وضعية المرأة عند اليونان قبل الإسلام

thumbnail
وضعية المرأة عند اليونان  قبل الإسلام1
   دأب معظم المؤرخين على تقسيم العصور التاريخية لليونان إلى عصرين متميزين، هما العصر البطولي والعصر الكلاسيكي، ولهذا ارتأينا أن نعرض صورة المرأة في كلا هذين العصرين.
   أما “العصر البطولي فهو تلك الحقبة الموغلة في القدم (من 1200 إلى 1000 ق.م تقريبا)  وهي الفتـرة التي وقعـت فيها حـرب طـروادة، وتسـودها الأساطـير اليونانـية التي يمـثلها “هوميروس” و”هزيود”2 فالأساطير هذه تساعدنا على دراسة تاريخ الحضارة اليونانية في هذه الحقبة بصفة عامة وتاريخ المرأة بصفة خاصة3.
   لقد كانت وضعية المرأة في هذا العصر وضعية سيئة للغاية، إذ النساء في هذا العصر لم تكن لهن أية حقـوق، وإنـما كن يـخضعن لسيطرة الرجل تـماماً، كـن يعشن في قلـق دائـم بصـدد مصيرهن المقبل، فالـرجل هو السيد المسيطر في عصر البطولة، وهو صاحب المكانة وحده دون المرأة.
   فكما ذكرنا آنفاً أن العصر البطولي هو عصر الأساطير اليونانية، فلا شك أنها –  الأساطير – قد صورت وضع المرأة في السماء كما هو على الأرض، فالميثولوجيا اليونانية تتلخص في “أن “زيوس” كبير الآلهة تزوج من “هيرا” وكانا يعيشان في جبال الأولب، وعلى هذه الأرض المقدسة تمت مراسيم زواجهما، ثم أصبحت “هيرا” ربة الزواج وسيدة المنزل التي تساعد غيرها من النساء على الزواج  وتقف بجوارهن أثناء الحمل والولادة، لكنها كانت هي نفسها تعاني من متاعب لا حصر لها مع “زيوس” كبير الآلهة ورب الأسرة، فهو رغم مكانته وجلال قدره لم يكن زوجا مخلصا، فلم يجد حرجا أو غضاضة في خيانة زوجته، بل إنه يتحايل بشتى الطرق للاتصال بغيرها من النساء إلهات كن أو بشرا.
   وباختصار كان ل”زيوس” عدة عشيقات، إلى جانب زوجته الشرعية، لكنه كان رجلا خائنا لعهود الزواج، ولم يكن أمام زوجته سوى الاستسلام. وهذا ما كان يحـدث بالضبط على الأرض  فقد كان الإغريق من الشعوب التي تؤمن بالزواج الواحدي، أي تؤمن بزوجة شرعية واحدة، لكنهم كانوا لا يضيقون ذرعا بانحراف الأزواج، ويغمضون العين عن العلاقات الكثيرة غير المشروعة التي يمارسها الرجل.
   وهكذا فالأسطورة مرآة تقرب لنا صور المجتمعات الغابرة، وإلى هنا يشير فينلي M.Finley بقوله: ليس من شك في أن هوميروس يكشف تماما ما كان يصدق على العالم القديم كله، وهو النظر إلى المرأة على أنها بحكم الطبيعة أدنى من الرجل، ومن ثم فهي تقتصـر في وظيفتـها على الجنـس والإنجاب، وأداء الواجبات المنزلية، أما العلاقات الاجتماعية ذات المغزى فينبغي أن تترك للرجل”4.
   والانتقاص من المرأة في هذا العصر يتجلى بحق فيما يرويه “هزيود” عن خلق الآلهة للإنسان فقد “روى أن بروميثيوس هو الذي خلق الرجل، ثم بعد توالي السنين فكر في نعمة يسبغها على عباده الصالحين، فسرق النار المقدسة في غفلة من زيوس، فغضب كبير الآلهة وعاقبه بتكبيله بالأغلال. ثم عاقب عبادَه أيضاً، فخلق لهم الأنثى، وهذه المرأة الأولى هي “بندورا”، فالرجل قبل مجيء بندورا كان يعيش في جنة دانية القطوف لا يعمل ولا تصيبه أمراض، ولكن بمجيئها إلى الأرض ظهرت لأول مرة أنواع من الأمراض والعلل، وآفات الفقر … التي انطلقت من الصندوق5، فملأت الأرض بمختلف أنواع الشدائد.
   ثم إن هزيود يجعل من الإله المتروي والمتبصر “بروميثيوس” خالقا للرجل، “وهيفاستوس” الأعرج الشائه خالقا للمرأة، الأمر الذي يكشف مدى الكراهية المتأصلة في التراث اليوناني للمرأة فخالقها هـو إله شائه، جاء إلى الدنيا بقدمين معكوستين أصابعهما في الخلف، وعقبهما في الأمام وأنجبته “هيرا” وهي في حالة غضب من زيوس، ووضعته قبل ميعاد ولادته”6.
   أما “العصر الكلاسيكي فهو تلك الحقبة التي ازدهرت فيها أثينا وإسبرطة، أقوى المدن اليونانية على الإطلاق، حيث بلغت إسبرطة قمة مجدها العسكري ، وعاشت أثينا عصرها الذهبي في الثقافة ، والفنون، والآداب، وهو عصر ربما امتد ثلاثة قرون (من نهاية السابع الى نهاية الرابع ق.م) ووقعت فيها الحروب الطاحنة، بين هاتين الدولتين الكبيرتين”7، فكيف كانت وضعية المرأة في كلا هاتين المدينتين؟
   أ – إن التاريخ يحدثنا عن صنفين من النساء في أثينا إلى جانب الجواري، صنف مقيد بالأغلال  يكاد لا يعرف ما حاط بجدران بيته، وصنف لا قيود عليه، فالأول هن الأثينيات الأصليات والثاني هن الأجنبيات، أي اللائي لسن من مدينة أثينا وإن كن يونانيات من مدينة أخرى، فهؤلاء باستطاعتهن أن يفعلن ما شئن دون قيد أو شرط، ولهذا كانت المرأة الأثينية الحرة كثيرا ما تحسد الأجنبية على هذه الحرية.
فالمرأة الأثينية الحرة في ظل هذه الفترة، كانت تُعامل كأي سلعة تباع وتشترى في الأسواق مهضومة الحقوق، يُنظر إليها كرجس من عمل الشيطان .. يصف لنا الدكتور مصطفى السباعي وضعيتها في كتابه المرأة بين الفقه والقانون، فيقول: “كانت محرومة من الثقافة لا تسهم في الحياة العامة بقليل ولا كثير، وكانت محتقرة حتى سموها رجسا من عمل الشيطان، فقد كانت المرأة عندهم كسقط المتاع تباع وتشترى في الأسواق، وهي مسلوبة الحرية والمكانة في كل ما يرجع إلى حقوقها المدنية ولم يعطوها حقها في الميراث…”8 ، و”نادرا ما يسمح للزوجات وأمهات البيوت بمصاحبة الرجال في الأندية والمحافل المهذبة، وخلت مجالس الفلاسفة من جنس المرأة، ولم يشتهر منهن امرأة نابهة”9، “وكانت تحل في المنازل الكبيرة محلا منفصلا عن الطريق، بالكاد يكون له نوافذ ضيقة، محروس الأبواب، لا يسمح لها بمغادرة البيت، بل تقوم فيه بكل الأعمال التي يحتاجها من غسيـل، وطبـخ وتربية الأولاد وكنس، ومسح، بانتظار وصول الزوج، صاحب الإرادة والقوة المسيطر عليها”10.
   أما المرأة الأجنبية فكانت مهمتها الوحيدة هي إمتاع الرجل الأثيني في أوقات فراغه، فلم يكن لها أي حق ولا امتياز، وكانت الدولة تحرص في مسألة النساء الأجنبيات هذه ألا يدنسن المدينة، أو يدنسن طهارة دم المواطن الحر، حتى تبقى الحقوق والامتيازات والممتلكات للرجل الأثيني وحده لأن الفكرة السائدة في مدينة أثينا آنذاك، هي أن جميع سكانها تربطهم روابط الدم، ولذلك كان من الأهمية بمكان أن يستمر هذا النسل نقيا طاهرا، حتى لا تتسرب الحقوق والامتيازات لشخص أجنبي11.
   ب – هذا وأما وضعيـة المرأة في مدينـة إسبرطـة فكانـت تختلف نوعـا مـا عن وضعيـتها في أثينـا ففي هذه المدينة ـ أي إسبرطة ـ نجدها قد نالت شيئا من الحقـوق المدنيـة، “فأعطـوها شيئاً من الحـق في الإرث والبائنة12 وأهلية التعامل، وما كان ذلك عن سماحة منهم واعتراف بأهلية المرأة، وإنما كان لوضع المدينة الحربي، حيث كان أهلها في حرب وقتال، فكان الرجال يشتغلون بالحرب دائما ويتركون التصرف حال غيبتهم للنساء، ومن هنا كانت المرأة في إسبرطة أكثر خروجا إلى الشـارع وأوسع حرفـة من أختها في أثينا وسائر مدن اليونان”13، و”لهذا السبب كان أرسطو يعيب على أهل إسبرطة أنهم يتساهلون مع نساء عشيرتهم، ويمنحونهن من حقوق الوراثة والبائنة وحقوق الحرية والظهور ما يفوق أقدارهن، ويعزو سقوط إسبرطة واضمحلالها إلى هذه الحرية، وهذا الإسراف في الحقوق”14، وقال عنها الحكيم سقراط ” إن المرأة هنا، هو أكبر منشأ ومصدر للأزمة والانهيار في العالم ، إن المرأة تشبه شجرة (مسمومة) حيث يكون ظاهرها جميل، ولكن عندما تأكل العصافير تموت حالاً “15.
المراجع:
 
1 مأخوذ من بحث الإجازة بعد إذن صاحبه. نوقش خلال موسم 2016/2017م.
2 “أفلاطون والمرأة” للدكتور إمام عبد الفتاح إمام، ص 20، مكتبة مدبولي.
3  إن دراسة الأساطير اليونانية تشكل تمهيدا ضروريا لدراسة تاريخ المرأة في هذه الحضارة، فالأساطير ليست مجرد أكاذيب، بل هي محاولة من الإنسان لفرض نظام رمزي على الكون، مقدمة كتاب “النساء في العالم القديم” لسارة بومبري، نقلاً عن ” أفلاطون والمرأة” لعبد الفتاح إمام، ص 20.
4  انظر كتاب ” أفلاطون والمرأة” لصاحبه إمام عبد الفتاح إمام، من ص 20 إلى ص 24، مكتبة مدبولي.
5  هو الصندوق الذي أرسله زيوس هدية إلى بندورا بمناسبة زواجها، وكان يحوي جميع المصائب والشرور.
6  ” أفلاطون والمرأة” لصاحبه إمام عبد الفتاح إمام، ص 27 – 28، بتصرف، مكتبة مدبولي.
7  المرجع السابق، للدكتور إمام عبد الفتاح إمام، ص 31، مكتبة مدبولي.
8  “المرأة بين الفقه والقانون” للدكتور السباعي مصطفى، ص 13، الطبعة السابعة، دار الوراق.
9  “المرأة في القرآن” عباس محمود العقاد، ص 48، دار نهضة مصر.
10  ” تطور المرأة عبر التاريخ” ص 32، لباسمة كيال، مؤسسة عزالدين.
11  تلخيص لأهم ما جاء في كتاب “أفلاطون والمرأة” عن المرأة الأجنبية، للدكتور إمام عبد الفتاح إمام، ص 37 وما يليها، مكتبة مدبولي.
12  البائنة: ما يخص للبنت عند زواجها، أي ما تحمله معها من أثاث وأوانٍ ومال يوم زِفافها.
13  “المرأة بين الفقه والقانون ” للدكتور السباعي مصطفى، ص 14، الطبعة السابعة، دار الوراق.
14 “المرأة في القرآن” عباس محمود العقاد، ص 49، دار نهضة مصر.
15 ” تطور المرأة عبر التاريخ” لباسمة كيال، ص 37، مؤسسة عزالدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

العودة إلى الأعلى