وضعية المرأة عند الرومان قبل الإسلام

thumbnail
وضعية المرأة عند الرومان قبل الإسلام1
 
 
   عندما نسبر غور التاريخ الإنساني، نلاحظ بأن المرأة الرومانية سواء في العصور القديمة أو المتأخرة، مستهان بهـا إلى أبعد مدى، وغير عابئ بإنسـانيتها ولا بكونها نصف المجتمع وسر وجوده حتى، بحيث لم تكن لها أية قيمة تذكر، ولم تر خلال هذه العصور كلها، إلا ألوانا من المهانة والاحتقار، وطرقا شتى في التعذيب والجرائم.
   لقد كان الأمر عند الرومان في العصر القديم، أن “الأب ليس ملزما بقبول ضم ولده منه إلى أسرته ذكرا كان أو أنثى، بل كان يوضع الطفل بعد ولادته عند قدميه، فإذا رفعه وأخذه بين يديه كان دليلا على أنه قبل ضمه إلى أسرته، وإلا فإنه يعني رفضه لذلك، فيؤخذ إلى الساحات العامة أو باحات هياكل العبادة فيطرح هناك، فمن شاء أخذه إذا كان ذكرا، وإلا فإن الوليد يموت جوعا وعطشا وتأثرا من حرارة الشمس أو برودة الشتاء”2.
  “والوضع القانوني للمرأة الرومانية قديما كان هو الحكومية الكاملة للرجل، بحيث كانت خاضعة أولا لسلطة أبيها أو أخيها، ثم لسلطة زوجها الذي كان يتمتع بسلطان الأبوة عليها”3، و”كانت هذه السلطة تشمل البيع، والنفي، والتعذيب، والقتل، ولم يلغ ذلك إلا في قانون جوستنيان، حيث أصبحت سلطة الأب فيه لم تعد تتجاوز التأديب”4.
   هذا و”لم يكن للبنت حق التملك، وإذا اكتسبت مالاً أضيف إلى أموال رب الأسرة، ولا يؤثر في ذلك بلوغها ولا زواجها، ويتحرر الابن البالغ فور وفاة رب الأسرة، بينما الفتاة تنتقل الولاية عليها إلى الوصي مادامت على قيد الحياة .. أما بالنسبة للأهلية فكانت قوانين الألواح الاثني عشر تَعتبر (السن، والحالة العقلية، والأنوثة) أسباباً لعدم ممارستها، وحتى في ظل قانون جوستنيان بقيت البنات والسيدات البالغات الخاضعات لسلطة رئيس أسرة (أب أو زوج)، والنساء البالغات المستقلات في بعض حالاتهن عديمات الأهلية الحقوقية كذلك”5، لأنه ببساطة “كان شعارهم الذي تداولوه إبان حضارتهم أن قيد المرأة لا ينزع، ونيرها لا يخلع”6.
   “والجدير بالذكر أن هذه الحالة التي كانت عليها المرأة الرومانية، لم تستمر لفترة طويلة، إذ سرعان ما حصلت على بعض حقوقها الهامة عندما أطلّ التقدم والتطور على البلاد الرومانية”7، وتقلبت في نعيم الحرية التي فقدتها منذ ولادتها، ولكن السؤال الذي لا مناص من طرحه في هذا المقام، هل استمر هذا النعيم رفيق النساء في مراحل البذخ والشدة معا، أم سرعان ما تحول إلى جحيم كلما دخلت الحضارة مراحل الشدة؟
   إن من عادة الحضارات الكبرى في مراحل الترف والبذخ، أن تلجأ إلى النساء فتوهمهن بشيء من الحقوق والمكانة، لأنهن في هذه المراحل مطلبا من مطالب المتعة الاجتماعية في حياة الرجال  ولكن سرعان ما ينكشف القناع عن وجه الحضارة المخادع، فتعود إلى هضم حقوقهن من جديد  والحط من مكانتهن في مراحل الشدة والإدبار الحضاري، وهذا ما وقع بالضبط مع المرأة الرومانية بعد أفول شمس نعيمها، فما تعرضت له من المظالم  في العصور الوسطى، تذوب لهولها الأكباد، وتتقطع لقسوتها القلوب.
   لا غرو أن تجد أولي الطبائع الوحشية تمتد يدهم إلى النساء فتجعل منهن مَعرضاً لفنون التعذيب وموضعا لسهام دناءتهم، فقد ذكر مؤلف دائرة القرن العشرين جملة ما تعرضت له النساء الرومانيات من إهانات وجرائم إبان العصور الوسطى، فقال: “حرموا عليهن أكل اللحم والضحك والكلام، وغالوا في ذلك حتى وضعوا في أفواههن أقفالا متينة يسمونها (موزليبر)، وتفننوا بعد ذلك في تعذيبهن حتى الموت دون أدنى جريمة ارتكبنها، ومن هذه الفنون في التعذيب صب القطران على أجسـامهن  وكذلك ربط أرجلهن في أربعة خيول وتركها تركض في كل الاتجاهات حتى تمزقهن تمزيقا، ومنها أيضا ربط جماعة منهن في سارية وتحتهن نار هادئة تتقد مدة أيام عديدة لتتساقط منهن اللحوم والشحوم”8.
المراجع:
 
1 مأخوذ من بحث الإجازة بعد إذن صاحبه. نوقش خلال موسم 2016/2017م.
2 “المرأة بين الفقه والقانون ” للدكتور السباعي مصطفى، ص 14، الطبعة السابعة، دار الوراق.
3 ” دائرة المعارف البريطانية” ج 19/909، نقلاً عن “المرأة بين شريعة الإسلام والحضارة الغربية” لوحيد الدين خان، ص 53، ط 1، دار الصحوة.
4 “المرأة بين الفقه والقانون ” للدكتور السباعي مصطفى، ص 15، الطبعة السابعة، دار الوراق.
5 المرجع السابق، للسباعي مصطفى، ص 15-16، بتصرف، دار الوراق.
6 ” المرأة في القرآن” للأديب عباس محمود العقاد، ص 49، دار نهضة مصر.
7 ” تطور المرأة عبر التاريخ ” لباسمة كيال، ص 38، مؤسسة عز الدين.
8  ” دائرة معارف القرن العشرين “، لفريد وجدي، ج 8/621-622، دار الفكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى