلل بالماء ناراً، والذي يفعل ذلك يستطيع أن يبعث الخلق.
والعقل يقبل ذلك ولا يرفضه ويقتنع به ويرضيه، ولو بحث عنه غير الإسلام ما وجده، يقول الشيخ محمد الغزالي متعجباً مما أثاره المستشرقون من مزاعم حول ما ذكره الإسلام من أمور أخروية وقولهم بأنها أخذت عن اليهودية والنصرانية فيرد ويقول: (إن الدين الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم أوسع أقطار وأرحب آفاقاً مما سبقه، فكيف يتصور أن يأخذ الغني من الفقير وأن يستعين القادر بالعاجز، إن التوراة لم تتحدث عن الآخرة أعني الصحف التي بين يدي اليهود الآن، فهل ما حفل به الإسلام من حديث عن الآخرة وعن الجنات وما فيها من مثوبة والنيران وما فيها من عقوبة مأخوذ من كتبهم- ومن كتب النصارى- إن هذا الشيء عجاب).
وتأييداً لما ذهب إليه الشيخ الغزالي، أقول إن الدين الإسلامي حافل بالحديث عن اليوم الآخر من غير اقتباس لا من الملل والنحل السابقة عليه، بل هو بوحي من الله الواحد العلام.
المراجع:
[1]– العقيدة والشريعة ف الإسلام، ص: 15.
2– من افتراءات المستشرقين على الأصول العقدية في الإسلام، ص: 226، نقلا عن كتاب الإسلام، ص: 144-  148.
3 صور استشراقية، ص: 74.
4– سورة البقرة، الآية: 255.
5– نفسه، ص: 230، نقلا عن اليوم الآخر بين اليهودية والمسيحية والإسلام، للدكتور فرج الله عبد الله، ص: 431- 432، دار الوفاء للطباعة والنشر.
6-نفسه، ص: 230، نقلا عن قضية الألوهية بين الفلسفة والدين (الله…. والإنسان) لعبد الكريم الخطيب، ص: 278.
7– سورة يس، الآيات: 77- 82.
8– تفسير القرآن العظيم، لابن كثير 6/ 596.
9– دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين، ص: 57، بتصرف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى